شذرات من تاريخ سوريا

شذرات من تاريخ سوريا
الأربعاء 28 غشت 2013 - 18:26

من حكم الدولة العثمانية إلى الانتداب الفرنسي

قبل أن تغزو فرنسا “ولاية الجزائر” (اسم الجزائر في عهد العثمانيين) سنة 1830، عاشت جارتنا تحت حكم الدولة العثمانية منذ 1515م، كما عاشت تونس نفس المصير خمسين سنة بعد هذا التاريخ، قبل أن تسقط سوريا تحت قبضتها سنة 1576، و بعدها خضعت كل الدول العربية للحكم العثماني إلى حدود نهاية الحرب العالمية الأولى، باستثناء المغرب.

و مع بروز الدعوة الوهابية أواخر القرن الثامن عشر، و قيام دولتها في ظل الأسرة السعودية، و نظرا للفساد الإداري الذي عم العديد من مناطق نفوذ الإمبراطورية العثمانية، و ارتفاع مديونيتها و هزائم جيشها في العديد من المعارك، و انتشار الكوارث و المجاعة و الأوبئة، و أمام انبثاق حركات المطالبة بالاستقلال في أوروبا و إفريقيا و في المشرق العربي، بدأت الإمبراطورية العثمانية تتخلى تدريجيا عن ممتلكاتها و هيمنتها بداية القرن التاسع عشر، لتمهد الطريق للزحف الاستعماري على البلدان العربية.

و منذ ذلك الحين، صارت بلاد الشام هدفا استعماريا بامتياز، بل و محط أنظار الدول الغربية خوفا من قيام الوحدة التاريخية بين “مصر الإفريقية” و “سوريا الأسيوية”. و هو ما تم فعلا، حيث أحبط حلم الوحدة الذي كان سينقل المنطقة إلى مستوى آخر من الاستقرار و التقدم.

كذلك، يشهد التاريخ الحديث أن سوريا، و بعد فشل المشروع الوحدوي مع مصر، دخلت منذ منتصف القرن التاسع عشر في دوامة من النزاعات الطائفية التي عمت المنطقة، على اثر طغيان الحكم التركي و انحيازه إلى المعسكر الألماني.

و استعدادا للرد على عنف الحكام الأتراك،بدأ الاستعداد ل”الثورة العربية الكبرى” للمطالبة بالانفصال عن الإمبراطورية المهزومة، في أفق إنشاء دول عربية مستقلة عن الحكم العثماني في المنطقة تظم الجزيرة العربية و بلاد الشام و العراق، بقيادة الشريف الحسين.

و مع اندلاع الثورة في10 يونيو 1916، و نجاحها، و إحكام سيطرة ثوارها على الحجاز و الأردن و فلسطين و سوريا و اليمن، استسلمت القوات العثمانية معلنة انسحابها من مناطق حكمها.

و بعد إعلان المؤتمر السوري (برلمان بلاد الشام) عن الاستقلال و قيام “المملكة السورية العربية”، عادت القوى الغربية من جديد لتحقيق أطماعها و ممارسة سياستها الاستعمارية في المنطقة، رافضة الاعتراف بحق تقرير مصير الشعوب، و حقها في التحرر و الانعتاق، مستغلة اتفاقية سايكس-بيكو المشؤومة ( تمت بين فرنسا و أبريطانيا سريا/ بين عراب الاتفاقية البريطاني سايكس و الفرنسي بيكو) التي وقعها الطرفين سنة 1916، لتقرر في مؤتم سان ريمو في ايطاليا سنة 1920، إخضاع سوريا و لبنان للانتداب الفرنسي، و الأردن و فلسطين للانتداب البريطاني، مع الحفاظ على مواقع جيش الحلفاء في كل من لبنان و ساحل سوريا و فلسطين.

