صرخة في أذن الإنسانية

صرخة في أذن الإنسانية
الأربعاء 28 غشت 2013 - 15:46

شيء عنيف ذلك الذي جري في دمائنا بدل الدم، إلى أين هي وجهة هذه الإنسانية؟ غريب أمر هذا الكائن كيف يستخدم ذكاءه، هاته الملكة التي طورها عبر السنين الطويلة لوجوده فقط حين يريد أن يصنف أو يعنف أو ينكل بنضيره الإنسان فيتفنن في ذلك تحت مسميات مختلفة.

الإنتماء، أغبى مفهوم ابتكره الإنسان لنفسه و جعل له تفصيلات مختلفة و تقطيعات في أبعاد متباينة و خندق نفسه في دوائر لا معنى لها أطلق عليها لفظ : الهوية. و تفنن الإنسان عبر العصور في تلوين هاته الهوية المبنية على الإنتماءات و إعطائها صبغات و تشكلات مختلفة ففرخ المذاهب و عدد المعابد و أغدق في التوجهات و التيارات و المشارب و المرجعيات.

و أصبح ذلك مألوفا و عاديا إذ أصبحت برمجتنا الدماغية و ميكانيزمات التحليل المنطقي التي نرى من خلالها العالم لشخص ما إن تتواصل أو تقرأ أو تلتقي مع إنسان آخر، مع “أنا” مغاير حتى تبدأ أفي القيام بعملية التصنيف : أي قارة؟ أي بلد؟ أي عرق؟ أي دين؟ أي مذهب؟ أي طبقة اجتماعية؟ أي توجه سياسي؟ أي..أي.. أي

و بعد التصنيف تأتي مباشرة مرحلة إسقاط الأحكام و القواليب الجاهزة و التنميط فيتمثل مباشرة السؤال ذو الإجابة الثنائية التي لا إجابة ثالثة له: منا أو ليس منا؟ فمن هو منا فهو معنا و من ليس منا فهو ضدنا فيفتح باب الجحيم لتنطلق منه الأحقاد الدفينة و حكايات الأجداد و نتانة التراث و سيف التاريخ الصدئة المسمومة تغتال العقل و التعقل و البصيرة و التبصر لتعمي العين غشاوة الشر و العنف الكامنين في أعماق النفس البشرية، فيصبح التخندق هو سيد الموقف و يبدأ القصف و الأذية بأنواعها اللفظية و المعنوية و النفسية و الجسدية طافية على سطح سلوك الفرد و الجماعة.

و يبقى السؤال المطروح بشدة مالجدوى من الإنتماء؟ و ماذا ربحت الإنسانية من الانتماء على مر العصور؟ بل السؤال هو كم خسرت بسببه؟

فعلى سبيل المثال ماذا ربح العالم من تقسيم لكرة أرضية تواجدت قبلنا و ستظل تتواجد بعدنا إلى أشكال هندسية مسقطة على بقع جغرافية الفرق فقط أن المحيط في هاته الأشكال الهندسية أسميناه: حدوداً و جعلناه أسلاكاً شائكة فأصبح بالتالي الإنسان إما من دول الشمال أو دول الجنوب، و أصبح الإنسان يسأل نضيره الإنسان من أي بقعة هو؟ و أصبح يحتاج لما سماه بعجرفته تأشيرة ليتحرك فوق أرض لا تعد و لا يجب أن تعد ملكاً لأحد، و أصبحت فقط لأنهم علموني منذ صغري أنني هندي فسأكرهك أيها الباكستاني، و لأنهم علموني أنني أمريكي سأحذر منك أيها الروسي، و لأني مغربي سأنكت و أسخر من الصومالي.

