شارون إسرائيل و"شارونات " العرب

شارون إسرائيل و"شارونات " العرب
السبت 18 يناير 2014 - 17:00

دافيد بن غوريون، غولدا مائير، موشي ديان، مناحم بيغن، إسحاق شامير،إسحاق رابين، شيمون بيريز ثم أرييل شارون.هم،أساطين المافيا العتيدة،والجيل العقائدي الأول للحركة الصهيونية،الذين استماتوا بكل الوسائل من أجل إقامة وطن لشعب اليهود :حربا وسلما،قوة وحيلة،جبرا و اختيارا…،وهم فقراء من كل شيء،غير مرجعيتهم العتيدة،وإرادتهم الفولاذية،وذكائهم الاستراتجي البعيد المدى،في قلب محيط عربي،غني بكل شيء،لكنه لايملك مرجعية وإرادة أو استراتجيه.

بالإعلان عن وفاة شارون رسميا،المسجى سريريا منذ إصابته بسكتة دماغية سنة 2006،لم يبق من ذلك الجيل الرهيب الذي هزم العرب شر هزيمة خلال كل الحروب الرسمية وغير الرسمية،المشهورة والسرية،التقليدية والمخابراتية،غير الرئيس الحالي للدولة، شيمون بيريز.

شارون المجرم،الدموي، الوحش، القاتل، الخنزير…،أسرد ما بدا لك، مستلهما كل معجم العفونة المصاغ بمختلف اللغات.لكن، حين تستحضر للحظة تجرد العقل،وتنتقل إلى الموقع الآخر،حيث معرفة العدو بكيفية واقعية وموضوعية،يمثل أنجع الوسائل للالتفاف عليه،فحتما ستدرك أن شارون يمثل رمزا تاريخيا للدولة العبرية،كرس حياته منذ سن الرابعة عشر لما انضم إلى صفوف عصابات الهاغانا، في سبيل إقامة هياكل مشروع هذه الدولة السرطانية، دؤوبا على العمل ليلا ونهارا،صيفا وشتاء، لم تزحه عن هدفه سوى الوعكة الصحية، التي شكلت آخر وعد له، مع مباشرة ملفات تل أبيب العسكرية والاقتصادية.

صحيح،أن أسطورة شارون تعود في نصيب كبير من نحتها،إلى وفاة النظام الرسمي العربي،فلو كان الأخير ينعم بقليل من الحياة،لتمكن منذ زمن طويل،من جر شارون كثور مثخن بجروحه، مخضب بالدماء، نحو أقرب محكمة عربية،وأقام له مشنقة وسط ساحة عمومية،عقابا له عما فعله بالفلسطينيين ومن خلالهم تحنيط المصير العربي.

غير، أن أصحاب مؤتمرات أسواق عكاظ،الذين رددوا باستمرار أمام كاميرات تلفزيونات شعوبهم،ذات العبارات الممجوجة،فأغدقوا على شارون وفعله أشنع الصفات،هم أنفسهم من توددوا إليه خفية، يطلبون سكينته ورضاه عليهم،ويدعونه إلى زيارتهم في منتجعاتهم الخاصة،احتفالا ورقصا.لكن،شارون بتكوينه “البلدزوري” “الصادق”، المنحدر من أب بولوني وأم روسية وما يجسده ذلك من جينات الصلابة،على النقيض مثلا من برغماتية بيريز أو بيغن، لكن في حدود احترامهما للثوابت الكبرى للأطروحات الصهيونية،كان يرفض سلوكا كهذا،مؤمنا كعسكري خبر الحروب بشكل فعلي،أن قسمه بخصوص الدولة العبرية وتعاقده مع الناخبين الاسرائليين،يحول بينه وبين الدخول في لعبة حربائية وزئبقية،مرددا مقولته الشهيرة :((لايمكن لأحد أن يلقي علي محاضرة بشأن الحاجة للسلام،أنا الشخص الذي خاض كل المعارك،لذلك فأنا الشخص الذي بإمكانه أن يمنع اندلاع الحرب)) ،لذلك ما ثبت أن التقى مسؤولا عربيا،أو حتى مجرد التلميح إلى إشارة من هذا القبيل.

بالتالي،فشارون على منوال الأبطال القوميين،يجمع بشجاعة نادرة بين النظر والعمل،ما يؤمن به عين ما يجسده على أرض الواقع. في المقابل،كم حاكم عربي؟سربت عنه الأرشيفات السرية،أنه غدر بالفلسطينيين خاصة وبأبناء جلدته عموما،مسرعا بالأسرار نيئة وطازجة،إلى قادة الموساد.

من يستعيد مشاهد شارون،وهو يقود جيشه على الجبهة المصرية خلال حرب1973،يشعر حقيقة أن هذا الجنرال قائد عسكري بكل ما تطويه الكلمة من معنى،استحق الريادة عن جدارة،ليس كالجنرالات العرب،الذين تتدلى فوق صدورهم روزنامة ثقيلة من النياشين،دون أن يعرفوا وطيس معركة واحدة،ربما أثناء مشاهدتهم للأفلام الأمريكية عن الفيتنام،وفي أفضل الأحوال،مطاردة الشعوب المقهورة في زوايا الشوارع.