من غزو دمشق إلى استقلال سوريا

في معركة مسيلون (التي يتغنى بها الفنان مارسيل خليفة)، انتصر الجيش الانتدابي على كمشة من المقاومين الوطنيين السوريين في يوم 25 تموز 1920، لينتهي في وقت و جيز حلم الدولة الوطنية في بلاد الشام ، ليغادر الملك فيصل دمشق، و تبدأ مرحلة الاستعمار الفرنسي.

و من بين الأولويات التي قام بها المستعمر، قسم سوريا إلى دويلات مستقلة بعلمها و حكومتها و برلمانها وماليتها (دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، دولة لبنان الكبير و دولة جبل الدروز)، ثم جاءت فرنسا بمقترح آخر يقضي بخلق اتحاد فدرالي ، تحت اسم “الاتحاد السوري” يضم دمشق و حلب و العلويين، و الذي لم يعمر أكثر من سنتين ليتم تعويضه بتوحيد دمشق و حلب في دولة واحدة هي الدولة السورية، لتبقى دولة العلويين منفصلة و ستقلة، و عاصمتها اللاذيقية.

أما المقاومة، فاندلعت شراراتها منذ دخول فرنسا دمشق، حيث نظمت في العديد من المناطق، وواجهت المستعمر مواجهة عنيفة، فرضت عليه الجلوس للتفاوض مع أقطاب الحركة الوطنية السورية، توجت بانتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور و إعلان سوريا مستقلة، موحدة، نظامها جمهوري برلماني، و ذلك سنة 1928. و بعد صراع مرير من أجل استرجاع كافة حقوق المواطنة، نظمت انتخابات عمة سنة 1931، تمخض عنها مجلس نيابي ، الذي انتخب سنة 1932 أول رئيس للجمهورية.

أما سنة 1936، فشهدت مفاوضات عسيرة حول استقلال لبنان و عدم المس بوحدته الترابية، استمرت إلى غاية 1939، بداية الحرب العالمية الثانية، تميزت بالتراجع المستمر عن كل المعاهدات و التعهدات و عن المس باستقلال البلاد. لكن انهزام فرنسا أمام ألمانيا، و تشكيل “حكومة فيشى” الموالية لألمانيا، و صمود الوطنيين و خوفهم من المواليين لألمانيا، انتزعت سوريا استقلالها الرسمي عام 1944. لكن رغم ذلك، استمرت فرنسا تراوغ و تختلق في كل مرة مبررات جديدة لإبقاء سيطرته على سوريا. و استمرت فرنسا في لعبتها هذه إلى أن قالت الأمم المتحدة كلمته الأخيرة: جلاء القوات الأجنبية عن سوريا و لبنان في أسرع و قت ممكن، و اعتبر يوم 17 نيسان 1946، عيدا و طنيا.

من صراع العسكر إلى حكم أل-بشار

شهدت سوريا مباشرة بعد استقلالها سلسلة من الأحدان أثرت على استقرارها، و من أبرز هذه الأحداث نذكر سلسلة الانقلابات المتتالية التي استمرت من نهاية الأربعينات إلى منتصف الخمسينات من القرن الماضي. أما الحدث الثاني فيتمثل في إعلان الوحدة بين سوري و مصر سنة 1958، و التي لم تعمر طويلا يطيح بها انقلاب عسكري آخر سنة 1961، لتعلن سوريا عن اسمها الحالي: “الجمهورية العربية السورية”.

و من ذلك الحين إلى حرب حزيران سنة 1967، عاشت سوريا تحت رحمة الانقلابات و الصراعات السياسية بين التكتلات المنضوية تحت لواء المؤسسة العسكرية (البعثيين و الناصريين أساسا)، و هو ما زاد الوضع تأزما على العديد من المستويات، حيث استغل الظرفية السياسية أحد الضباط البعثيين، و اسمه حافظ الأسد، ليترأس حزب البعث العربي الأشتراكي و ليحكم سوريا بقبصة من حديد منذ سنة 1971، معلنا انتماءه إلى المعسكر الشرقي و خاصة الاتحاد السوفياتي سابقا، لتشهد سوريا في عهده قمعا أسودا في حق آلاف المناضلين، و ديكتاتورية عسكرية مصبوغة بالاشتراكية و مؤسسات استبدادية، و أحزاب مدجنة.