ماذا ربحت الإنسانية من الإنتماء العرقي و التشدد له؟

أليس أغبى ما يكون الإنسان أن يكون عرقيا في القرن 21 في زمن تقدم البيولوجيا و الوراثة و التكنولوجيا التي جعلت العالم حياً واحداً، ألا يعلم من لا يزال يؤمن بالعرق و يغرد لقضايا القومية عربية كانت أو أمازيغية أو جرمانية أو زنجية أن الجينوم الوراثي لكل فرد على وجه البسيطة من أي عرق كان متشابه بنسبة 99،9% فالمدة القصيرة التي عاشها الإنسان على سطح الكوكب لم تسمح له بتنوع جيني كبير كما في الكائنات المعمرة الأخرى، أليس من الغباء أن يحكم إنسان على آخر و هو يختلف معه ربما في عشر من المئة من الفرق و ربما أقل؟

ماذا ربحت الإنسانية من الإنتماء الديني و المذهبي ؟

أتحدث هنا عن الإنتماء الهوسي الذي يتمظهر في الإصرار على نشر الدين و المذهب بأية وسيلة و الذي يؤدي إلى التعصب و العنف و ليس عن الإنتماء الديني كعقيدة فردية محترمة لعقيدة الآخر.

إن ما كبده الإنسان لنضيره الإنسان ولايزال باسم الدين و المذهب و الطائفية فادح و رهيب جداً، كم قتل و عذب و هجر و سبي من البشر فقط لأنهم خالفوا المذهب و المعتقد البائد في بقعة معينة.

فعلى سبيل المثال قتل الآلاف في أوروبا عبر التاريخ باسم مخالفة تشريع السيد المسيح و تعاليم الكتاب المقدس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة:

بطريقة مباشرة عبر الحروب الصليبية (الغزوات) وويلاتها التي راح ضحيتها عدد لا يحصى من الناس في مختلف البقاع هذا دون ذكر إعدامات الكنيسة و الأحكام بالقتل في حق العلماء و الفلكيين و الفلاسفة و المصلحين الدينيين، و قصص قتل هيباتيا و جاليلي و حرق جان دارك خير مثال و هناك غير ذلك العديد.

و بطريقة غير مباشرة مات الآلاف بسبب معارضة الكنيسة للتشريح و الطب و التلقيح لاعتبارها في فترة معينة الأوبئة و الطاعون و الأمراض إرادة و اختباراً إلهيين !

هذا دون الحديث عن صراع الطوائف المسيحية و قتل الإنسان لنضيره الإنسان و تشريده و التنكيل به لعقود طويلة في حروب مستنزفة فقط لعدم الإتفاق في ماهية المسيح إله أم إبن إله أم روح الله، أليس هذا غباء؟ ألم يكن من الممكن لكل طائفة أن تؤمن بما تشاء و العيش جنباً إلى جنب في سلام و إخاء؟

و لدواعي الموضوعية و الحياد تاريخ الإسلام و للأسف حاضره أيضا لم يخلوان من القتل و التعذيب و التنكيل و هذا لا زلنا نشاهده إلى حدود اليوم و هذا لأننا وللأسف ابتلينا بماضينا فكما يقال فجميع الأمم تلد أبناءها إلا نحن أجدادنا، فقد ورثنا أجدادنا صراعاتهم بأسماء منمقة ك”المذهب الحق” فأصبحت ترى الإنسان الذي برمج من طرف شيوخه أنه شيعي يفجر سيارته في مسجد أناس قيل له عنهم أنهم سنة، و ترى المتشدد السلفي يقتل و يسحل الشيعي ومالفرق؟ و ما جذور السبب؟ صراع قديم قدم الدهر حول السلطة طائفة تنسبها لعلي و الأخرى لأبي بكر.. و نحن في القرب الواحد و العشرين لازلنا نتقاتل و من أحق منهما بالخلافة، أعتذر و لكن يا لجهلنا أرواح تسقط و أطفال تيتم بسبب خلاف تاريخي لأجداد أصبحت عظامهم رميماً فعلاً يا للبؤس.

هذا دون الحديث عن ذبح الإنسان للإنسان و قتله و التمثيل بجثته و سحله و بتر أطرافه و جلده باسم الدين و المذهب و تحت راية و ذريعة الجهاد أو تطبيق حرفي للشريعة دون مقاصدها، و من قال أن هاته الممارسات حالات معزولة فليشاهد عدد اللايكات التي تحصدها هاته الممارسات ليعرف أن النية الإجرامية المبيتة باسم الدين قائمة، و السواد و الحقد المبررين بالراية الجهادية السوداء قابلة للظهور و الإنفجار في أية لحظة انفلات لسلطة القانون و الدولة و المؤسسات.

