فرونسواز.. قبائل الجبال هبة الله لمواشيها؛ فما "ليوطي"؟

فرونسواز.. قبائل الجبال هبة الله لمواشيها؛ فما "ليوطي"؟
السبت 28 نونبر 2020 - 01:20

الحلقة الثالثة:

مقدمة عامة:

سيتحرك هذا العمل الروائي، عبر حلقات متعددة، لتصحيح العودة إلى الماضي، من أجل توظيفه، سليما غير مشوه، في بناء المستقبل المغربي الفرنسي -في الواجهة- والإسلامي الفرنسي، في عمق الصورة .

بمعنى تصحيح العودة إلى الماضي، من أجل تصحيح الرهان على المستقبل.

العمل لا يقف على الصفيح الساخن للأحداث، اليوم، بل انطلق منذ سنوات؛ منذ أن بدا أن فرنسا تتعثر كثيرا في محاربتها لإرهاب إسلامي، حنبلي بالخصوص، غدا مواطنا فرنسيا، بكل أوراقه الرسمية. أسباب التعثر متعددة؛ ومنها كون المقاربة الأمنية القوية للدولة، لا توازيها مقاربة تاريخية صادقة، عميقة وفعالة.

الإرهاب عموما، من إنتاج أجيال متعاقبة؛ ميراث عابر للقارات؛ وقد ساهمت فيه كل الدول والشعوب.

فشل فرنسا يعود إلى نظرة تبسيطية مغرضة؛ تسكت عن عشرات السنين من تفريخها لأجيال من الإرهاب الكولونيالي، وعرقها دساس، لكي لا ترى غير الجيل الحالي منه؛ وهي لا تتصوره إلا إسلاميا ولا تواجهه بغير برامج “حذر” المدججة بالسلاح فقط.

هل سيتمكن الحب الذي برعم في قلبي الطالبين ” فرونسواز” وطارق المغربي، من تصحيح الماضي لتصحيح المستقبل؟

قراءة ممتعة..

وجبة من الذكريات:

مرت أيام لم تفارق فيها صورة الكولونيل العجوز ذهن طارق؛ يستعيد كلامه الخافت والمقتضب، ويستعيد بصفة خاصة اختفاؤه بسرعة خلف قصب البامبو، بعد أن ودعهما واعدا بلقاء قريب.

يتمنى صادقا، وبفضول علمي بعيد عن الانتهازية، ألا تُقبض روحه، قبل أن يساعدهما على القبض على حقيقة ما جرى للإنسان بسهول وقمم الأطلس وفي كل المواقع التي قصفتها مدافع التطويع، ذات زمن أهوج.

يتصوره خزانة ثرية بالمعارف، وعلى وشك أن تلتهمها النيران.

ألا يلتهم الحاضر الليبرالي المتوحش، والمعرفي التسطيحي، كل بارقة تاريخ إنساني، قد تغير مساره بعيدا عن آلهة السوق الجديدة؟

يلتقي بفرونسواز، يوميا تقريبا، في المدرجات، وأحيانا تدعوه لبعض مقاصف الحي في فترات الاستراحة؛ فيقبل على مضض لأن ميزانيته لا تسمح إلا بالحد الأدنى للأساسي، ولا يستسيغ أن يكون عالة على سخائها، رغم كون أسرتها ميسورة الحال.

يكون أكثر شعورا بالحرج، حينما ينضم إلى طاولتهما بعض أصدقائها من الطلبة الفرنسيين، أو الأجانب، فيبادر أحدهم إلى أداء الفاتورة بعفوية.

تتمنى عليه شهامته، ونفسه السخية، أن يفعلها بدوره، لكن هذا فوق إمكانياته، ويبقى مؤجلا عنده، كما الحب.

في انتظار المنحة لا تصله غير حوالات الوالد، المقتطعة من معاشه، ومن مصروف العائلة.

لكن مع هذه المبالغ الهزيلة يصله حنان كبير من الأسرة كلها، يكمل به مصروفه اليومي، حينما تحل وجبة الذكريات، والاشتياق إلى دفء الأسرة وحرارة الوطن.

