شباب و" علماءُ " ، في ميزان المقاومة

شباب   و" علماءُ " ، في ميزان المقاومة
الأربعاء 14 يناير 2009 - 09:48

في زمن القعود والخنوع، والذيلية والركوع؛ يعقد شباب طاهر نقي تقي، الصفقة العظمى بدخوله ساحات الوغى بأرواح تستشرف العلى، وتستمطر الرضى من عالم الملكوت الرباني.. يخوض معركة البقاء في “غزة” العزة ، وهو ينظر من علٍ إلى تموجات الواقع الفاسدة ، وصراعات الأناسي الطينية ؛ فيتسلل وسط ثنايا دياجير الليالي الكالحة، ومَهامِهِ القفار القاحلة، ليوقظ الهمم القاعدة، والنفوس الغافلة بعربون التضحية والفداء… !


عجيب أمر هؤلاء الشباب، يبيعون أرواحهم رخيصة في سبيل ما يؤمنون به، وهم لازالوا في ريعان الشباب، وبدايات الحياة؛ في زمن نفقت فيه “سوق الأنفس” لقلة العرض لا لكثرة الطلب، وعزَّت الأرواح على أصحابها، فأحبت الركون ورضيت بالدون !!


إني لأقف فترات طويلة أتأمل نضال هؤلاء الأبطال، وأتملى صنيعهم ، فلا أكاد أجد تفسيرا لعمق هذا الفداء، وعظمة هذه التضحية ، سوى أن الإيمان حينما يرْسَخ في القلوب، ويستقر في الأرواح والنفوس؛يصنع العجائب !!


لقد استحوذ الإيمان والصدق على هذه النفوس البريئة، فاستحالت جمرات متقدة، فقدت كل اتصال لها بعالم الطين والماء، فقدمت نماذج للتضحية والفداء يخالها أصحاب الأرائك والفرش الناعمة ، ضربا من السحر والجنون والانتحار، بعد أن فقدوا كل اتصال لهم بعالم الملكوت، والتصقت أرواحهم بالطين ، بعد سِنِّي الغفلة والنسيان، في بحر لُجِّيٍّ من الخمول والدَّعَة ، يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب… !


صورتان متقابلتان تماما… صورة مشرقة ناصعة بهيَّة لشباب مؤمن تقي آثر حياة الجهاد والمقاومة والفداء على حياة الركون والقعود والخنوع… وصورة كزة جاحدة، “لعلماء” آثروا حياة الأرائك والفرش الناعمة، وصرير الأقلام، وجديد الكتب والبحوث، و”آمان ” وزارات الأوقاف، وفتاوى التثبيط والركون ، على حياة العز والانعتاق، والتحرير والاستقلال…


في فلسطين الحبيبة، فئة من الشباب المؤمن بالقضية ، الواثق بالنصر، ينطلق انطلاق الأسد الجريح، ليمْحُوَ عار الذل، ومذلة الركون، ويزلزل عروش الطغيان، ويرعب “قتلة الأنبياء”، ويشفي صدور قوم مؤمنين… و في المقابل فئة من “العلماء” من غير أولي الضرر، من أصحاب الأرائك والفرش الناعمة ، يصفقون ويتهانؤون بإنجازات هؤلاء الشباب، ويصدرون البيانات المؤيدة لها، وكأن هذا الجهاد لم يخلق إلا لهؤلاء الشباب في الوقت الذي كان فيه علماء الصحابة والتابعين يتسابقون لنيل حظوة الجهاد في سبيل الله، ويعدون عدم نيل هذه الحظوة خرما في الدين ، ونقصا في العدالة.. !! . فقد كانت عبارة ” شهد الغزوات كلها ” هي أهم منقبة ومزية وفضيلة تُكتب في تعريف الصحابي . فقيمته في الإسلام :كم من معركة حضر !! وليس كم كتاب ألَّف ، أو كم خطبة ألقى..؟ !!


