طبوغرافية الفيلم المغربي القصير

طبوغرافية الفيلم المغربي القصير
السبت 14 يونيو 2014 - 16:13

مهرجان سبو الثامن: طبوغرافية الفيلم المغربي القصير

احتضنت مدينة القنيطرة شمال غرب المغرب مهرجانها الثامن للفيلم القصير بين 21 و24 ماي 2014. وقد تم عرض واحد وعشرين فيلما قدمت طوبوغرافية المجتمع المغربي وكيفية تناوله فنيا.

شاهد الجمهور الأفلام في قاعة اجتماعات حيث الكراسي مثبتة على أرضية مسطحة. لذا تمنعني جمجمة الجالس أمامي من مشاهدة الشاشة كاملة. وحين يتحرك يجب أن أغير جلستي لأتلافاه. وهذا يشوش على تركيزي أثناء المشاهدة… والسبب في هذا هو أن آخر قاعة سينما بالمدينة (اسمها بلاص) مغلقة ومهددة بالهدم لتظهر مكانها عمارة سكنية. فزحف العقار يبتلع المناطق الخضراء وفضاءات الثقافة.

من أبرز الأفلام المشاركة “جمعة مباركة”، “ماء ودم” و”مرايا”.

في فيلم “جمعة مباركة” للمخرجة الواعدة أسماء المدير، الموضوع مستقى من سيرة أسرتها كما في فيلمها السابق “ألوان الصمت”، والأسلوب مختلف تماما. هنا تستعرض الخلافات الأيديولوجية الشديدة بين أقاربها: واحد شيوعي والثاني إسلامي، يتجادلان بشدة، يؤكد أحدهما أن الثورة ليست تغيير رأس برأس بل تغيير المخاخ… رغم الخلافات يجتمعان يوم الجمعة للغذاء بينما تحذرهما الأم من السياسة “للجدران آذان”… وهكذا تنتصر قصعة الكسكس على الأيديولوجيات.

في الفيلم جهد تخييلي كبير، وهو يخاطب الطفل في المتفرج عبر استخدام دمى روسية (matriochkas) فيها توابل. ترمز قوارير التوابل إلى الشخصيات، وعلى قدر اختلاف طعم التوابل تختلف الشخصيات… يبدو أن الأيديولوجيات ضرورية في الحياة مثل ضرورة التوابل للطعام. للإشارة فبالتزامن مع عرض “جمعة مباركة” بالقنيطرة عرض في مسرح الحمرا ببيروت ضمن مهرجان الفيلم العربي القصير بإشراف جمعية “نادي لكل الناس”.

من جهته يلتقط فيلم “ماء ودم” للمخرج عبد الإله جواهري مشاعر شخصيات في أسرة ممتدة في عيد الأضحى. لحظة دم تتذكر الزوجة لحظة الولادة، يتذكر الأب ليلة الدخلة، يتذكر الحفيد لحظة الختان… وعبر اللقطات نكتشف تحطم علاقات أسرية في لحظة زمنية للمصالحة بين الأحباب… هنا يغيب الحب، وموطن الحب لدى المغاربة هو الكبد. لذا فإن مصير كبد الكبش يلخص حال الحب في الفيلم والمجتمع.

أما فيلم “مرايا” للمخرج التهامي بوخريص فيحكي عن زنا المحارم. عندما يختار المخرج موضوع طابو فإنه يضع نفسه في سياق اجتماعي مضاد ويحفز حواس المتلقين… وقد نجح المخرج في تجاوز التناول المستهلك. يوصي الأب المعتدي ابنه بالحرص على شقيقته. المرآة ليست قطعة زجاج فقط، بل إن حال المرأة هو انعكاس لوعي الرجل. الفيلم ذي تركيب جيد، فيه كثافة لكن يستحسن إعادة المونتاج لتجنب الحشو بالصور.