عزيزي طارق يقول الوالد، ويكرر كلما كان هناك تواصل:

اصبر فأبوك فوق شجرة الصبر كما تعرف؛ وتذكر دائما أنك في مهمة نبيلة من أجل مستقبل وطنك، ومستقبلك طبعا.

لقد سعدت يا طارق حينما وجدت عندك رغبة كبيرة في تصحيح التاريخ، من أجل بناء المستقبل؛ لكن قبل هذا لا بد من الدرس والتحصيل وامتلاك مناهج بحث جديدة، تشتغل على المنسي من مآسي الناس، صغيرها وكبيرها، لتُركب تاريخا إنسانيا صادقا، كفيلا فعلا ببناء المستقبل.

ويضحك حتى يخاله طارق بجانبه في الغرفة:

عليك أن تساهم في جعل التاريخ يكتبه الضعفاء والمنهزمون وليس المنتصرون فقط، الذين لا يسعون إلا في خراب الإنسانية.

يا ابني لولا المرضى ما تقدم الطب، حتى غدا جينيا توقعيا كما تعلم.

لولا بؤساء “فكتور هيغو” ما كنا لندخل إلى خرائط الفقر، وعتمات النسيان في المجتمع الفرنسي.

كم يؤثر في يا طارق قوله في مقدمة روايته هذه:

“تخلق العادات والقوانين في فرنسا ظرفا اجتماعيا، هو نوع من الجحيم البشري.. طالما هناك اللامبالاة والفقر، فان كتابة هذا الكتاب تكون ضرورية دائما”.

وهل التاريخ يا ابني هو تاريخ الملوك والقادة فقط؟

وهل هناك ظلم أكثر من مداهمة قبائل الجبال المغربية، مثلا، وهي هبة الله لمواشيها -كما قال الحكيم هامباتيبا عن بُهل مالي وأبقارهم- الراتعة في القمم والمنحدرات؛ لا تكاد تفهم معنى لدولتها حتى تفهم لماذا يغزوها النصارى؟

وقبل هذا لماذا كانت تغزوها حرْكات المخزن، كلما تناهى إلى علمها أن لديها فائضا من زرع وضرع.

ولماذا اختفت الحركات حينما حلت فيالق ليوطي؟

ثم ينتهي التواصل بتفاصيل حياة الأسرة، تنقلها إليه جمل متقطعة من إخوته وأخواته، بالتتالي؛ أما الأم فتسأل غالبا عن قهوته وطعامه وجوعه وشبعه، وكأنه معها في المطبخ كعادته.

يا طارق إني أحن إلى ابني وهو يشرب قهوتي ويأكل خبزي.

هكذا قالتها أم الشاعر الفلسطيني درويش، فسرقها منها، ونظمها في رائعته.

إلى اللقاء.

فيض من حنان الأسرة، ومن خلاله الوطن، ودفق من أسئلة الوالد التحفيزية.

ولن ينسى أبدا يوم قال له: كل كتبي المنشورة، الورقية والرقمية، لا تغطي ولو ثمن سلة خضر.

نحن أمة لا تقرأ؛ وحتى إن قرأنا غالبا لا نشك ولا نسأل.

نحن أمة أغْرينا -بجهلنا وتخلفنا- المستعمر بنا، وقد يكون من حقه، هو أيضا، أن يُحمِّلنا مسؤولية كل ما حصل من دمار لنا وله.

لقد احتلنا الجهل قرونا قبل “ليوطي”؛ وغادر الماريشال وما غادرنا جهلنا؛ انه شهدُنا الذي نغري به.

كان رد طارق يومها: صدقت والدي، وما زلت أذكر يوم تحديتني في شارع محمد الخامس، عارضا علي مبلغ خمسين درهما إن أنا ضبطت أحدهم متلبسا بحمل كتاب.