هذا و أدت النزعات المرضية و الوصاية في تطبيق نماذج سياسية و اقتصادية معينة في موت و تجويع و تشريد الكثيرين فقتل الدكتاتورين ستالين و ماو و جوعوا الآلاف لتحقيق الحلم الشيوعي، و سحق هتلر الآلاف ليثبت رقي الجنس الآري، إلى غير ذلك من النماذج.

إن المتأمل لتاريخ و حاضر الإنسانية لا يسعه إلا أن يؤكد رجاحة عقل اينشتاين و حكمته بقولته: “أمرين لا حدود لهما الكون و حماقة الإنسان” و أقترح استبدال لفظ حماقة الإنسان ببلادة الإنسان، فهذا الأخير كان عبر التاريخ البعيد و الحاضر المضارع غبياً لسبب واحد: عدم إدراكه أن الإنسان الآخر مهما كان فهو “أنا” آخر و كينونة أخرى مثله تماماً بل هو امتدادٌ له و صورة مطابقة له مهما بدا مختلفاً إنما بحمولة أخرى راكمها أو بالأحرى راكمتها له تجربته و ووسطه و بيئته و محيطه إذن كلنا لا نغدو إعادة إنتاج معدلة لأنماط سابقة الوجود، فلا تتركوا الأنماط تقتل الإنسان فيكم، ما نحن إلا ببغاوات نكرر ما نسمع و نتبع ما قاله الأجداد و الآباء و الشيوخ و السياسيون دون تفكير، لنستيقظ، لنحكم العقل، لنسمع لموسيقى العلم و المنطق، لنرهف الروح و الحس بالآخر، فلتثر الإنسانية فينا مكسرة إطار قالب الهوية و الإنتماء معلنة الإنتماء للإنسانية و لا شيء فوق الإنتماء للإنسانية.

‫تعليقات الزوار

7
  • Hicham
    الأربعاء 28 غشت 2013 - 22:15

    أخي في الانسانية أيوب.. أتفق مع كل حرف في مقالك..
    و أعلنها معك عالية ..أنا انساني و لا شيء يعلو على الانسانية.. فأمثالك هم من يعطونني أملا في الحياة.

  • كرامة أمين
    الأربعاء 28 غشت 2013 - 22:54

    رائع رائع و أخيرا رائع…
    مقال يفشي السلام و المودة في الأنفس، و يذكرنا أنه أينما كنا و أينما ولدنا فكلنا إنسان و كلنا في نفس المرتبة…كلام يحرر العقول من بيئتها و من القوانين الأنانية الشريرة التي ضربت بعرض الحائط كل مفاهيم الإنسانية و قبول الغير…تبا لكل القوانين التمييزية و مرحبا بكل نموذج و إطار يحترم الجميع دون أدنى إعتبار

  • Hraf
    الخميس 29 غشت 2013 - 01:56

    مقال رائع…

    لخص كل شيئ…

    لقد اصبت عين الحقيقة.

  • sifao
    الخميس 29 غشت 2013 - 16:06

    كل هذه الفوضى التي تجتاح العالم تسبب فيها من حاولوا اتستبدال مركزية الانسان فيه بكائن مجهول لا يستطع مؤيدوه اثباب جدارته وأهليته بتك المركزية الا بإذلال الانسان وتهميش دوره في رسم معالم الحياة كما يراها وتحلو له .
    من يتجرأ ويعتقد انه يحمل رسالة لابد من نشرها ، عليه ان يتحمل المسؤولية كاملة ويقول الحقيقة كلما ارتاى انها هي من دون شك ، كل المآسي البشرية بدأت عندما ادعى البعض انهم جاءوا بالحقيقة من خارج حدود العالم الذي نعيش فيه .
    عندما تحدثت عن الكنيسة حملت اياها كامل المسؤولية في البطش بما هو انساني ، لكن ، لم تفعل نفس الشيء عندما تحدثت عن الاسلام ، حيث بدأت في التصنيفات التي دأب الفقهاء على توظيفها ، في وقت الشدة ، للنأي بأنفسهم عن الدماء التي تسال بالمجان ، الشريعة شيء ومقاصدها شيء آخر ، هذا تمويه لفظي ليس الا .
    لم تتبلور بعد ملامح "علم النيات"حتى نعرف طبيعة تلك المقاصد "النبيلة للشريعة، منطق التفكير الديني واحد لا فرق بين اليهودية والاسلام والمسيحية ، كل من يدعي انه يستقي الحقيقة من خارج هذا الكون فهو كذاب لا يجب تصديقة .

