في مآزق الاقتصاد الإسلامي

في مآزق الاقتصاد الإسلامي
الإثنين 20 ماي 2013 - 20:51

قراءة في كتاب الإسلام والثراء الفاحش

تم مطلع هذه السنة ترجمة إلى اللغة العربية لكتاب من الأهمية بمكان، وتتمثل في الظرفية التي يعيشها العالم العربي والمتسمة بصعود تيار الإسلامي السياسي إلى سدة الحكم والتسيير في بعض الدول (المغرب، تونس، مصر)، وقبله عودة خطاب الحديث عن الاقتصاد الإسلامي إلى الواجهة منذ الأزمة الاقتصادية العالمية. هذا دون إغفال أصل وتكوين وسيرة مؤلف الكتاب، ما يجعل مقولة “أهل مكة أدرى بشعابه” تنطبق والحالة هذه.

يحمل الكتاب عنوان “الإسلام والثراء الفاحش– مأزق الاقتصاد الإسلامي”، الصادر عن دار الأهلية، والذي تمت ترجمته من قبل فريق منبر الحرية، مع مراجعة وتدقيق الخبير الاقتصادي المغربي نوح الهرموزي. نشر الكتاب في الأصل بالإنجليزية سنة 2004 تحت عنوان”Islam and Mammon: The Economic Predicaments of Islamism” للاقتصادي التركي تيمور كوران، الذي يشتغل أستاذا للاقتصاد بجامعة ديوك بالولايات المتحدة الأمريكية.

تمكن كوران في مؤلفه من تقديم قراءة لموضوع قديم جديد، خرجت عن الثنائية التي درجت عليها الأبحاث – المناصرة أو المعارضة- حول الموضوع؛ ألا وهي ثنائية الاقتصادي والديني إلى مقاربة تداخلية للتخصصات اعتمد فيها على الاقتصاد والفكر الديني والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم السياسية والمصرفية… وجاء الكتاب في ستة فصول متداخلة فيما بينها، يصل فيها السابق اللاحق في محاولة تأسيسة من هذا الخبير الاقتصادي التركي لأطروحته.

إن مقالة من هذا النوع تنأى عن تقديم قراءة في كل مضامين هذا الكتاب، بيد أن هذا لن يحول دون التوقف عند كل فصل على حدى، لطرح الخطوط العريضة لما يقدمه من أفكار.

خص الباحث أولى فصول الكتاب بعنوان “التأثير الاقتصادي للأصولية الإسلامية” للبحث في جينالوجيا الاقتصاد الإسلامي، أي النبش في الأساطير المؤسسة لهذا “التخصص”. وذلك بالتأكيد على أنه هذا المفهوم كتخصص مستقل بذاته هو مفهوم جديد، ويستدل على ذلك قائلا: “إن الفلاسفة العظام الذين عاشوا في العصور الإسلامية الوسطى، جالوا بحرية خارج القيود الفكرية للنصوص الإسلامية، ولم ينشأ عن أي عمل لهم تخصص اقتصادي مستقل (ولا حتى المقدمة الشهيرة لابن خلدون)”.

يُرجع كوران التأسيس للاقتصاد الإسلامي إلى كتابات الباكستاني أبي الأعلى المودودي، وما تلاها من أعمال كل من سيد قطب ومحمد باقر الصدر.

وذلك على أساس مزدوج يقوم على بداية انحصار فعالية النظام السائد من جهة، وتفوق النظام الاقتصادي الإسلامي في بداياته (مجتمع المدينة) على باقي الأنظمة من جهة ثانية. هذا الأساس ما تولى الكاتب دراسته بالنقد والتحليل اعتمادا على أبحاثه وأبحاث اقتصاديين متخصصين مثل ولي رضا نصر.

وفي نفس السياق يشير الكاتب إلى ملاحظة جوهرية مفادها أن العمل المصرفي الإسلامي هو ابتكار حديث للغاية؛ فلا الحضارة الإسلامية الكلاسيكية ولا القروسطية قد شهدت وجود مصارف بالمعنى الحديث للكلمة، فكيف يمكننا بالأحرى الحديث عن “مصارف إسلامية”. فالتشريع الإسلامي الكلاسيكي قد وضع قواعد مفصلة لتنظيم التعاملات المالية بين الأفراد، لا ترقى إلى مستوى تقديم رؤية متكاملة كبديل اقتصادي.