جلت ببصري، متحمسا ومتحفزا، في كل الأرجاء وبين كل العابرين، فتأكد لي أن الجميع قرر ألا يُضبط متلبسا بشبهة القراءة؛ لا علم تحت الشمس.

ولما اقتربنا من خزانة الفجر، بنفس الشارع، قلت لي: هاكَها واختر كتابا واحمله بيمينك حتى يراه الجميع.

‫تعليقات الزوار

8
  • صناع السلام .
    السبت 28 نونبر 2020 - 08:42

    جاء في رسالة الوالد … عليك أن تساهم في جعل التاريخ يكتبه الضعفاء والمنهزمون وليس المنتصرون فقط، الذين لا يسعون إلا في خراب الإنسانية … الضعفاء لايكتبون التاريخ والمنتصرون لا يسعون دائما إلى خراب الإنسانية إلا إذا كانوا يتبنون إيديولوجية عنصرية تمجد الذات . أما المنتصرون ضد الكهنوت فقد أسسوا لبداية عصر الأنوار والحريات التي جعلت المسيحية أخيرا تنعتق من تجار السماء إلى رحابة ومحبة من قال : من كان منكم بلا خطية فليرجمها .

  • الحشو القاتل .
    السبت 28 نونبر 2020 - 09:02

    رغم سعيه للعلم في بلاد الغرب ورغم الإنسانية التي يقابل بها من طرف العشيقة والكرم الزائد من طرف أصدقاء العشيقة الذين يأدون عنه فواتير طعامه دون من أو إحراج . رغم كل هذا الزخم والفيض من السخاء ، ولأنه ضحية أدلجة عنيفة ومترسخة سوف يستفيق من هيام اللحظة عند أول استقرار ، وأول راتب ، وأول استقلالية . وسوف يحتقر فرونسواز العاهر التي منحته جسدها دون عقد نكاح ، ودون ولي ، سوف ينتصر للعقيدة رغم أنه ارتقى أول مرتقا على صهوة الإنسانية .

  • سولوه
    السبت 28 نونبر 2020 - 11:36

    اود ان اذكر لفوركاد التي عاشت في الراشدية .وادت خدمات للمغاربة وتعلم اجيال كثير فن التمريض واتذكر خاصة مولاي عثمان الذي كان يتقن كثيرا فن التمريض.وماتت ودفنت في اقليم ا لراشدية .وهي في الاصل فرنسية ولفوركادين معروفين.

  • شيزوفرينيا المتسول .
    السبت 28 نونبر 2020 - 14:18

    لي تجربة مع هذه النوعية من البشر فقد كان فقيرا معدما لايجد كفاف يومه وبعد أن هاجر في قوارب الموت وبعد أن عاش هناك ثمان سنوات وبعد أن سوى وضعيته عاد إلى حيه ومع صباح اليوم الموالي شاهد فوجا من السياح يتمشى في الطرقات فالتفت عن يمينه وبصق ونطق ببعض الكلمات وعندما استهجنت فعله أجابني انت لاتعرف هؤلاء انا الذين أعيش بينهم وليس انت انهم يخرجون نصف عراة ولايدينون العلاقات خارج منظومة الزواج ويمكن لشخص ذوو ميول مثلية أن يسير بلدية دون حياء فقلت له ولماذا لاتعود لماذا تعيش وسط هؤلاء القوم فسكت وغادر ولكنني كرهت حجوده فمن لايشكر الناس لايشكر الله .

  • مصطفى الرياحي
    السبت 28 نونبر 2020 - 19:42

    "لقد احتلنا الجهل قرونا قبل "ليوطي"؛ وغادر الماريشال وما غادرنا جهلنا؛ انه شهدُنا الذي نغري به."
    هنا مربط الفرس ودونه ثرثرة أدب وحشو
    "ليوطي" كان يقرأ ويقرأ التاريخ ويفهمه ونتسائل إن كان حل محله جينرال مثل بيجو ؟ ليوطي صنع لنا دولة كاملة الأركان احترم الإسلام وأصبح أسير قلبه (المغاربة والمغرب) وماذا فعل نحن قبل قرون ؟ لا شيء لازالت المحراث هي هي منذ البابليون الشكوة الحلاب والمنسج والرحى تدور وتشكي , تشكي على الشكوة

