في رحيل حسن أوعاس

في رحيل حسن أوعاس
الخميس 15 أبريل 2021 - 00:23

في سفح جبل كوروكو، وعلى مرمى حجر من مدينة مليلية، رأى النور حسن أوعاس عام 1950. حسن أوعاس يوم 12 أبريل 2021 بمدينة الناظور. ووفاء للصداقة المتينة التي تربطنا منذ حوالي 45 سنة، أحاول اليوم أن أقاوم النسيان الذي سرعان ما يدبّ إلينا، بالمساهمة في بناء ذاكرة ظاهرها شخصي، لكنها في العمق تصب في ذاكرتنا الجماعية التي ينبغي أن نعتز بها وننحتها على صخر الكتابة، مقاومةً للنسيان.

حسن أوعاس ينتمي إلى جيل ما بعد الاستقلال، جيلي أنا وثلة من الأصدقاء الذين حاولنا، كسائر أبناء الشعب، شق الطريق بعناد وثبات، كل واحد حسب قدراته، وحسب إصراره، وحسب قناعاته. كثير منا استطاع في نهاية المطاف الوصول إلى بر الأمان، وبر الأمان هو الحصول على شهادة عليا تنتزعنا من مخالب الفقر وتمكننا من قهر الزمن.

غير أن لحسن أوعاس قصة مختلفة. هو أصلاً مختلف: في مرحلة طفولته وشبابه، كان خجولاً جداً، وهادئاً جداً، وطيباً جداً. خلافاً لغالبيتنا الذين كنا مشاغبين في أدق التفاصيل، في البيت كما في الشارع، كما في المدرسة. وبما أن مدرسة الحياة يمكن أن تدفع الإنسان إلى تعويض ما يمكن أن يكون نقصاً فيجعل منه نقطة مضيئة، فإن خجل حسن أوعاس كان منتجاً خلاّقاً: في سن 16، ومباشرة من السنة الرابعة ثانوي آنذاك، تقدم لاجتياز امتحانين: امتحان الانتقال إلى الفصل الخامس (أولى بكالوريا اليوم)، وامتحان شهادة البكالوريا حيث تقدم إليه كطالب حر. نجح في الإثنين معاً، وطبعاً، أحرق المراحل، ووجد نفسه في أكتوبر 1966 طالباً في السنة الأولى بالمعهد العالي للهندسة الصناعية (تخصص المواصلات اللاسلكية) بجامعة بوليتيكنيكا بمدريد، وهو ابن السادسة عشر.

وراء إصرار هذا المراهق الصغير رأسمال بشري رائع مكّنه من تحدي قهر الزمن. فهو، بحكم يتمه من أبيه وهو لا يزال صغيراً، لم يكن من الممكن له أن يغادر سفح جبل كوروكو ليتابع دراسته الثانوية بتطوان لولا الدعم اللامشروط الذي قدمته له أمه. فبينما كان المراهق الخجول ينهم بشراهة معارفه العلمية بمدينة تطوان، كانت أمه تذهب كل صباح وهي تحمل على ظهرها سلة مليئة بالبيض “البلدي” لتبيعه على الرصيف المقابل للسوق المركزي بمليلية، حيث إن نصف ما تحققه من أرباح تخصصه لإعالة أسرتها المكونة من ثلاثة بنات وهي، والنصف الآخر ترسله لابنها إلى تطوان، وإلى مدريد لاحقاً.

مرت خمس سنوات بسرعة في مدريد. وكالعادة، فاجأ الطالب الصغير ذي الأصول الريفية أساتذته وكل رفاقه في الجامعة. كان طالباً متميزاً جداً، الشيء الذي جعل إحدى كبريات شركات تكنولوجيا التواصل تتعاقد معه وتخصص له منحة دراسية شريطة أن يشتغل معها بعد تخرجه.

بعد تخرجه من الجامعة، بدأ حسن أوعاس يشتغل كمهندس مواصلات لاسلكية بالشركة التي تعاقدت معه، وفي غضون سنوات قليلة، استطاع أن يصبح من ضمن الفريق القيادي للشركة، بل، ونظراً لكونه مغربياً يعرف العربية (إضافة إلى الإسبانية والإنجليزية)، استطاع أن يضمن حضوراً متميزاً لشركته في كل من السعودية وليبيا والسودان والمغرب، هذا إضافة إلى حلوله التقنية المتميزة التي مكنته من نيل ثقة الشركة أكثر فأكثر.