ومن نافلة القول الإشادة بأن تحليلات كوران للاقتصاد الإسلامي لم تتوقف عند حدود تحريم الفائدة – كأبرز فكرة يطرحها أنصار هذا الاقتصاد -، بل تعدى ذلك إلى تحليل كافة أدوات إعادة التوزيع داخل دائرة التشريع الإسلامي؛ مثل القوانين المنظمة للإرث ونظام الزكاة وآلية الوقف.

أما في الفصل الثاني فقد سعى الباحث طيَّهُ إلى تفصيل وتوضيح بعض الأفكار التي طرحها في الأول، وتدعيمها بأمثلة من الواقع العملي، مع إثارة أسئلة تجعل فكرة الاقتصاد الإسلامي في فقص الاتهام، بل والعجز أحيانا عن تقديم أجوبة لإشكالات دقيقة في علم الاقتصاد.

جاء الفصل الثالث بطابع سجالي تحت عنوان “الأصولية الإسلامية والاقتصاد: مقترحات من أجل مجتمع حر” لكشف أثر القواعد المؤطرة للاقتصاد الإسلامي على الحرية والمبادرة الفردية التي تعد عصب الحياة في الاقتصاد. إذ بإصباغ الطابع الديني على الممارسات الاقتصادية، تتحول من نطاق اليومي العادي إلى إضفاء طابع التقديس عليها.

لم يكن سؤال نشأة الاقتصاد الإسلامي ليمر دون إيلائه ما يستحق من بحث وتحليل، ما جعل الكاتب يعود إليه في الفصل الرابع الذي توقف فيه عند الدوافع وراء هذا التأسيس. وفي سبيل ذلك قام الباحث بجولة سريعة على مختلف العصور- الأوج أو الأفول- التي مرت منها “الدولة الإسلامية”، ليخلص إلى حقيقة مفادها أن الاقتصاد الإسلامي جاء كرد فعل على سؤال الهوية الذي كان يواجه المسلمين في القارة الأسيوية.

وعن ذلك يؤكد في خاتمة هذا الفصل على أن: “الاقتصاد الإسلامي ظل حتى اليوم منشغلا بتعريف الهوية الإسلامية الحديثة. لذلك ليس بوسع المرء أن يفهم الفكر الإسلامي المعاصر فيما يتعلق بالاقتصاد، دون الانتباه إلى أصول الاقتصاد الإسلامي قبل نصف قرن من الزمان. فقد كان الحافز الرئيسي لبروز الاقتصاد الإسلامي هو إدراك المودودي وأصحابه الهنود بأن المجتمع الهندي المسلم أخذ يفقد هويته”.

أما الفصلين المتبقيين من الكتاب وهما على التوالي؛ “مفهوم العدالة الاقتصادية في الفكر الإسلامي المعاصر” و”الإسلام والتخلف: عودة إلى لغز قديم”، فهما محاولة للكشف عن الغموض والضبابية التي تلف الاقتصاد الإسلامي، الشيء الذي يساهم في تبيان الكثير من تناقضاته. ومن هذه الأخيرة – أي التناقضات – الحرص على توظيف مؤسسات وممارسات متجذرة في التاريخ والأصالة لحل مشاكل وأزمات العصر الحديث، وهو ما يثير سلسلة من الألغاز التاريخية على حد تعبير تيمور كوران.

تكشف هذه القراءة السريعة لمختلف فصول الكتاب عن غير ما قليل من الأسئلة والعديد من الإشكالات، التي يفرض المقام على أنصار “الاقتصاد الإسلامي” تقديم جواب عنها. ونعرضها بتركيز شديد؛ إذ تفصيل كل واحدة على حدى يحتاج إلى مقالة مستقلة.

– إن الاقتصاد الإسلامي- مبدأ وممارسة – أقل شمولية مما يعتقد مؤيدوه، فتطبيقه الفعلي يقتصر بشكل أساسي على العمل المصرفي وإعادة توزيع الثروة (الإرث والزكاة).