  • سيسي ...
    الجمعة 30 غشت 2013 - 17:23

    …;الانسان مخلوق جميل يحب الفساد القبيح حسنا ما الفعل?اقترح انا الانسان لا اعترف بالاخر الا من يخادعني حتى يخدعني ان استطاع هيهات اذن انا و بس القاءد وكفى قرينا لنفسي الاهوتيه الشيطانيه المنسجمه مع التطور الحضر البدو و القيم المضافه و الاحتمالات و الاحصاء و الحماق بالزواق فوقو راس الليث الشاب لا يعلم ان كان ليكتب هذه الخمس الان و يقرءها من بعد الافاكه..

  • الصاط العظيم
    السبت 31 غشت 2013 - 00:01

    الفكرة نابعة من شخص عاشق للانسانية،لكن في مجملها ماهية إلا قالب نظري تصوري لا يمكن تطبيقه إلا في الأحلام،
    كنه المشكل لا يكمن في تبني مجموعات لي مفاهيم مختلفة الواحدة عن الأخرى، بل المشكل هو فزيونومي يتجسد في الإنسان بذاته.
    الشحص بحد داته دويلة وسط الدولة، ملبسه عرق، مأكله عرق، مجموعة اصدقائه عرق، لا يمكن أن نوحد نظرته للأمور هو وحده ،فمابالك بالجميع.
    الإنسان هو عاشق للإختلاف، يبقى شيء واحد هو تقنين هذا الإختلاف، لكن أنا ننفي الإختلاف فهذا ضرب من المستحيل، صباح الخير.

  • فؤاد أفندي
    الإثنين 2 شتنبر 2013 - 14:08

    مررتَ على الآتي من خارج حدود الكون ثم على الوضعي الذي الآتي من إبداع البشر وكلها بيئات نظرية مثالية كان يمكن أن يعيش فيها الانسان في حب وسلام لو وجد ذلك الانسان السامي المسالم المحب الذي يناسب مثاليتها ولكن الانسان هو الانسان مهما تغيرت الإطارات ومهما اختلفت الخنادق، فحيثما كان يكون ذلك الصوت الملائكي الصافي المنبعث عن روح سمحة تريد وتثوق إلى السلام ويكون أيضا ذلك الصخب المتوتر الدي يريد أن يهجم ويصرع ويفترس، وسيبقى الجانبان معا إلى أبد الآبدين ويسبقى الصراع بينهما على مستوى الأفراد ثم على مستوى الجماعات، وسيبقى الانسان المرهف حائرا مرتبكا متسائلا يطلب يجري وراء تحقيق عالمه الانساني الواسع المبسط الذي يلغي الحدود مادية كانت أو معنوية ولكنه لن يفلح إن فلح إلا في تهديب ذلك المتوحش المفترس … مقال يستحق القراءة والتأمل ما أحوجنا لكتاب أحرار إنسانيين لا يعرفون لغير العقل علين سلطانا !!!

صوت وصورة
صرخة ساكنة "دوار البراهمة"
الجمعة 22 يناير 2021 - 23:11 1

صرخة ساكنة "دوار البراهمة"

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29 16

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير

صوت وصورة
دار الأمومة بإملشيل
الجمعة 22 يناير 2021 - 18:11 4

دار الأمومة بإملشيل

صوت وصورة
غياب النقل المدرسي
الجمعة 22 يناير 2021 - 14:11 1

غياب النقل المدرسي

صوت وصورة
متحف الحيوانات بالرباط
الجمعة 22 يناير 2021 - 13:20 3

متحف الحيوانات بالرباط

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 3

صبر وكفاح المرأة القروية