مات حافظ الأسد يوم 10 يونيو 2000، فخلفه ابنه بشار، في زمن تاريخي، سياسي، اقتصادي و ثقافي آخر… لتستمر مأساة الشعب السوري الى اليوم….

‫تعليقات الزوار

7
  • zorro
    الأربعاء 28 غشت 2013 - 21:25

    اسم الجزائر في عهد الاباطرة العثمانيين '' الايالة الجزائرية'' وليس الولاية فتحها القائد التركي العظيم خير الدين بربروس وأخوه بابا عروج المجاهد / مات خير الدين في تركيا وقتل الجزائريون أخوه بابا عروج في تلمسان وسلموه للاسبان / والدعوة الوهابية لم تنتشر في عهد سعود بل تحالف محمد بن عبد الوهاب مع محمد بن سعود الاول لنشر أفكاره والتاني لتتبيت سلطانه / أما الشام ففضلها كبير وشعبها عظيم وهدا حديت في اهل الشام '' إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة " / اما الغاء الوحدة بين مصر وشام لم تكن مؤامرة بل فساد من المشير عامر قائد الجيشين المصري والسوري وكان يعيش في فساد وانحلال /

  • ? FM
    الأربعاء 28 غشت 2013 - 22:36

    Pour comprendre la Syrie et l'Égypte if faut montrer l'histoire des frères musulmans aussi: comment ils ‎ont été créé par les britanniques pour contrecarrer le nationalisme arabe. Et il faut aussi ajouter ‎comment le wahhabisme a été appuyer pour continuer l’exploitation des richesses pétrolière par les ‎anglais et les américains. Les américains ont aussi créé la branche armée (Alkaida). Comme on voit ‎l'Islam a été malicieusement utiliser pour server ses ennemis ; et jusqu'à nos jours. Même Hamas ‎l'islamiste a été créée par l'Israélien Sharon pour diviser les Palestiniens: il faut avouer qu'il a réussi ‎clairement.‎

  • الحسين السلاوي
    الأربعاء 28 غشت 2013 - 23:43

    ,,, مات حافظ الأسد ، فخلفه ابنه بشار……فكان الامر كما قال الشاعر:
    مات في القرية كلب ** فاسترحنا من عواه ـ
    خلف الملعون جرواً *** فاق بالنبح اباه

  • إنسان([email protected])
    الخميس 29 غشت 2013 - 05:42

    ليس تاريخ قديم: إبادة المنافسين الاستراتيجيين
    احتلال فرنسا أرض الدولة العثمانية بالشام..سوريا
    الهجوم على الإخوة المسلمين منذ الضباط الأحرار..مصر
    إعدام عمر المختار من طرف إيطاليا تلاه إعدام القدافي (الذهب)..ليبيا
    سنوات الرصاص ضد المعارضة المثقفة..المغرب.
    العُشرية السوداء ضد جبهة الإنقاذ صناديق الاقتراع..الجزائر
    حرب الخليج العراق إيران أكثر من 8 سنوات
    ..كل بلد و هو مثل له أمثال.
    في المقابل:
    حروب داخل أوروبا و داخل أمريكا . قبل تصدريها
    وغيرهم.. من المستفيذ دائما ؟.

