غريزة التدين بين وحدة الأصل والتأصل

غريزة التدين بين وحدة الأصل والتأصل
الثلاثاء 14 أبريل 2009 - 11:38


تمهيد حول مشكلة الغرائز ومحدداتها:


مسألة تحديد أنواع الغرائز عند الإنسان تعد أهم الاشكالات التي يجابهها الفكر الإنساني على مر العصور، إذ تختلط عند تحديدها المفاهيم وتتضارب فيما بينها، حتى قد تنسب بعض الأعمال الإنسانية إلى العمل الغريزي بينما هي غير ذلك بوجه من الوجوه، بحيث يتجلى فيما بعد التحقيق والتدقيق أن هذا العمل أو ذاك إما أنه يدخل في إطار الاستجابة المنعكسة شرطية كانت أم غير شرطية، أو في إطار الاهتداء العقلي ووظيفته التمييزية، وهكذا كما يقول سميح عاطف الزين “كثيرا ما يخلط الناس بين الادراك العقلي والادراك الشعوري “أي التمييز الغريزي” ويعجزون عن التمييز بينهما، ومن هنا كان الوقوع في أخطاء مضحكة حينا ومضللة أحيانا، فمنهم من جعل للطفل منذ ولادته عقلا وفكرا،ومنهم من جعل للحيوان فكرا، ومن هم من جره عدم التمييز بين الفكر والغريزة أو الاهتداء الغريزي إلى الضلال في تعريف الفكر، ولهذا كانت معرفة الاهتداء الغريزي ضرورية ضرورة معرفة الفكر أو العقل” .


ولمعرفة الغريزة معرفة موضوعية ينبغي التركيز أولا على واقعها اللغوي ثم بعد ذلك وظيفتها النوعية والمتميزة بحسب ما استنتج من اللغة كأداة للاهتداء إلى تحديد مفهومها، ثم بعد ذلك معرفة هل فعلا توجد عند الإنسان غريزة يمكن الاصطلاح عليها بغريزة التوحيد مع تحديد أصلها ومستوى تأصلها في كيانه.


أولا: غريزة التدين بين الوضع اللغوي والتحديد الموضوعي


أ)إن التعريف اللغوي لكلمة غريزة مأخوذ من غرز يغرز غرزا، وغرز الإبرة في الشيء أدخلها فيه، وعودا في الأرض، والغريزة جمعها غرائز: أي الطبيعة والقريحة كما هو عليه التفسير في القواميس العربية.


وهذا الوضع اللغوي لمفهوم الغريزة المأخوذ من الغرز يؤسس لنا مبدأ تمكن الشيء المغروز من المغروز فيه تمكنا جوهريا بحيث يصبح آخذا حيزا ثابتا فيه يتحرك بتحركه ويسكن بسكونه أو العكس من ذلك.


ونظرا لما تحمله كلمة الغرز من معنى الثبات والاستقرار في شيء معين فقد حول المفهوم ونقل إلى نوع لا هو بالتجريد المستقل ولا بالتجسيد المحض، إذ سيصبح استعماله بكثافة فيما يتعلق بأحوال الإنسان أو غيره من الحيوانات، ومن ثم سيصير مفهوم الغريزة يميل إلى إعتبارها معرفة فطرية تمثل جزءا أساسيا من حياة كائن معين، أو بعبارة أخرى “نزعة ذاتية نحو تحقيق الإشباع الخاص بها بحسب نوعها وغايتها وأهدافها، وقد عرف بيرون الفرنسي الغريزة بأنها “نزعة فطرية مشتملة على أفعال نوعية تبلغ درجة الكمال منذ بدايتها دون خبرة سابقة” .


وهي من خلال هذا المفهوم لا تأخذ سوى شكل واحد في وظيفتها، وهذا الشكل الواحد إذا غير أو وظف في غير محله اعتبر شذوذا وضلالا غرائزيا. ولهذا فإن الغريزة قد وجدت عند الإنسان قبل ولادته وبعدها، وبذلك فمفهوم الغريزة يعني في حد ذاته.(قبل التدخل الواعي للإنسان في تصريفها): الفطرة التي نص عليها الإسلام كما ورد في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم:”كل مولود يولد على الفطرة”.