خاض شارون،كل الحروب ضدنا نحن العرب،وهزمنا على جميع المستويات،لنقارن حاليا،كم هي متخلفة المنظومة العربية،قياسا للدولة العبرية !لم يكن يخاطب ،الاسرائليين في كل مناسبة،بيد أنه يصنع الحدث حين المناسبة وغيرها،ثم بالكيفية التي يريد.بينما نموذج ثان كالقذافي،الذي أراد أن يصير ملك الملوك،يتوسد كنزا من المال،يستيقظ الليبيون وينامون على خطبه البيزنطية،بخصوص جبهة التحدي والصمود،التي ستواصل مخطط عبد الناصر بإلقاء إسرائيل إلى ما وراء البحر. إنه مثال للزعيم العربي،الذي لايشق له غبار،فكان يرتدي بين خطبة وخطبة،بذلة عسكرية غير سابقتها مضيفا إليها وساما جديدا.بعد أربعين سنة،اكتشفنا ومعنا باقي العالم،أن غرف باب العزيزية،لم تكن ممتلئة بوثائق لهزم إسرائيل بل وقبلها بناء ليبيا عصرية،لكن فقط أدراج تزخر بأقراص الهلوسة والفياغرا المهيجة جنسيا،بمعنى أن صاحبنا كان جنرالا جنسيا.

عندما يموت الحاكم العربي، أويزاح، كما حصل مع بدايات الربيع العربي،يخلف بلا خلاف وراءه بلدا منتهيا، تلتهمه الأزمات من كل جانب،يبتلعه الفساد والتخلف والتشرذم المذهبي والطائفي،ثم شتى أنواع الوصوليات والأصوليات،مادام قد قضى مدة حكمه في تدبر مختلف مؤسسات التنكيل بشعبه،وجرف ثروات البلد مسرعا بها نحو البنوك الأوروبية والأمريكية.

شارون،قضى نحبه،وليس في ذمته ملفا واحدا من ملفات الاختلاس.يده نظيفة،اللهم من لعنة دم الفلسطينيين ،لم يسرق أو ينهب أو يلقي بمعارضي الرأي من أبناء وطنه،في غياهب معتقلات رهيبة لانجد لها مثيلا إلا فوق الأرض العربية،حيث الجميع يعيش تحت الحراسة النظرية.

ظل إعلامنا العربي،يلصق بشارون صورة السفاح الهمجي المنفذ العملي للجرائم التالية:مجزرة بلدة قبية(1953)،قتل وتعذيب الأسرى المصريين(1967)،اجتياح بيروت(1982)،مجزرة صبرا وشاتيلا(1982)،مذبحة جنين(2002)،عملية السور الواقي.لكن،بالمنظور ذاته،كم قتل حافظ الأسد من السوريين؟كم،سيبدو شارون تلميذا متدربا، حيال دموية بشار وزبانيته ؟كم، قتل جنرالات الجزائر من الجزائريين،باسم الدفاع عن “الحداثة”،خلال العشرية الدموية؟كم،قتل “المتدينون الجزائريون”من غير “المتدينين” باسم دولة الله والرسول؟كم،قتل الفلسطينيون العملاء من الفلسطينيين الشرفاء،خدمة لأجندة مخابرة عربية؟كم،سحق اللبنانيون بعضهم بعضا سدى باسم الوزيعة الطائفية،قبل اجتياح شارون لجنوبهم؟… .

أخيرا،رغم كل ماسبق، أردد من باب التسلية،مع المغني المصري شعبان بأني أكره شارون ومعه إسرائيل،دون أن أكون مضطرا كي أحب عمرو موسى ونماذجه في العالم العربي،لأني لا أحب غير الحقيقة، كما هي.

‫تعليقات الزوار

4
  • شارون وفرحة العربان
    السبت 18 يناير 2014 - 19:59

    لقد مات ارئيل شارون..انه الخبر الذي حرر صيحات التهليل والتكبير , وانطلقت الزغاريد والأفراح والأيام الملاح , وهاجت الخطب النارية العرباوية الصاخبة التي تؤكد وتؤكد وتؤكد أن هذه هي النهاية الحتمية لكل سفاح أجرم في حق الدم العربي "الغالي العزيز"..والذي يُضحك الثكلى يوم الجناة هي عندما ترن في مسامعنا خطب قراصنة الدين التي تنبئنا بان هذه آية من آيات الله في خلقه , وهي إشارة من السماء تجسدت في صورة من صور الثأر الدنيوي قبل الأخروي..وبقيت ساكنا انتظر اللسان الحكيم الذي ربما سيصرخ وينطق بالحق في حفلة المجون والجنون هذه , ويضع حدا لهذه الترهات العرباوية الآثمة , ولكن للأسف لم أجد في سوق الكلام سوي الجنون الذي ما بعده جنون..
    أليس فيكم رجل رشيد يقول كلمة متزنة في هذه المأساة التي نعيشها , ويُوضح لهؤلاء البشر أن نهاية شارون هي ليست مدعاة للفرح والشماتة , وإنما هي مدعاة لتذمر والتحصر علي حالنا..ألا تعرفون أن شارون نال كل الرعاية والعناية إلي آخر لحظة من حياته في حين نحن نموت كل لحظة دون أن نجد حتى من يدفننا.

  • ميتة القذافي وشارون
    السبت 18 يناير 2014 - 21:03

    النهاية المأساوية التي تجعل حتى ألد الأعداء يُشفق علينا هو الموت الذي يقطف رؤوس شبابنا كل يوم ثم يلقي بجثثهم كأكياس القمامة في المزابل..ميتة الذل والهوان عندما لا نجد دواء في المستشفي يخفف عنا ألامنا .ميتة الذل والهوان هي العائلات التي تموت كالكلاب الضالة من شدة البرد دون أن تجد بيت يؤويها..الميتة المهينة الحقيقية هي أن نري شبابنا وهم في عمر الزهور يسافرون كل يوم إلي العالم الآخر دون أن يجدوا حبيبة تبكي فراقهم أو قصيدة شعرية تخلد ذكراهم..الميتة المذلة الحقيقية أن تري عربا يحاربون عربا , وعربا يكفرون عربا , وعربا يخونون عربا..هل رأيتم كيف كانت نهاية الزعيم الراحل القذافي إمام المسلمين وملك ملوك إفريقيا؟؟..لو كان لك الاختيار عزيزي القاري بين ستختارها لنفسك أو لعزيز عليك..فماذا كنت ستختار؟؟..اهو الموت علي طريقة أم الموت علي طريقة شارون؟؟..وما رأيك في الموت علي طريقة الجثث المتطايرة المشوية المجهولة الهوية والتي نرسلها كل يوم إلي السماء في عربات الحوريات المفخخة كي يرضي عنا ذلك الإله الذي لا يشبع من دمنا , والغريب انه يحبنا ويعتبرنا أننا ارقي وأروع امة أخرجت إلي هذا العالم.

  • Amazigh
    السبت 18 يناير 2014 - 23:42

    الأنظمة العروبية تُحرك مشاعر السداج من المواطنين بورقة إسرائيل في حالات معينة.تعود وراء ذالك لمعانقة شارون حينما كان حيا واليوم وهو ميت. حينما يتعلق الأمر بإسرائيل أي( بُوعٌّو ) الذي زرعه القومجيين العرب بعقول البسطاء من الناس يجلبون الأمازيغ ويتهمونهم بكل الأوصاف القدحية. رغم أن بعض الأمازيغ لا يقومون إلا بنفض الغبار عن صداقة عريقة بين مغاربة بعقيدة يهودية.أما الأصدقاء الحقيقيين والحميميين لإسرائيل هم الأنظمة العروبية والجمعيات القومجية التي تبيع القرد وتظحك على من إشتراه.قطر تضع إسرائيل في قمة كل مواضيعها وتفضح أخيرا حين دفعت 3.5 ملايين دولار لمساندة الحملة الإنتخابية لناطانياهو لأن شعاره هو ضرب إيران وهو ينطبق مع متمنيات الخليجيين.أما عن الأنظمة الأخرى العروبية فلها علاقات متنوعة وسائرة المفعول مع إسرائيل منذ عقود.إسرائيل هي ورقة يستفيد منها القومجيين العرب حين تجد حلا لها لابد لمن يستفيد من حليب هذه البقرة أن يجد بديلا قبل أن يَعي المواطن البسيط المسكين الجاهل ويكشف الإستغلالات السياسية والقومجية لبعض القضايا.

  • العمل لا الكلام
    الإثنين 20 يناير 2014 - 19:35

    للأسف الشديد نحن امة تتكلم اكثر مما تفعل وفي الأخير نلوم الأخرين على تفوقهم رغم معاداتهم لنا.

صوت وصورة
احتجاج دكاترة الوظيفة بالرباط
الأربعاء 13 يناير 2021 - 17:44

احتجاج دكاترة الوظيفة بالرباط

صوت وصورة
إنتاج وتثمين العسل
الأربعاء 13 يناير 2021 - 13:44 4

إنتاج وتثمين العسل

صوت وصورة
الفنان "تيو تيو" يكشف الجديد
الأربعاء 13 يناير 2021 - 11:58 1

الفنان "تيو تيو" يكشف الجديد

صوت وصورة
تعويضات عن انهيار البنايات
الأربعاء 13 يناير 2021 - 10:59 2

تعويضات عن انهيار البنايات

صوت وصورة
حوار مع  السفير الألماني
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 22:40 7

حوار مع السفير الألماني

صوت وصورة
اتفاقية وزارة التضامن والعمران
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 20:22 6

اتفاقية وزارة التضامن والعمران