لم نسمع منذ بداية المقاومة في فلسطين أن عالما كبيرا تولى شأو عملية من عملياتها فجاهد بنفسه في سبيل الله،وترجَّل إلى السماء، ولا ندري لماذا؟


يقولون: إن ذهاب العالِم،ذهاب العالَم ، وموت العالِم في مثل تلك الظروف،وبتلك “البساطة”،خسارة للأمة وذهاب لريحها ووو… أقول: لقد كانت هذه الأمة منذ بواكيرها الأولى، ولا زالت، مقتدية بعلمائها، وسائرة على آثارهم ، ومنتهجة مناهجهم، ولا يمكنها أن تخرج من جحرها وتجاهد عدوها، وعلماؤها- قدوتها- آثروا حياة القعود والركون والولاء لطواغيت الأرض…


لابد لهذه الأمة من علماء يعلمونها الجهاد في سبيل الله ، والثبات على الحق، في ساحات الوغى، ووسط لهيب المعارك، كما يعلمونها السورة من القرآن، في ساحات المساجد، ورحاب المنتديات والمجامع…


يرحم الله التابعي الجليل سعيد بن جُبير وقد ألحَّ عليه العالمان الجليلان عامر الشعبي ومطرَّف بن عبد الله- وهم في أقبية سجون السفاح الحجاج بن يوسف الثقفي- أن يلين للسفاح في القول حتى لا ترزأ الأمة في علمه، لكنه- رحمه الله- يرد في ثبات وقوة وحزم:”كما أن الأمة في حاجة إلى من يعلمها أمر دينها، فهي في حاجة إلى من يعلمها الثبات على الحق”.


ولقد كان موقفه أمام الحجاج درسا بليغا، وموعظة مؤثرة أفادت منها الأمة، ولا زالت تفيد وهي تواجه قوى الظلم والطغيان في مشارق الأرض ومغاربها…


إن انسحاب العلماء من قضايا الأمة وهمومها ، خصوصا القضايا التي لها ارتباط باستقلال الشعوب المسلمة ومناهضة الاستعمار ، وما يتطلبه ذلك من فقه لنصوص الجهاد ، وفقه للواقع الذي تتنزل عليه هذه النصوص ؛ هو الذي فسح المجال أمام جماعات الدم والتكفير والإرهاب لتملأ هذا الفراغ الشرعي بالشاذ من الأقوال والفتاوى التي تخدم مصالحها ، وتبرر أفعالها الإجرامية ؛ فوجهت المعركة إلى غير وجهتها الصحيحة ؛ وارتكبت ، باسم الدين ، من الجرائم في حق الآمنين المسلمين من بني جلدتها ، ما يستنكره كل ذي دين صحيح وعقل مليح .


فأين هي هذه “القاعدة” التي شغلت العالم بتهديداتها ، ووعدها ووعيدها للآمنين من خلق الله ، مما يجري في غزة الجريحة ؛ فما لنا لا نسمع لها صوتا ولا نحس لها ركزا . أم لها رأي آخر غير ما عليه جمهور الأمة ؟ .!! في الحديث :” إذا لم تستحيي ، فاصنع ماشئت”.ونحن نقول :” الله ينعل اللي ما يحشم ” !!


إن حال الأمة عجيب ، وحال علمائها أعجب… عدوها يجتثها اجتثاثا ، ويمزقها مُزقا، ويقتل أبناءها ،ويستحيي نساءها ؛ وعلماؤها مذاهب وتيارات ، تتراشق بالتهم ، وتشتغل بالعيوب والعورات .. والأمة في حيْرة من أمرها ، بين مصيبة ومصيبة ، تنتظر مغيثا ولا مغيث !!… خلا الله تعالى.. [والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ] . صدق الله العظيم.