وكحصر مبدئي وجملي لأنواع الغرائز عند الإنسان من خلال نشاطه وسلوكه نجد أنها تكاد تضبط في أربعة غرائز لا خامس لها وهي، غريزة حب البقاء، وغريزة النوع، وغريزة الاستيلاء، ثم غريزة التدين.


وإذا قمنا بعملية الاختزال والحصر الموضوعي، فإننا سوف لا نبقي سوى على غريزتين وهما: غريزة الاستهلاك للفناء. وغريزة الادخار للارتقاء(أو البقاء).


إذ غريزة حب البقاء والنوع والاستيلاء ليست سوى صور متعددة لعملة واحدة وهي استهلاك الطاقة الجسدية والنفسية واستنفاذ قواها إلى حين وصول أجلها المحتوم والذي يعني الموت والفناء.


أما غريزة التدين فهي تمثل ارتقاء بهذا الاستهلاك نحو التطلع إلى الآفاق وكسب رهان الاستمرارية والبقاء، وهي بهذه الصفة المتميزة كان من اللازم اعتبارها أقدم الغرائز عند الإنسان غير المؤمن بها ولو لم يعبر صراحة عن ذلك، إلا أنه غريزيا يميل إلى تمني البقاء والتطلع للخلود وذلك من خلال تعابير وإجراءات واندفاعات يختلط فيها حب البقاء المادي بالتطلع للبقاء المعنوي والروحي، كمحاولة تعويضية عن الفناء الذاتي الذي يقرض وجوده رغم أنفه في كل لحظة وحين.


وللتدليل البرهاني على وجود غريزة التدين عند الإنسان ورسوخها في ذاته رسوخ الوتد المغروز في الأرض أو أكثر أعرض للحديث عن أصلها ومصدرها في وجدانه ثم بعد ذلك عن مستوى تأصلها في هذا الوجدان تأصلا يمكن أن نصطلح عليه باسم غريزة التدين.


ثانيا: أصل التدين بين البرهان القرآني والتخمين الإنساني


أ) بخصوص الباعث على التدين عند الإنسان يتساءل الأستاذ عباس محمود العقاد قائلا: “فما هو الباعث في الطبيعة الإنسانية إلى طلب العقيدة وهل يلزم أن يكون باعثا واحدا أويجوز أن يرجع إلى بواعث كثيرة؟وهل يثبت هذا الباعث على حالة واحدة أو تتجدد له أحوال بعد أحوال بتعاقب الأطوار والأجيال؟.


أما أنه باعثا واحد فلا وجه للزومه، ولا مانع لتعدده ويصح جدا أن تتفق جميع البواعث التي تفرق العلماء في شرحها وسرد الشواهد عليها ولا ينفرد باعث منها بنشأة الدين منذ أقدم العصور، وألا توصد الأبواب على البواعث الأخرى التي قد تتجدد الآن وقد تمضي في التجدد إلى غير انتهاء” .


وهذا التساؤل عند العقاد والاستنتاج الذي عبر عنه يحمل بين طياته إشكالا معرفيا وغريزيا إلى حدما، وذلك لأنه لم يستبعد تعدد البواعث في طلب الدين عند الإنسان، ولم ير ضرورة وحدة الأصل في الحث على هذا الطلب. وهو ما نعترض فيه عليه كما سنبين ذلك، لكنه مع ذلك نراه يميل إلى اعتبار الأصل واحدا كضرورة منطقية معقولة بعد استعراض الاختلاف الصارخ بين علماء المقابلة بين الأديان وغيرهم(من الأنتروبولوجيين) حول تحديد أصل العقيدة الدينية عند الإنسان البدائي، ومن بين هذه الآراء كما عرضها العقاد مايلي: “يرى كثير من العلماء أن الأساطير هي أصل الدين بين الهمج، وهو رأي لا يرفض كله ولا يقبل كله!…لأن العقيدة قد تحتوي الأسطورة، ولكن الأسطورة لا تحتويها، إذ يشتمل عنصر العقيدة على زيادة لا يشتمل عليها عنصر الأسطورة وهي زيادة الإلزام الأخلاقي والشعور الأدبي بالطاعة والولاء والأمل في المعونة والرحمة من جانب الرب المعبود……”.