كانت هذه واحدة من الملاحظات التي وجهت للمخرج في المناقشات الصباحية. فقد كان مهرجان القنيطرة فرصة للفرجة والمناقشات والدردشات والتقاط صور للدعاية الشخصية عبر الفايسبوك لتعرفوا من حضر. أخذت نصيبي من الصور وتفرغت للكتابة لأني أفضل الكتابة على الدردشة التي تسبب لي الصداع. ثم إن الكتابة تدوم أكثر من صور الفايسبوك التي تفقد محتواها الإخباري والدعائي بعد ساعات من نشرها. ثم إن حصولي على دعوة يرتب علي مسؤولية أخلاقية: الكتابة.

في الكثير من الأفلام مونتاج بسيط. والمونتاج هو نحو الصورة السينمائية وهو يساعد على اقتطاع اللحظات الدالة من القصة وتركيبها لتكون مؤثرة. مع كل لقطة لابد من السؤال: إذا حذفت هذه اللقطة هل ستخسر القصة الرئيسية معلومة ما؟

دون هذا ستكون هناك لقطات زائدة تكسر تماسك السرد. ثم إنه لتقرأ الصورة السينمائية يجب أن يتم الاشتغال عليها. وهذا ما تفتقده أفلام ثرثارة متأثرة بالتجربة المسرحية ويغلب فيها الحوار على الصورة. الحل؟

بدل الكلام يجب التعبير بالصورة، وهذا يقوي الجانب التواصلي للفيلم.

هذه واحدة من نقط ضعف الفيلم المغربي القصير، وهناك نقط ضعف تمس السرد والمكان.

فعلى مستوى السرد يحاول المخرج حكي عمر بكامله بدل لحظة دالة في فيلم قصير يفترض أن يقطر التجربة الإنسانية. النتيجة هي فيلم قصير يشبه في بنيته فيلما طويلا… يصعب تحويل قصة قصيرة إلى رواية.

وهناك كثرة الفلاش باك والكوابيس على أمل أن تكون مصدر غرام الجنون الذي ينقل الفيلم من الواقعية المفرطة إلى الخيال. وحين يغيب الخيال تجري محاولة استنساخ أفلام نجحت. فمن مدرسة السينما بمراكش جاء فيلم عن قتل الأب، وفيه تشابه كبير مع فيلم “غفوة” لمحاسن الحشادي وقد عرف فيلمها نجاحا كبيرا. يبدو أن تقليد باقي الطلبة لفيلم ناجح يعرقل قدرتهم على االابداع.

ما الذي يعرقل الإبداع السردي؟

التركيز الشديد على المحتوى. طرح سؤال: ماذا أحكي؟ ونادرا ما يطرح السؤال: كيف سأحكي؟

إن المحتوى غالبا معلوم للجمهور، وتكراره يحول الفيلم إلى بيان احتجاج.

أما على مستوى المكان ففي بعض الأفلام مشاهد جغرافية بلا محتوى درامي. مشاهد يفترض أنها رومانسية مثل الغروب. وهناك طبعا التصوير في غرفة نوم أو صالون لأن التصوير الداخلي أقل كلفة. والغريب تصوير دون إضاءة على فرض أن الضوء الذي يكفي العين لترى سيكفي الكاميرا لتصور… وقد وجدت نفسي مشتبكا مع مخرج شاب حول هذا الموضوع، وفجأة سألته: ما هي الكتب التي قرأتها عن السينما؟ قال إنه لم يقرأ أي كتاب فأعلنت انسحابي من المناقشة.

في باب التعامل الجيد مع المكان أشير لفيلم “ليلتهن” للمخرجة ناريمان يامنة الفقير، وفيه نتتبع معاناة حارسة ليلية للسيارات، هذه المهنة التي اقتحمتها النساء مؤخرا. وقد قدم الفيلم الممثلة المحترفة آمال الأطرش في دور جديد أدته بتلقائية مدهشة. وهذا دليل أنه يمكن لمخرجين شباب في أفلامهم القصيرة أن يغامروا بإخراج ممثلين محترفين من أدوارهم النمطية في التلفزيون.