    للتذكير قاعدة فيزيائية "لا ربح لا خسارة بل الكلُّ يتحول"

    مع تعاقدات الحلف الأطلسي، الناتو، معاهدات الكتاب الأبيض لدول الأوروبية، الأمريكية، الأسيوية ألا مواجهة
    سؤال:
    ما مآل الذخائر العتاد الحربي الذي أنتجته الصناع منذ عقود ؟
    ما مآل الخزائن التي امتلأت عن آخرها ؟
    عِلما أن إبقاء الوضع بما كان عليه يُعد أزمة خانقة لصناعة التسلح! إعادة إدماجها أمر مكلف، خطير لا تصلح للبيع مخافة أن المشتري يستعمله ضد الصانع التفكيك لا يقابله استرجاع تكاليفه
    فتوهم المُطَـفِـفون أن تدميره على كل مُنافس ضعيف قد يكون جزءا من الحلّ

  • RAMEN
    الخميس 29 غشت 2013 - 17:16

    كرونولوجيا باهته لتاريخ دولة عربية محورية وهي قراءة ضيقة وقفت عند حدود فهم العوام لتاريخ هذا البلد الذي توالت عليه الخطوب والنكبات من كل حدب قراءة تم المرور فيها على محطات مفصلية في تاريخ سوريا كانقلاب الثّامن من آذار 1963 م الذي كان نقطة انعطاف خطيرة في تاريخ سورية الحديث. حيث بدأت البلاد ترزح تحت نير قانون الطوارئ الصّادر بالأمر العسكري ، منذ استيلاء حزب البعث على السلطة فاتحاً بذلك الباب أمام الأقليّات الطائفية لتمسك بمفاصل القوّة والسّلطة في سورية. لأن معظم أعضاء اللجنة العسكرية البعثية المشرفة على نشاطات التنظيم العسكري كانوا من الأقليّات الطائفية. فتم إصدار القانون 49 الٌإقصائي في 7 من تموز عام 1980م والذي تنصّ مادّته الأولى على ما أنه " يُعتبر مجرماً ويُعاقب بالإعدام كلّ منتسبٍ لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين".
    كما لم يتطرق تحليل عبقرينو لكيف ولماذا أعلن الاسد سقوط الجولان 17 ساعة قبل ان يراها العدو ولماذا لم يطلق آل النعجة ولا رصيصة واحد على العدو وبالمقابل محا مدينة حماة من الخريطة بتواطؤ من الرفاق المناضلين ..

  • aliwdaa
    الخميس 29 غشت 2013 - 18:51

    je ve pas commenter le recit de prof de sociologie entre () mais je veux juste dire que personne ne detient la verite de l'histoire des peuples arabes celle ci a ete bel et bien detourne et falsifiee pour servir les attentes des pouvoirs mis en place

  • hanae
    الجمعة 30 غشت 2013 - 17:43

    لقد استمتعنا مع صاحب الشذرات كالعادة بتحليله الرائع والعميق لمجريات تاريخ سوريا وتداعيات هذه الاحداث على سوريا وعلى محيطها …فمزيدا من الشذرات أيها المؤرخ الكبير والسوسيولوجي المحنك يمكنك ان سرت على ذات النهج تأليف كتاب " شذرات البلدان " على وزن " معجم البلدان " لياقوت الحموي

صوت وصورة
تدخين السجائر الإلكترونية
الجمعة 15 يناير 2021 - 10:30

تدخين السجائر الإلكترونية

صوت وصورة
حملة أبوزعيتر في المغرب العميق
الخميس 14 يناير 2021 - 21:50

حملة أبوزعيتر في المغرب العميق

صوت وصورة
سائقة طاكسي في تطوان
الخميس 14 يناير 2021 - 20:12

سائقة طاكسي في تطوان

صوت وصورة
كشف كورونا في المدارس
الخميس 14 يناير 2021 - 16:30

كشف كورونا في المدارس

صوت وصورة
الثلوج تضاعف العزلة بالجبال
الخميس 14 يناير 2021 - 13:58

الثلوج تضاعف العزلة بالجبال

صوت وصورة
خسائر الفيضان وصندوق الكوارث
الخميس 14 يناير 2021 - 11:59

خسائر الفيضان وصندوق الكوارث