“ويرى-تايلور- أن ملكة الاستحياء هي أصل الاعتقاد بالأرباب. فالطفل يضرب الكرسي إذا أوقعه كما يضرب الإنسان الحيوان، وتايلور يعتقد أن الإنسان الأول كالطفل في تخيله للأشياء وتمثله لها في صور الأحياء……”.


ومن الواجب أن نسأل: إذا كان الهمجي كالطفل ينظر إلى جميع الأشياء كنظرته إلى الحي الذي يقصد ما يفعل، ترى لماذا لم يعبد الهمجي جميع الأشياء؟ لا بد أنه قد عرف قبل العبادة وصفا للربوبية يميز به بين طائفة من الكائنات عما عداها، ويرى ذلك الوصف موفورا في الشيء وغير موفور في سواه، وقد نقل السائحون عن أقزام أفريقيا الوسطى وهم في حضيض الهمجية أنهم يؤمنون برب عظيم فوق الأرباب، وعرفت من الهمج قبائل مسفة في الجهالة لم تعبد الأسلاف وجعلت ظواهر الطبيعة مسخرة لروح عظيم”، “ويرجح آخرون أن السحر هو أصل العبادة وأصل الشعائر الدينية، ولكن يقال في الرد عليهم إن السحر يستلزم وجود الأرواح التي تعالج به وتراض بتعاويذه” “والأكثرون من ناقدي الأديان يعللون العقيدة الدينية بضعف الإنسان بين مظاهر الكون وأعدائه فيه من القوى الطبيعية والأحياء فلا غنى له عن سند يبتدعه ابتداعا ليستشعر الطمأنينة بالتعويل عليه والتوجه إليه بالصلوات في شدته وبلواه”. “ورأي فرويد قريب من رأي هؤلاء الذين يردون العقيدة الدينية إلى شعور الخوف في وسط العناصر الطبيعية”.


“وطائفة أخرى من علماء الإنسان يقرنون بين “الطواطم” والذين يظنون أن الطواطم هي طلائع الأديان بين الهمج الأولين” والفيلسوف الفرنسي ـ هنري برجسون ـ يرجع بالعقيدة الدينية إلى مصدرين: أحدهما اجتماعي لفائدة المجتمع أو فائدة النوع كله، والآخر فردي يمتاز به آحاد من ذوي البصيرة والعبقرية الموهوبة….”.


“أما ماكس موللر فهو يؤمن بأن البصيرة هبة عريقة في الإنسان وذلك في قوله: “مهما نرجع بخطوات الإنسان إلى الوراء فلن يفوتنا أن نتبين أن منحة العقل السليم المستفيق كانت من خصائصه منذ أوائل عهده وأن القول بإنسانية متسلسلة على التدريج من أعماق البهيمية إنما هو قول لن يقوم عليه دليل” ومصداقا لهذا الرأي يرجح موللرأن الإنسان قد تدين منذ أوائل عهده، لأنه أحس بروعة المجهول وجلال الأبد الذي ليس له انتهاء”.


إن المستخلص من هذه الآراء المتضاربة فيما بينها هو أن هؤلاء الباحثين على اختلاف توجهاتهم وخلفياتهم المذهبية والفكرية، لم يستطيعوا بل لم يريدوا أن يتفقوا على رأي موحد حول تحديد الباعث الأصلي للتدين عند الإنسان، فكانت آراؤهم المتضاربة تلك ليست سوى تخمين وهمي، ورجم بالغيب يقذف به من مكان بعيد، إذ كلهم قد وقعوا في وهمية نشوء التدين عند الإنسان بالتوازن مع النشوء الاجتماعي والامتداد التاريخي، وهذا يعني في أغلب تفاسيرهم أنه كلما تقدم التاريخ والمجتمع تقدمت معه المعرفة الدينية والتصورات العقدية وذلك بسبب توجهاتهم المادية التي لا تفسر العمل الفكري أو الاعتقاد الديني إلا بما يفسر به التفاعل الكيميائي والفيزيائي في صورته المادية الآلية المشوبة بالفرضيات الوهمية والتخمينية وخاصة حينما يتعلق الأمر بالتصور الإنساني العقدي والفكري عموما، باعتبار إفرازاته على نمط مادي كما تفرز الكبد مادة الصفراء!