عندما التقيته ذات مرة في ثمانينيات القرن الماضي، بدأ يحدثني عن ابتكاراته التقنية التي استطاعت بفضلها أن تحظى شركته بأسواق الشرق الأوسط، إذ قال لي: في مجال تكنولوجيا المواصلات اللاسلكية، إذا سمحت لي بترك التواضع جانباً، فأنا “لا يقدر عليّ أحد” !

وبالرغم من النجاح الباهر الذي حققه في إدارة مشاريع شركته في الشرق الأوسط، تقنياً ومادياً، وبالرغم من ضيق وقته، كان يقوم بالموازاة بإعداد دكتوراه في الفيزياء التي حصل عليها بميزة cum laude، وهي أعلى ميزة علمية تمنحها الجامعة، وولوجه جامعة بوليتكينيكا كأستاذ مشارك عندما تسمح له التزاماته المهنية الأخرى.

وكأي مغربي شغوف بوطنه ومحب له حتى النخاع، بمجرد حصوله على الدكتوراه في الفيزياء بدأ يفكر في الرجوع إلى المغرب والالتحاق بالجامعة، تاركاً وراءه كل الإغراءات المادية. بالفعل، عاد إلى المغرب وقدم طلباً للالتحاق بجامعة محمد الخامس بالرباط، لكن كم كانت صدمته كبيرة عندما تم قبوله كأستاذ مساعد وليس كبروفيسور، الشيء الذي اعتبره بمثابة إهانة وجعله يعود إلى مدريد والشروع في حياة جديدة ستقلب مساره المهني والشخصي إلى الأبد.

عاد من جديد إلى الشركة التي احتضنته منذ البداية واستطاع أن يحتل صدارة قيادتها ضمن قياديين ثلاثة. وخلال مدة غير يسيرة، استطاع، بفضل ابتكار حلوله التقنية المتميزة، أن يجعل الشركة تحظى بأسواق الشرق الأوسط وإفريقيا من جديد، غير أن حدة التنافس الدولي واندماج الشركة التي كان يشتغل فيها في شركة أخرى، جعلته يفكر في إنشاء شركة خاصة به حيث تمكن، بفضل كفاءاته المتميزة وثباته وإصراره والاعتكاف على العمل ليل نهار من أن يصبح مستثمراً ناجحاً ويحوّل نقمة اليتم والفقر إلى ثروة كبيرة جمعها لنفسه، وهنا أكاد أجزم بأنه الثري الوحيد الذي أعرفه قد بنى ثروته بالمعرفة والكفاءة التقنية والعمل اليومي الدؤوب وبعرق جبينه، دون الاضطرار إلى سلوك الطرق الملتوية لغالبية رجال الأعمال.

كل من يعرفه يجتمع على شيء واحد: حسن أوعاس شخصية عالمة وثرية، لكنه في نفس الوقت شخص متواضع جداً ومحب جداً لبلده وأصدقائه. علاقتي به لا تعدو أن تكون علاقة صداقة، خصوصاً وأن السبل تفرقت بنا، وأن همومنا كانت مختلفة للغاية. علاقتنا كانت مبنية على الاحترام التام المتبادل، بدون مقابل ولا تبادل مصالح، وكلما التقينا كنا نتحدث عن أمور بدأنا نناقشها ونحن في المرحلة الثانوية: مصير ومسار لغة أمهاتنا وثقافتنا الأصلية الأمازيغية، حيث كانت له في البداية مساهمات. قد نختلف في كثير من الأمور، قد يغير الزمن مساراتنا، لكن الصداقة التي ننسجها ونحن مراهقين وشباباً تبقى راسخة وتبقى دائماً فوق كل اعتبار. وبالنسبة لي، يبقى حسن أوعاس دائماً نموذجا حياً للقدرة الهائلة التي تكمن فينا، نحن أطفال الهامش، في تحويل فقرنا المادي إلى رأسمال معرفي متميز، وفي بعض الحالات، إلى ثروة مادية كما هو الحال بالنسبة لصديقي.

حسن أوعاس كان مهندساً خبيراً دولياً في تكنولوجيا التواصل اللاسلكي، وكان عالماً فيزيائياً متميزاً، وهو فوق كل هذا وذاك، كان من كفاءات “مغاربة العالم” النادرة، لكن لا أحد في بلده قد التفت إليه. وبالرغم من استقراره الطويل في مدريد، أبت الصدف إلا أن يحقق أمنية غالية على كل مغربي، وكل ريفي بالخصوص، ألا وهي أن يدفن في بلدته، في سفح جبل كوروكو، رغم أن هذه الأمنية تكاد تكون من المستحيل في زمن الجائحة التي أصبحنا نعيشها اليوم.