هذه نظرة عن أفلام مهرجان القنيطرة، والخلاصة أن الفيلم المغربي القصير بخير، ويبلغ الإنتاج ثمانين فيلما قصيرا سنويا. ومع هذا الكم سيتطور الكيف.

وكانت جوائز مهرجان سبو الثامن كما يلي:

الجائزة الكبرى لفيلم “صنع بالمغرب” للمخرج عبد الواحد المجاهد.

الجائزة الثانية “جمعة مباركة” للمخرجة أسماء المدير.

جائزة لجنة التحكيم “ماء ودم” للمخرج عبد الإله الجواهري.

جائزة الجمهور “ماء ودم” للمخرج عبد الإله الجواهري.

[email protected]

‫تعليقات الزوار

6
  • lamouissi
    السبت 14 يونيو 2014 - 18:34

    " وفجأة سألته: ما هي الكتب التي قرأتها عن السينما؟ قال إنه لم يقرأ أي كتاب فأعلنت انسحابي من المناقشة."
    السي محمد، دائما ما تردد في مقالاتك أنك قرأت الكثير من الكتب عن السينما، و الحقيقة أن قراءة كتب عن السينما لا تصنع من الإنسان مخرجا أو سيناريستا أو مصورا بارعا، هل قراءة كتب و نظريات ستانيسلافسكي ستجعل من الخياري أو فهيد ممثلين بارعين؟ لا أظن، هل ستصنع كتب مخاييل رووم من عبد الله فركوس مبدعا في الإخراج؟
    يمكن بالطبع قراءة كتب عن السينما فقط على سبيل الإستئناس، الذين يكتبون عن السينما (عادة) أناس فشلوا في إثبات ذواتهم على مستوى صنع ما يتكلمون و ما يصدعون رؤوسنا به، و الذين أبدعوا في السينما ويبدعون ليس لهم ما يكفي من الوقت لكتابة كتب عن السينما، قراءة حوارات مع مخرجين و قراءة سيرهم الذاتية أكثر فائدة (أنظر السيرة الذاتية لتاكيشي كيتانو، ميخاييل رووم يتكلم في كتابه عن تجربته الخاصة, إقرأ حورات آكى كوريسمياكي).
    نتعلم السينما عن طريق مشاهدة الأفلام الجيدة، معاينة الحياة، قوة الملاحظة، تعلم تقنيات الحكي الشفهي و المكتوب، قراءة الشعر..و أهم شيئ الموهبة من الله.

  • lamouissi
    السبت 14 يونيو 2014 - 19:07

    بالنسبة للفيلم القصير
    ليست هناك أفلام قصيرة (بالمفهوم الصحيح للفيلم القصير) في المغرب، معظم الذين يصنعون هذا النوع من الأفلام يصورون أفلام طويلة في قالب الفيلم القصير، كثرة الشخصيات و الأحداث و الأماكن تخالف فكرة أن الفيلم القصير ما هو إلا لحظة أو فكرة، بإمكاننا أن نأخذ بيتا من قصيدة شعرية و أن نصنع منه فيلما قصيرا، ولكن تصوير قصيدة كاملة لا يصلح لذلك.
    و الأفلام القصيرة الناجحة على المستوى العالمي قليلة جدا، إن مشاهدة مجموعة الأفلام القصيرة التي أنتجها مهرجان كان بمناسبة خمسينيته خير دليل على ذلك، فمخرجان أو ثلاثة هم الذين نجحوا(عباس كياروستامي أخرج فيلما رائعا) البقية أفلام عادية جدا، ثم هناك مسألة مهمة جددا: هل أولئك الذين يتم اختيارهم أعضاء في لجان تحكيم الفيلم القصير في المغرب أهل لذلك؟؟؟ هناك أفلام عالمية رائعة و حاصلة على أرفع الجوائز العالمية لو عرضت في المغرب لخرجت بخفي حنين

  • بنعزيز
    السبت 14 يونيو 2014 - 22:54

    قال ابن حزم الأندلسي "لولا الكتب لاستوى العالم والجاهل"
    فكيف لا يطون المطالعة معيارا؟ الكتب هي مصدر اللياقة الثقافية قياسا على أن التمارين مصدر اللياقة البدنية.
    ذكرت عباس كيروستامي، في حديثه يستشهد بعدد ضخم من الكتب. في كتاب "عباس كيارستمي سينما مطرزة بالبراءة" ترجمة أمين صالح من البحرين، يقول "لا توجد الصدفة في السينما".
    السينما تصنعها الثقافة وهي كتب وأفلام ولوحات وسماع…..

  • lamouissi
    السبت 14 يونيو 2014 - 22:59

    عاااجل
    حاجة مهمة نسيت أن أقولها، و الله، والله اللي بقى متبع السينما الفرنسية و كتبها لا طفرو، كل سينمات العالم تتطور و تسير بخطى ثابتة إلى الأمام إلا السينما الفرنسية و هي سبب تأخرنا سينمائيا.

  • lamouissi
    الأحد 15 يونيو 2014 - 04:35

    السي بنعزيز، لا تحور الكلام، أنت سألت الشاب ماهي الكتب التي قرأها "عن السينما"، وأنا حين أنكرت فائدة قراءة تلك الكتب كنت أتحدث عن الكتب التي "عن السينما"، إطلاقا لم أقصد قراءة الكتب بصفة عامة، القراءة مفيدة ومهمة و ضرورية، أنا لم أقرأ كتاب "عباس كياروستامي" ولكني أشك أنه كان يقصد الكتب التي "عن السينما"، هو ربما يقصد الكتب عموما، في الأدب، التاريخ،الشعر، الرواية، الرسم، النحث، علم النفس، كتب عن الجنس، علم الإجتماع، الأسطورة….إلخ..إلخ، فيما يخص "لاتوجد الصدفة في السينما" فهذه فكرة خاطئة إذا فهمناها حرفيا، أو كما أفهمها أنا (لا أعرف ماذا يقصد هوأو تقصد أنت بالضبط)، فيلم شمس الضباع لرضى الباهي أخدى منحى أثناء تصويره بسبب براعة المرحوم الحبشي، العديدون وصلوا للسينما عن طيق الصدفة(عصمان سمبين)
    إختيار زوايا اللقطة، الإضاءة، حركة الممثل، الكادراج ..إلخ..هنا لايجب أن تلعب الصدفة دورا و مع ذلك لا شيئ يخلو من الصدفة، لاتقل لي أنك حينما صورت فيلمك ملح الحب، إشتغلت ب storyboard و لم تتململ عما كتبته على الورق؟

  • adnane
    الأحد 15 يونيو 2014 - 05:07

    للأسف محمد بنعزيز لم ينقل طبوغرافية الأفلام كما كانت في حقيقة جلسات نقاش الأفلام التي كان حاضرا في جل جلساتها ، لقد فاجأتني محمد ب" الصباغة ديالك" لأفلام مثل " جمعة مباركة " لم تكن سينمائية بتاتا حسب رد الأستاذ عباس جدة !!!!!!! وتناسيت " التشاش" الذي أخد من وقت النقاش أكثر من ساعة ونصف من التحليل !!!!!!!!………………….تشاش هذا عندك محمد بنعزيز
    ويستمر التشاش……………حتى موعد أخر يا بنعزيز ، لقد تفاجأت من مقالك كثيرا فنقاشك للأفلام يختلف كثيرا عن مقالك ، ولا تقل لي أن جمجمة الجالس أمامك حالت دون أن تشاهد " التشاش" وتستوعبه ….

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 5

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 9

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 7

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 3

رسالة الاتحاد الدستوري