ب)وإذ أن هؤلاء الخائضين في تحديد الباعث الأصلي للتدين عند الإنسان لم يهتدوا إلى رأي موحد فالنرجع إلى القرآن الكريم لتقصي هذه الحقيقة بكل برهانية وإعجاز علمي على مستوى البرهان الغريزي والبرهان التاريخي إذ سنجده يحدد لنا أصل العقيدة الدينية عند الإنسان بحقيقتين: حقيقة غيبية أزلية وحقيقة تاريخية زمنية.


1)فالحقيقة الغيبية الأزلية: تحدد لنا مصدر غريزة التدين عند الإنسان وهو مازال بعد لم تكتمل بنيته الذاتية كجسم وروح وقد لقن هذا الأصل، أي أصل التدين المتلخص في توحيد الله سبحانه وتعالى والإقرار بربوبيته، وهو في عالم يصطلح عليه بعالم الذر: يقول الله تعالى: “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى! شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون” .


وفي هذه الآية الكريمة يعلمنا الله سبحانه وتعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من ظهورهم أي من أصلابهم قبل أن يولدوا ويخرجوا إلى الدنيا كخلق مكتمل، فأقام إذاك عليهم الحجة بأنه ربهم ومالكهم وأنه لا إله إلا هو، ومن هنا تكون هذه الحادثة مسألة غيبية خاصة بعالم الأرواح قبل انضمامها إلى الأجساد، وهي بذلك تمثل ما يمكن أن نصطلح عليه بحادثة “إشهاد العدالة” إذ أنه تم على صورة تجريدية محضة غير متعرضة لنزاعات أو نزوات شهوانية أو شبهات شيطانية. فكانت بهذا المعنى فطرية وغريزية بكل ما تحمله الغريزة من معنى كما سبق وأوضحنا، ومن هنا جاء الخطاب الآخر المؤكد لآثار هذا الإشهاد العادل بقول الله تعالى “فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله” وكذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم”كل مولود يولد على الفطرة”


2)وأما الحقيقة التاريخية الزمنية: فهي تمثل امتدادا للحقيقة الغيبية الأزلية وتذكيرا بها ليس إلا، وبالتالي فإنها تعطي التفسير الصحيح لظاهرة الميل إلى التدين والاعتقاد عند الإنسان كيفما كان وضعه ووعيه كما أنها توضح لنا سر هذا النزوح بالشعور أواللاشعور نحو تخصيص الواحد بالتفرد في التصرف والخلق والإبداع عند سائر المعتقدين مهما شذت معتقداتهم وانحرفت وشابتها شوائب الوثنية والشرك، وهذا ما يقرره علماء المقابلة بين الأديان ودارسي الحضارات الغابرة والمجتمعات الهمجية الحاضرة.


فالقرآن الكريم ينص على أن النزعة الدينية عند الإنسان بصورتها التوحيدية ليست وليدة التطور التاريخي أو العمراني أو نتيجة باعث من البواعث العرضية أو المرضية عند الإنسان كطارئ استثنائي وذاتي. وإنما هي عقيدة وجدت بوجود الإنسان منذ أن وطئت رجل آدم عليه السلام تراب هذه البسيطة، فضلا عن الترسخ الأولي في عالم الذر كما ذكرنا، وفي هذا الصدد يقول الله تعالى: “وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون. فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين” “وإن من أمة إلا خلا فيها نذير”.


“لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم”. “وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون”. “وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم” “وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم”.


حتى أن أعتى الملحدين والكفار في تاريخ الإنسانية سيصرح بعقيدة التوحيد اضطرارا وعودة إلى أصلها رغم فوات الأوان بانتهاء فترة الامتحان يقول الله تعالى: “وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين”.


ولقد كان آخر إعلام بعقيدة التوحيد وختم الرسالات والنبوات المذكرة بها هو ما أرسل الله به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كدعوة للعالمين إلى التوحيد الخالص، محددا من خلال هذه الرسالة عقيدة التوحيد تحديدا مجملا ومفصلا. وعلى رأس هذا التحديد المجمل نجد صورة الإخلاص التي تعادل ثلث القرآن في قوله تعالى:”قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد”.