– لقد فشل الاقتصاد الإسلامي في توفير منهج تحليلي عملي وهو نظري في مجمله، وكل المحاولات التي قدمت لرفده بالآليات التحليلية، ما تنفك تفقد الكثير من طابعها الإسلامي.

– لا يوفر الاقتصاد الإسلامي إطارا شاملا لاقتصاد عصري، فكل ما يطرحه لا يعدو أن يكون سوى رزمة من سياسات مترابطة بطريقة فضفاضة، وليس مخططا لإصلاح شامل.

– يعتمد شيعة هذا الاقتصاد دعما لمواقفهم على الكثير من الاقتباسات المنتقاة من الكتاب والسنة، ما يجعل الباب مفتوحا على مصراعيه أمام مسوغات إسلامية لطائفة واسعة من السياسات غير المتجانسة فيما بينها.

إنها بعض مما يثار من استفهامات أمام دعاة الاقتصاد الإسلامي الذي لم يتوانى تيمور كوران على وَصمِه بأنه “عودة إلى الماضي البعيد بقدر ما هو محاولة لتبني الحداثة، فهو يعمل لتحقيق أهداف اقتصادية معاصرة من خلال مؤسسات متجذرة في التاريخ الإسلامي”.

ملحوظة : لتحميل الكتاب http://fr.scribd.com/doc/141398787/Islam-and-Mammon-pdf

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*باحث من المغرب

[email protected]

‫تعليقات الزوار

5
  • DARIJAOUI
    الإثنين 20 ماي 2013 - 23:56

    السباب علاش بزاف ديال الناس كيهدرو على الاقتصاد الإسلامي هو باللي خصهم يجربو شي حاجة جديدة على الله تزدق، نساو باللي هاد الاقتصاد ماشي جديد وباللي كتر من ١٣٠٠ عام وهو مطبق، وخا هكاك المسلمين كانو ديما عاشين فالجوع و الميزيرية، وماشافو نهار بيض حتى فرضو عليهم الكفار الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية ديالهم.

    واحد الحاجة اللي مهمة وهدر عليها الكتاب ومدكرتيهاش،لأستاد ديالنا، هو النظام ديال الحبوس، اللي كيخلى بزاف ديال الأملاك يبقاو جادمدين و ميدخلوش فالدورة الاقتصادية.

  • Amdiaz
    الثلاثاء 21 ماي 2013 - 01:16

    دون تكنولوجيا و ثقافة علمية جادة ، مبدعة و مفتوحة تنعشها، لن يكون هناك منتوج يباع و لا خدمة تسوق.

    فهل هناك تكنولوجيا إسلامية؟ …أو بتعبير أدق: هل هناك تكنولوجية عند المسلمين….و لا غير الصداع و التخرميز؟!

    الثروة و القيمة لازم أن يخلقا أولا قبل الحديث عن كيفية استهلاكها و توزيعها.

    إذا نظرنا إلى نظريات "الاسلاميين" المعاصرين حول الاقتصاد فهي تبدأ بالأستهلاك و كيفية التوزيع لا من التصنيع و الابداع و هذا ناتج عن تأثرهم بالفكر الشيوعي.

    ناس مثل سيد قطب و باقر الصدر و الخميني كانوا منشغلين بخلق إشتراكية إسلامية و لكن في مجتمع ما قبل العصر الصناعي لا وجود فيه لطبقة عاملة متمدينة بل لطبقة فلاحية قروية في طريقها إلى الانقراض. مشروع فشل لان الاقتصاد كائن عضوي ينصع فقط لقوانين الطبيعة كالنباتات و دور الأنسان فيه كدور الفلاح ، ما عليه سوى الكدح و الرجاء.

    أما ما نراه ألان فهو إسلام يميني يتلاعب به الاقطاعيون الراسماليون في شكل شيوخ البترول و سماسرة الاستعمار . الاسلام ألان أصبح نفسه بضاعة تسوق و ماركة تجارية لتحليل الحرام و تحريم الحلال طبقا لنزوات السوق.