جبل كوروكو حسن أوعاس مغاربة العالم مهندس

‫تعليقات الزوار

6
  • إلياس
    الخميس 15 أبريل 2021 - 15:11

    اللهم اغفر له وارحمه واسكنه فسيح جناتك يارب العالمين. لقد كان إنسانا شهما محبا للخير و مساعدة الضعفاء و الأيتام خصوصا في مسارهم الدراسي. اللهم اجعلها له صدقة جارية و مغفرة ورحمة من عندك يارب.

  • امسبريذ
    الخميس 15 أبريل 2021 - 17:10

    ذكر جميل. هكذا تبنى الذاكرات وترسخ القيم فلا تهيمن التفاهة ويسود الابتذال ويغدو كل شيء مساويا لكل شيء.

  • Amaghrabi
    الخميس 15 أبريل 2021 - 17:25

    الاستاذ مرزوق الورياشي رجل عظيم ومثقف مغربي من الطراز الرفيع وغني عن التعريف وحضرت لمحاضراته في مدينة الناظور وانا شاب واعطى قيمة للعمل الجمعوي والثقافي بعدما كان الناظوريون مهتمين بالشأن السياسي على حساب الشأن الثقافي واللغوي واعتقد ان الاستاذ مرزوق المحترم ذهب ضحية معاكسته للشأن السياسي الذي كان مبالغا فيه مما جعله يغادر جمعية الانطلاقة الثقافية التي تركت بصمة مشرقة ووعي حقيقي في المسار الجمعوي وبالتالي فكلامه عن المهندس اوعاس حسن الناجح في ميدانه والذي انطلق من بيت فقير بحيث كانت امه رحمها الله امرأة فقيرة كافحت من اجل اولادها وكنت اسمع عنها بعد نجاح ابنها وبعد زواجه من بنت احد اقربائي رغم انني لم يحصل لي الشرف ان التقي به وانا شاب وهو مهندس يجول بين ليبيا واسبانيا والمغرب,فالحمد لله الاستاذ مرزوق العارف بخبايا هذا المغربي الناجح والذي ذكرنا به ليكون قدوة لشبابنا وتذكيرا لدولتنا التي لم تعر له بالا لتستفيد من خذماته ونجاحاته في ميدان الذي هو مهم لدولتنا وشعبنا وشكرا للاستاذ الورياشي مرزوق وانا اعتبره اكبر مثقف ناظوري في الناظور وحتى في المغرب

  • لبيض
    الجمعة 16 أبريل 2021 - 00:49

    نعيك لصديقك ينم عن كثير من الحب والصداقة العميقة، أنت أيضا أستاذ عمل بنزاهة وإخلاص طيلة مساره الأكاديمي، كم أحبك أستاذي الورياشي وأتمنى لك طول العمر والصحة

  • عبد الله أمغار
    الإثنين 19 أبريل 2021 - 12:59

    رحم الله الفقيد. بخصوص الجامعات العمومية في المغرب، مع الأسف أنظمتها لا تسمح بتوظيف أي أستاذ جديد إلا في مرتبة أستاذ مساعد و هذا من العوامل التي لا تسمح للمغاربة في الخارج من ولوج الجامعات العمومية إذا كانوا قد قضوا سنين في العمل الجامعي و ترقوا إلى رتبة مشارك أو أستاذ. كنا نتمنى من الدكتور أوعويشة معالجة هذه القضية غير أن هذا لم يحدث لحد الآن.

  • حماد الدرموح
    الجمعة 23 أبريل 2021 - 17:30

    رحم الله حسن وعاس . اول عملي بعد الاجازة في الفيزياء كان في الشريكة التي اسسها المرحوم بالرباط. كان رحمه الله رجلا متواضعا وخلوقا.

صوت وصورة
وقفة تضامنية مع القدس
الإثنين 10 ماي 2021 - 20:49 29

وقفة تضامنية مع القدس

صوت وصورة
جائزة تميز الدورة السادسة
الإثنين 10 ماي 2021 - 19:31

جائزة تميز الدورة السادسة

رمضان1442
أساطير أكل الشارع: سناك موكادور
الإثنين 10 ماي 2021 - 19:00 2

أساطير أكل الشارع: سناك موكادور

صوت وصورة
اعتصام عائلات الريسوني والراضي
الإثنين 10 ماي 2021 - 18:30 3

اعتصام عائلات الريسوني والراضي

صوت وصورة
خلفيات اعتقال الصحفي بوطعام
الإثنين 10 ماي 2021 - 15:03

خلفيات اعتقال الصحفي بوطعام

صوت وصورة
منابع الإيمان: ليلة القدر
الإثنين 10 ماي 2021 - 14:00 4

منابع الإيمان: ليلة القدر