ومن هنا فالعقيدة الدينية التي نادى بها الرسل والأنبياء تمثل تذكيرا وحثا للغريزة الدينية الأولية المترسخة في روح الإنسان وهو مازال في عالم الذر، ومن ثم فإن أصل الدين والاعتقاد عند الإنسان هو واحد، وهذا الواحد هو الله سبحانه وتعالى، إذ هو الذي أصل فينا عقيدة التوحيد وطبعنا على الدينونة له شئنا أم أبينا، وهو هو الذي أرسل الرسل لتذكيرنا بهذه العقيدة وتوجيهنا التوجيه السليم في توظيف التدين لدينا.


ثالثا: وحدة التأصل الديني برهان على وحدة الأصل.


أ) إن هذا الاستنتاج حول تحديد أصل التدين عند الإنسان أسسناه استئناسا على استقراءات موضوعية لواقع الاعتقاد عند الأمم الماضية والهمجية كما يسمونها وكذلك على استقراءات لتهافت آراء علماء المقابلة بين الأديان والأنتروبولوجيين من الغربيين واضطرابها كدليل على عدم موضوعيتها ومصداقيتها في تحديد الباعث الأصلي للتدين، مما جعلنا نؤسس استنتاجنا بصورة قطعية على نصوص قرآنية قدسية كمرجع وحيد ومصدر ثابت لإثبات الباعث الأصلي للتدين عند الإنسان.


فكان هذا الاستنتاج يرتكز في الأساس على إثبات الأصل بالدرجة الأولى رغم أنه يؤسس مبدأ التأصل كتلازم ذاتي داخل هذا الإثبات، وعلى هذا فإن إثبات التأصل ـ أي وجود استعداد غريزي نحو التدين ـ كما قررناه في البداية وإن كان يدخل في إطار وحدة التمثيل التاريخي لهذا الاستعداد إلا أنه يبقى نوعا ما يحتاج إلى إيضاح أكثر وزيادة تعميق لكي يستخلص منه وسيلة برهانية أخرى للاستدلال على وحدة الأصل.


إذ من جهة البرهان القرآني وتقريره فإن آية الذر كفيلة بتأكيد هذا التأصل عند الإنسان، بحيث أن حادثة ما اصطلحنا عليه ب “إشهاد العدالة” كانت كافية لجعل ذلك الاعتراف الإنساني بربوبية الله في ذلك الموقف الغيبي الذي نصت عليه الآية أن يصير مطبوعا في ذات الإنسانية بصفة عامة، وهذا الطبع كان جوهريا إذ أنه كان اعتراف الروح قبل أن تدخل في سجن الجسد وتصطدم بغرائزه وهلوساته، ولكن رغم ذلك بقيت مؤثرة على سلوكه وتوجهه مهما نسيها أو تجاهلها مما يصعب تفسيره في هذه العجالة.


وهذا التأصل الذي استنبطناه من القرآن الكريم سيعرف إجماعا عند البحاث في المجتمعات الإنسانية وحضاراتها ومن ثم خرجوا بنتيجة كما يقول عباس محمود العقاد: “اتفق علماء المقابلة بين الأديان على تأصل العقيدة الدينية في طبائع بني الإنسان من أقدم أزمنة التاريخ ولكنهم لم يتفقوا على أصل العقيدة أو أصل الباعث عليها ولا بد لها من باعث” .


ويعرض أحمد أمين في كتاب قصة الفلسفة الحديثة تصريحا للفيلسوف الإسباني سانتيانا (1863) يقول فيه “إنني أصدق المذهب الكاثوليكي ولو أنني أعلم أنه كاذب”. وقد كان يسخر من العلماء الذين يتوهمون أنهم قد أثبتوا بطلان الدين بالعلم دون أن يبحثوا عن الأصل الذي نشأت عنه عقائد الدين، ودون أن يعلموا معنى تلك العقائد ووظيفتها الحقيقية، ثم يتساءل أحمد أمين، فيقول “أليس مما يلفت النظر ويستثير البحث أن نرى الناس في كل مكان على وجه الأرض يدينون بعقيدة ما؟” .