  • sebbar
    الثلاثاء 21 ماي 2013 - 10:13

    ليست هناك أزمة الإقتصاد الإسلامي بمعزل عن الإقتصاد الرأسمالي المعولم، لأن الإقتصاد الإسلامي في الواقع هو نفسه الإقتصاد الرأسمالي المعولم، والدول التي تطبق أو تسعى إلى تطبيق هذا الإقتصاد لا تعيش في جزر إقتصادية منعزلة.
    لو درست القرآن فلن تجد أبدا نظرية في الإقتصاد السياسي،لكنك ستجد دعوة إلى التكافل الإجتماعي،عن طريق الزكاة والصدقة وهي عبادة وركن من أركان الدين أولا:(خذ من أموالهم صدقة تُطهرهم وتُزكِّهم بها)،وستجد ثانيا دعوة إلى عدم أكل أموال الناس بينهم بالباطل،أي بالغش والإستغلال:(ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)،الربا الذي كان يؤكل أضعافا مضاعفة مؤديا إلى الخراب والظلم(لا تأكلوا الربا أضفافا مضاعفة)يدخل في هذا الباب،ولذلك قال القرآن(فإن تُبْتُم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون).
    هذا باختصار كل ما جاء في القرآن.
    لذلك فالإقتصاد الإسلامي ليس وحيا وأنما هوإجتهاد؛إنه مجرد محاولات لتصحيح بعض مظالم الإقتصاد الليبرالي في مجالي الإقتراض(المشاركة في الربح والخسارة)،وفي مجال التوزيع(صناديق الزكاة والتكافل الإجتماعي)،وهذا في اعتقادي لا يخرجه عن دائرة الإقتصاد الليبرالي بنفحة إجتماعية.

  • أحمد القدوسي
    الثلاثاء 21 ماي 2013 - 17:05

    لا يجادل في قدرة الاقتصاد الإسلامي على إسعاد البشرية إلا أحد اثنين:
    إما مكابر يعرف الحق ولا يعترف به
    أو جاهل به (ومن جهل شيئا عاداه)
    لقد كتب في الاقتصاد الإسلامي وتطبيقاته كثير من العلماء والباحثين قديما وحديثا وعاشت الأمة الإسلامية خلال سنين وقرون من حضارتها في النمو والأوج عطاء اقتصاديا إلى جانب الإشعاع السياسي والثقافي والعلمي الذي يشهد له الغير قبل أهل الدار. وهؤلاء ثلة ممن ساهموا في هذا العطاء:
    طارق الله خان
    محمد عبدالحليم عمر
    عبد الحميد الغزالي
    صالح عبد الله كامل
    عبدالله بن بيه ….

  • bnadam
    الثلاثاء 21 ماي 2013 - 21:18

    salam
    first of all, it is wrong to pretend that the islam does not provide a sound background for economic prosperity or to assume that islam may creates income inequality. the problems in many arabic countries is the inability of the government to collect tax and hence to generate enough income so that the state can operate without recourse to debt financing.and because of the privitization, the state has limited sources of income and therefore our government can . not offer the desired performance- our system is weak, we are corrupt. our biggest problems are the impact of colonisation, corruption, weak infrastructure, weak economic and legal framework. our religion provides us with the best of the best conditions to grow, it is the invisible system of governance,it is god, god watches you whereever you are, this is the best regulation. we do not need lessons in microeconomic or macroeconomics to understand our failure, we just need to understand why we are so corrupt.

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29 12

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير

صوت وصورة
دار الأمومة بإملشيل
الجمعة 22 يناير 2021 - 18:11 3

دار الأمومة بإملشيل

صوت وصورة
غياب النقل المدرسي
الجمعة 22 يناير 2021 - 14:11 1

غياب النقل المدرسي

صوت وصورة
متحف الحيوانات بالرباط
الجمعة 22 يناير 2021 - 13:20 3

متحف الحيوانات بالرباط

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 3

صبر وكفاح المرأة القروية

صوت وصورة
اعتصام عاملات مطرودات
الخميس 21 يناير 2021 - 19:40 4

اعتصام عاملات مطرودات