  • سنة الله في خلقه ...
    السبت 28 نونبر 2020 - 21:09

    …سنة التدافع البشري. " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض …".
    و التدافع البشري يخضع لموازين القوى واقوى القوى " العقل".
    والعقل يتطور ويتقوى بالبحث العلمي.
    والدليل ان البشرية كلها تنتظر نتائج البحث العلمي لمواجهة كورونا.
    اول سورة في القران الكريم " اقرا"
    و الحضارة الإسلامية قامت لترجمة كتب الحضارات السابقة في عهد المامون العباسي.
    ولقد كانت قرطبة و فاس قبلة طلاب المعرفة .
    ولما عم الجهل في امة اقرا وافل نجم المعارف فيها كان لا بد ان يسطع نجمها في ارض اخرى من ارض الله الواسعة.
    سبب مجيء اليوطي هو الانغلاق ورفض مصنوعات البحث العلمي من قطار وتلغراف كما ذكر صاحب الاستقصا ج 9 ص 162.

  • توضيح بسيط .
    الأحد 29 نونبر 2020 - 10:14

    سيد سنة الله في أرضه لايمكن لشعوب لاتمتلك حضارة في معاقلها أن تنشئ حضارات في دول الإستعمار حتى لو تمكنت من إخضاعها فما يسمى زورا بالحضارة الإسلامية في الأندلس ليس إلا سطوا على فن بلاد الإسبان عن طريق الأسلمة لأن الفن المعماري الاسباني ضارب في التاريخ بفضل عمال مهرة في الهندسة وفن الزخرفة . بينما وإلى الآن ونحن على أعتاب الألفية الثالثة لازالت جزيرة العرب تعتمد في بناء ابراجها العملاقة على خبرات المهندسين الغربيين والصينيي . وفوق السيف لاتصنع رغم أنه لم يعد كسابق عهده سلاح الجيوش .

  • aleph
    الأحد 29 نونبر 2020 - 12:46

    7 – توضيح بسيط

    أنا مقتنع أن في أوطاننا كل متمسح يدخل في دين الصليب لا يغير جلده الروحي فقط بل يغير حتى ولاءه فيصبح طابورا خامسا يصطف مع أعداء الوطن وأعداء الأمة.

    منذ نشأة الأمبراطورية العربية الإسلامية وحتى القرن 12 الميلادي، أي لمدة 5 قرون، كان المسلمون وحدهم من ينتج في حقول العلم والمعرفة. المفكرون والفلاسفة والعلماء في الفلك والرياضيات ووو، كانوا كلهم مسلمين.
    إن كنت تستطيع أن تجد من غير المسلمين من أنتج في حقول العلم والمعرفة فاذكر لنا آسماءهم وإناجازاتهم. هذا تحدي لك يا عبدالرحيم فتح الخير، ياصديقي المتمسح بالمسيحية الإنجيلية الصهيونية. ونحن في آنتظار ردك.

صوت وصورة
الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت
الإثنين 25 يناير 2021 - 10:31 14

الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت

صوت وصورة
تخريب سيارات بالدار البيضاء
الإثنين 25 يناير 2021 - 10:05 19

تخريب سيارات بالدار البيضاء

صوت وصورة
وصول لقاح أسترازينيكا
الإثنين 25 يناير 2021 - 00:52 13

وصول لقاح أسترازينيكا

صوت وصورة
ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور
الأحد 24 يناير 2021 - 16:20 12

ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور

صوت وصورة
انهيار منازل في مراكش
الأحد 24 يناير 2021 - 15:32 11

انهيار منازل في مراكش

صوت وصورة
آراء مغاربة في لقاح كورونا
السبت 23 يناير 2021 - 15:41 24

آراء مغاربة في لقاح كورونا