ب)إن هذه الاستقراءات المتواترة والاعترافات بوحدة تأصل العقيدة الدينية عند سائر البشر يعتبر مصدرا موضوعيا كفيلا بتأسيس مبدأ التواتر في التحصيل العلمي والبرهانية. ورغم أن هؤلاء العلماء ـ أي علماء المقابلة بين الأديان وعلماء الإنسان كما يزعمون( الأنتروبولوجيين ) قد اتفقوا على تأصل العقيدة الدينية عند الإنسان، فإنهم قد جانبوا الصواب وباعدوه عند تعرضهم لتحديد الباعث الأصلي لها وعدم اتفاقهم على وحدته، وبذلك كانوا متناقضين مع الحقيقة العلمية تناقضا منطقيا ـ رياضيا ـ وغرائزيا بصفة خاصة،لأنه من حيث المنطق قد أهدروا الحد الأوسط الذي كان ينبغي أن يصبح النتيجة اللازمة للاستنتاج من وحدة التأصل ألا وهو وحدة الأصل، وإلا فإنهم باختلافهم يكونون قد ميزوا تمييزا عنصريا بين الإنسان وأخيه الإنسان في تحديد غذائه الغرائزي ونوعيته، وهذا إهدار لمبدأ الوحدة الإنسانية في تركيبها الجوهري الذاتي والغرائزي‌‍!.أما من حيث التناقض الغرائزي فإننا نعلم أن كل غريزة لا تؤدي إلا وظيفتها الكاملة الخاصة بها، ومن ثم فغذاؤها لا يكون إلا واحدا خاصا بنوعها وهو عين باعثها. إذ غريزة البقاء غذاؤها الطعام الواحد بنوعه، وغريزة النوع غذاؤه التناسل الواحد بنوعه أيضا، وكل غذاء خارج عن اقتضائه الغرائزي يكون شذوذا، وقد بلغ الشذوذ ذروته كمثال في صرف الغريزة عن باعثها الأصلي وغذائها الخاص بها في تفشي وباء السيدا مرض العصر اللعين!


ج)إذن يبقى من خلال هذه القاعدة الغرائزية أن الاستجابة السليمة لمقتضى الغريزة الدينية عند الإنسان هو أن تتلقى غذائها من أصل واحد وهو عبادة الله الواحد المؤصل لها في روحه، قد عبر ابن تيمية عن هذا الاستنتاج والشذوذات المترتبة عن صرف الغريزة عن أصلها تعبيرا جميلا قال فيه: فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقا به ودينا له، لكن يعرض لها ما يفسدها ومعرفة الحق تقتضي محبته ومعرفة الباطل تقتضي بغضه لما في الفطرة من حب الحق وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه “.إذ عارض الشبهة وعارض الشهوة يمثلان أهم العوارض في الوظيفة الغريزية المناطة بغريزة التدين عند الإنسان، وبسبب هذين العارضين عرفت الإنسانية انحرافها عن الدين.


1) فعارض الشبهة سببه الغرور النفسي والتغرير الشيطاني.


والغرور النفسي هو الاكتفاء بما هو محصل عليه باعتباره الكفيل بتحقيق الاستجابة الغرائزية، ومن ثم وقع الناس في المحظورات بسبب قصورهم التحصيلي للمعرفة، وقد مثل فرعون هذا الغرور في قمته كما يحكيه الله سبحانه في كتابه العزيز عنه بقوله “ماأريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” وهذا الغرور في حد ذاته يعتبر تغريرا من الشيطان الرجيم الذي أقسم بعزة الله ليغوين بني آدم أجمعين إلا عباد الله المخلصين.


2) وأما عارض الشهوة فهو يدخل في إطار صراع الغرائز، ولكنه في الحقيقة يؤول إلى عارض الشبهة في النهاية. لأن الشخص الذي تغلب عليه شهوته سواء كانت بهيمية أو غضبية أو نفسية محضة قد لا يستطيع معها أن يميز بين مقتضيات التوازن في قواه النفسية، وحيث أنه مكبل بثقل الجسد ومغرى بشهوات البلد فقد يميل إلى تهميش نسبي في البداية لغريزة التدين والاستجابة لها، لكنه بقدر ما طال هذا التهميش بقدر ما نساه “إشهاد العدالة” الذي كان قد عاهد الله عليه في عالم الذر، وقد ينتهي به المآل إلى الإنكار الكلي لذلك العهد، وليس من دافع لهذا الإنكار سوى دافع الشهوة والإفراط في الاستجابة لها كما يقول الله تعالى: “بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسأل أيان يوم القيامة “.