‫تعليقات الزوار

6
  • moslim+
    الأربعاء 14 يناير 2009 - 09:56

    نعم أخي الكاتب هناك شباب والحمد لله يؤمن حق الإيمان بالجهاد ونصرة الدين والتضحية بالدم من أجل أمة الإسلام فهنيأً لهم بالشهادة والخزي والعار لكل من إختاروا حياة الدل والعبودية

  • أنس
    الأربعاء 14 يناير 2009 - 09:54

    هذه هي القصة الكاملة لسعيد بن جبير مع الطاغية الحجاج كما وردت في أصح الكتب التاريخية :
    كان سعيد بن جبير إمام الدنيا في عهد الحجاج، وكان الإمام أحمد إذا ذكره بكى وقال: والله لقد قتل سعيد بن جبير، وما أحد على الدنيا من المسلمين، إلا وهو بحاجة إلى علمه.
    كانت جريمة سعيد بن جبير، أنه عارض الحجاج، قال له أخطأت، ظلمت، أسأت، تجاوزت، فما كان من الحجاج إلا أن قرر قتله؛ ليريح نفسه من الصوت الآخر، حتى لا يسمع من يعارض أو ينصح.
    أمر الحجاج حراسه بإحضار ذلك الإمام، فذهبوا إلى بيت سعيد في يوم فجع منه الرجال والنساء والأطفال ( لا أعاد الله صباحه على المسلمين )
    وصل الجنود إلى بيت سعيد، فطرقوا بابه بقوة، فسمع سعيد ذلك الطرق المخيف، ففتح الباب، فلما رأى وجوههم قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، ماذا تريدون؟ قالوا: الحجاج يريدك الآن.
    قال: انتظروا قليلاً، فذهب، واغتسل، وتطيب، وتحنط، ولبس أكفانه وقال: اللهم يا ذا الركن الذي لا يضام، والعزة التي لا ترام، اكفني شرّه.
    فأخذه الحرس، وفي الطريق كان يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، خسر المبطلون.
    ودخل سعيد على الحجاج، وقد جلس مغضباً، يكاد الشرّ يخرج من عينيه.
    قال سعيد: السلام على من اتبع الهدى – وهي تحية موسى لفرعون –
    قال الحجاج: ما اسمك؟
    قال سعيد: اسمي سعيد بن جبير.
    قال الحجاج: بل أنت شقي بن كسير.
    قال سعيد: أمي أعلم إذ سمتني.
    قال الحجاج: شقيت أنت وشقيت أمك.
    قال سعيد: الغيب يعلمه الله.
    قال الحجاج: ما رأيك في محمد صلى الله عليه وسلم؟
    قال سعيد: نبي الهدى، وإمام الرحمة.
    قال الحجاج: ما رأيك في علي؟
    قال سعيد: ذهب إلى الله، إمام هدى.
    قال الحجاج: ما رأيك فيّ؟
    قال سعيد: ظالم، تلقى الله بدماء المسلمين.
    قال الحجاج: علي بالذهب والفضة، فأتوا بكيسين من الذهب والفضة، وأفرغوهما بين يدي سعيد بن جبير .
    قال سعيد: ما هذا يا حجاج؟ إن كنت جمعته، لتتقي به من غضب الله، فنعمّا صنعت، وإن كنت جمعته من أموال الفقراء كبراً وعتوّاً، فوالذي نفسي بيده، الفزعة في يوم العرض الأكبر تذهل كل مرضعة عما أرضعت.
    قال الحجاج: عليّ بالعود والجارية.
    (فطرقت الجارية على العود وأخذت تغني، فسالت دموع سعيد على لحيته وانتحب.)
    قال الحجاج: مالك، أطربت؟
    قال سعيد: لا، ولكني رأيت هذه الجارية سخّرت في غير ما خلقت له، وعودٌ قطع وجعل في المعصية.
    قال الحجاج: لماذا لا تضحك كما نضحك؟
    قال سعيد: كلما تذكرت يوم يبعثر ما في القبور، ويحصّل ما في الصدور ذهب الضحك.
    قال الحجاج: لماذا نضحك نحن إذن؟
    قال سعيد: اختلفت القلوب وما استوت.
    قال الحجاج: لأبدلنك من الدنيا ناراً تلظى.
    قال سعيد: لو كان ذلك إليك لعبدتك من دون الله.
    قال: الحجاج: لأقتلنك قتلة ما قتلها أحدٌ من الناس، فاختر لنفسك.
    قال سعيد: بل اختر لنفسك أنت أي قتلة تشاءها، فوالله لا تقتلني قتلة، إلا قتلك الله بمثلها يوم القيامة.
    قال الحجاج: اقتلوه.
    قال سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين.
    قال الحجاج: وجّهوه إلى غير القبلة.
    قال سعيد: “فأينما تولوا فثمّ وجه الله” [البقرة:115].
    قال الحجاج: اطرحوا أرضاً.
    قال سعيد وهو يتبسم: “منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى” [طه:55].
    قال الحجاج: أتضحك؟
    قال سعيد: أضحك من حلم الله عليك، وجرأتك على الله!!.
    قال الحجاج: اذبحوه.
    قال سعيد: اللهم لا تسلط هذا المجرم على أحد بعدي.
    وقتل سعيد بن جبير ..
    واستجاب الله دعاءه، فثارت ثائرة بثرة في جسم الحجاج، فأخذ يخور كما يخور الثور الهائج، شهراً كاملاً، لا يذوق طعاماً ولا شراباً، ولا يهنأ بنوم، وكان يقول: والله ما نمت ليلة إلا ورأيت كأني أسبح في أنهار من الدم، وأخذ يقول: مالي وسعيد، مالي وسعيد، إلى أن مات.
    مات الحجاج، ولحق بسعيد، وغيره ممن قتل، وسوف يجتمعون أمام الله – تعالى – يوم القيامة

  • ذ.صالح
    الأربعاء 14 يناير 2009 - 09:58

    “لقد ذهبت بعيدا ايها الكويتب”.شكرا أيها الكاتب.
    اللهم احفظنا من لَوْثَةِ الكِبْر :”….غَمْطُ الناس”.

  • زائر
    الأربعاء 14 يناير 2009 - 09:50

    شباب وشابات همهم الوحيد ارضاء النزوات.
    لايملك الانسان في هذا الزمن الا ان يقول لا حول ولاقوة الا بالله.
    حسبي الله ونعم الوكيل.

  • زائر
    الأربعاء 14 يناير 2009 - 10:00

    شباب وشابات همهم الوحيد ارضاء النزوات.
    لايملك الانسان في هذا الزمن الا ان يقول لا حول ولاقوة الا بالله.
    حسبي الله ونعم الوكيل.

  • الدكالي
    الأربعاء 14 يناير 2009 - 09:52

    شكرا أستاذ صالح ، وجزاك الله خيرا على مقالك الطيب والممتاز ، والشكر الجزيل لفقهاء المالكية العظام الذين خرجوا من المغرب والأندلس ليدرسوا علمانافعافي مدينة الحبيب المصطفى ، كي يتركوه بعدها أمانة في أعناقنا ، والرحمة والمغفرة للإمام أحمد عبد الحليم بن تيمية ، صاحب العلم الغزير ، وصاحب المواقف الشجاعة ،وصاحب المؤلفات الكبيرة النافعة ، ولا أدري ماذا أقول لمن يريد أن يفرق بين المذهب المالكي والمذهب الحنبلي،فكلهم من رسول الله ملتمس ، وكل منهم حافظ على أمانة هذا الدين العظيم ، والفتنة نائمة ،،،،

صوت وصورة
برنامج المثمر للزرع المباشر
الأربعاء 3 مارس 2021 - 21:29

برنامج المثمر للزرع المباشر

صوت وصورة
زيارة أخنوش لإقليم شفشاون
الأربعاء 3 مارس 2021 - 20:30 108

زيارة أخنوش لإقليم شفشاون

صوت وصورة
حوت ضخم بشاطئ الجديدة
الأربعاء 3 مارس 2021 - 18:31 15

حوت ضخم بشاطئ الجديدة

صوت وصورة
فضيحة طريق بآسفي
الأربعاء 3 مارس 2021 - 16:14 6

فضيحة طريق بآسفي

صوت وصورة
المصلي تلتقي المجتمع المدني
الأربعاء 3 مارس 2021 - 14:44 3

المصلي تلتقي المجتمع المدني

صوت وصورة
فرح الفلاحين بجهة البيضاء
الأربعاء 3 مارس 2021 - 13:50 4

فرح الفلاحين بجهة البيضاء