إذن فالمستخلص مما تقدم أن وحدة التأصل الديني عند الإنسان تدل كضرورة عقلية وغريزية على وحدة الأصل، وأن القرآن الكريم يبقى دائما هو المصدر الوحيد لتحديد وحدة الأصل والتأصل. وبذلك كان الاخبار القرآني بالحقيقة تقريريا وبرهانيا في آن واحد.


يقول الله تعالى: “فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به. فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح.



*لأسباب تقنية لم يتمكن موقع هسبريس من إدراج هوامش المقال .


نعتذر للكتاب ولعموم قرائه .


أنقر هنا للإطلاع أو لتحميل النسخة الكاملة للمقال في صيغة “وورد”

‫تعليقات الزوار

4
  • محمد.
    الثلاثاء 14 أبريل 2009 - 11:44

    شكرا لك استاذي الكبير سي محمد بنعيش الدين رسالة الاهية ..
    آمنت بها و بما جاءت به

  • عمر من تازة
    الثلاثاء 14 أبريل 2009 - 11:46

    التدين سواء كان توحيدا أو وثنية او تقديسا لأرواح الأباء أو كل ما يتعلق بالماورائيات الطبيعية له أسبابه الأبعد عن ادعاء العقل أو غريزة معينة بل تلك الغريزة مجموع غرائز عدة لا علاقة لها بالدين بل هي التي أنتجته و صاغته عبر مسيرة تطور الانسان .. الدين ببساطة ..
    1- ملء لفراغات انسانية معرفية
    – معرفة أصل الانسان
    – معرفة أصل الكون
    – معرفة تفسير الظواهر الطبيعية
    و هذا ما يفسر الاستماتة الكهنوتية في رفض نظرية تطور الانسان علميا و عدد من التفسيرات العلمية التي أزاحت الدين عن ميدان ظل يصول و يجول فيه ردحا طويلا – و عداء رجال الدين المسيحيين و المسلمين لعدد من هذه النظريات له تاريخه الحافل –
    2- اجابة عن تخوفات الانسان
    – الخوف من الموت
    – الخوف من الكوارث الطبيعية
    – الخوف من غياب العدالة في الحياة
    الاديان خدمت ما يريده الانسان بالدرجة الأولى و لا يمكن ب”برهان الغريزة” اثبات صحتها أو مصدريتها الالهية من عدم ذلك بل يمكن له أن يكون دليلا على بشريتها
    لذلك اعكس الأية أستاذنا الكريم .. فما أسميته بواعث “الشبهة” هي بواعث التدين و هي “الشهوات” الباعثة للتدين فوعوده و سحره الماورائي يجذب اكثر من الفكر النقدي العقلاني سواء كان سحرا يقوم على حق او وهم .. فهو في كلتا الحالتين سيان و لا أدل على ذلك أن التدين يشمل السذج و الجاهلين و العقلاء و المتعلمين عكس ذوي “الشبهات”
    الى اللقاء

  • كوالا لامبور
    الثلاثاء 14 أبريل 2009 - 11:40

    بعض الاشخاص يعارضون الاطروحات والافكار الاسلامية رغم انها مستمدة من القران والسنة الشريفة
    هكذا خالف تعرف او انتقد تستلذ او انا ضد اذا انا موجود .

    { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون () هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون }
    تحية للاخ بنيعيش جعل الله عملك خالصا لوجه الله .

  • أمة الله
    الثلاثاء 14 أبريل 2009 - 11:42

    موضوع ممتاز ينم على عقلية واعية عبقرية فذة بارك الله في علمك يادكتور

صوت وصورة
الدرك يغرق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36 2

الدرك يغرق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 7

إيواء أشخاص دون مأوى

صوت وصورة
الطفولة تتنزه رغم الوباء
السبت 16 يناير 2021 - 22:59 4

الطفولة تتنزه رغم الوباء

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09 1

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 8

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 11

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال