في مفهوم المجتمع

في مفهوم  المجتمع
الخميس 27 فبراير 2014 - 18:36

مفاهيم سياسية للنقاش والنظر(7)

تصدير:

ما هو المجتمع؟ هل هو مجرد تجمع بشري في مكان ولحظة معينين؟ وما هي العناصر التأسيسية لوجود مجتمع؟، وهل هذه العناصر التأسيسية تمنعه من استيعاب التحولات المحيطة به في كل المجالات؟

ثمة في تقدرينا حاجة إلى تجلية مفهوم المجتمع لاعتبارين اثنين يمكن إجمالهما في التالي:

1. اعتبار النقاش الدائر باستمرار حول الهوية الجامعة للمجتمع، وهذا النقاش قد يتخذ صبغة ضمنية بالإحالة إلى مطالب إعادة الاعتبار لإثنية أو للغة معينتين، وقد يكون صريحا بالحديث عن أصول هذا المجتمع العرقية والإثنية واللغوية؛

2. اعتبار ضرورة إيجاد مرجعية لهذا النقاش، وهذه المرجعية تقتضي التواضع على العناصر التأسيسية لوجود أي مجتمع، وذلك تفاديا للاستغراق في هذا النقاش الضمني الذي يتيه في التفاصيل المبنية على ردود الأقوال والأفعال.

سنحاول تناول مفهوم المجتمع من خلال زوايا ثلاث:

أولها: زاوية المفهوم؛

ثانيها: زاوية العناصر التأسيسية لوجود المجتمع؛

ثالثها: زاوية المتغير في مفهوم المجتمع.

أولا: في المفهوم:

وجبت الإشارة بدءا أن مفهوم المجتمع مرتبط أساس بخاصية التقاسم المتبادل لدى أفراده وجماعاته لمجموعة من العلاقات والقيم والمصالح والحاجيات والكفاءات والقدرات والمواهب من شتى الأنواع والمجالات فيما بينهم، ذلك أن هذه الخاصية هي لازمة له على اعتبار أن أي اجتماع بشري سواء كان لحظيا أو ممتدا عبر الزمن بحاجة مستمرة لها لانعقاده.
وعلى أساس هذه الخاصية الفريدة، يمكن اعتبار المجتمع بمثابة ذلك الاجتماع البشري الممتد عبر الزمن تاريخا وحاضرا ومستقبلا، والمتكون من الأفراد والجماعات التي تجمعهم خاصية التقاسم المتبادل للعلاقات والقيم والمصالح والحاجيات والكفاءات والمواهب من شتى الأنواع والمجالات، وتحكمهم أنساق تاريخية وثقافية وجغرافية وإثنية ولغوية وعرفية حصل بينها تاريخيا تناغم كان أساسا لتميز هذا المجتمع على مستوى هويته الجامعة على باقي المجتمعات الأخرى، المتميزة أيضا بهويات مختلفة عنه ومتناغمة من حيث أنساقها التاريخية والثقافية والجغرافية والإثنية واللغوية والعرفية.

ثانيا: في العناصر التأسيسية لوجود مجتمع

بناء على مفهوم المجتمع الذي صدرناه، يتبين أنه ثمة عناصر تأسيسية لكي ينعقد وجود مجتمع بالفعل، وهذه العناصر يمكن إجمالها في التالي:

عنصر التاريخ:

إن وجود المجتمع لم يأت من فراغ بل هو نتيجة لمسار زمني تاريخي تعاقبت فيه الوقائع وتراكمت عبره الأفكار والسلوكات والطبائع والعقائد، فأثرت في تشكله وفي صياغة شخصيته العامة، ذلك أن الفصل في حلقة الزمن بين الماضي والحاضر والمستقبل هو فصل منهجي نتوخى منه فقط موقعة الموضوع فيه، فالتاريخ هو عبارة عن حلقات متواصلة يؤثر بعضها على البعض الآخر فيؤثر ماضيها على حاضرها وحاضرها على مستقبلها، وبالتالي لا يمكن تصور وجود مجتمع بدون تاريخ له يضرب أطنابه في الماضي ويكون له تأثير موضوعي على حاضره، وتسهم وقائعه في بناء الطبائع الفكرية والعقائدية والسلوكية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية التي تتسم بها شخصيته العامة، وتتميز بها عن غيره هويته الجامعة.

عنصر القيم:

يتميز المجتمع بنظام القيم التي تحكم علاقاته البينية ومع المجتمعات الأخرى، ونقصد بنظام القيم المحددات المعيارية التي توجه السلوك الفردي والمجتمعي على مستوى التواضع على معايير القبح والجمال، الخير والشر، الحق والباطل، العدل والظلم، …، وهذا النظام القيمي هو محور تميز المجتمع في هويته الجامعة على باقي المجتمعات الأخرى، وهو نتاج استقرار المجتمع على مرجعية معيارية واعتقاديه عليا أسست لهذا النظام القيمي بناء على نظرة عامة للوجود والحياة والإنسان والغاية من هذا الوجود.

عنصر الهويات الخاصة

إن وجود مرجعية معيارية وعقائدية عليا لا تلغي تواجد هويات عقائدية خاصة وهي بقدر خصوصياتها، بقدر اندماجها في النظام القيمي العام الذي يحكم العلاقات العامة بناء على المعايير العامة التي استقر عليها المجتمع تاريخيا، واعتبار هذه الهويات الخاصة عنصر تأسيسي لوجود مجتمع يعني أن وجوده-أي المجتمع- ينتفي بغيابها أو تغييبها أو إلغائها أو تهميشها، ونقصد بالهويات الخاصة تلك الطقوس والتقاليد والأعراف والعقائد خاصة التي تتميز بعض الجماعات البشرية المشكلة لهذا المجتمع، والتي لا تمنعها من الاندماج بالنظام القيمي العام والقبول به على مستوى علاقاتها العامة، أما إذا أضحت تنازع في النظام القيمي العام فإنها تتحول من عنصر تأسيسي إلى عنصر يلغي ذاته بذاته تلقائيا.

عنصر التجديد والاستيعاب

إن وجود مجتمع هو حصيلة تراكم وقائع وتوارث طبائع وعادات وأفكار وعقائد عامة، وبالتالي فحاضر المجتمع يتأثر بماضيه ويؤثر في مستقبله، ولكي يحصل هذا التفاعل البناء بين الماضي والحاضر والمستقبل، كان لعنصر الاستيعاب والتجديد مكانة تأسيسية أيضا في تشكل المجتمع وفي وجوده، فالاستيعاب يعني الانفتاح على متغيرات محيط المجتمع، والقدرة على مسايرتها بالاستفادة من كل ما ينفع تطوير أداء المجتمع في تواصله مع محيطه والنهل من الخبرة الإنسانية عموما في مجالات التنظيم والسياسة والعلم والاقتصاد، دون أن يؤثر في العناصر التأسيسية التي هي محور تميزه في شخصيته العامة، والتجديد يعني نفض الغبار عن كل ما قد يكون دخيلا على هذه العناصر التأسيسية قصد تنقيته منها وهذا الدخيل قد يكون موروثا تقليديا خاصا، أو قيما غريبة أجنبية وشاذة عن النظام القيمي العام، أو نزعة محافظة تحرص على رفض كل استيعاب للمتغيرات والتحولات، فالتجديد إذن هو العمل المستمر على إبقاء العناصر التأسيسية هي المحددة للشخصية العامة للمجتمع.

عنصر المنظومة اللغوية

ونقصد بالمنظومة اللغوية، ذلك النظام اللغوي التداولي الذي به يتواصل أفراد هذا المجتمع وجماعاته، وهذه المنظومة اللغوية قد تضم لغات متعددة تتسم بصفتين موضوعيتين أساسيتين وصفة ذاتية:

أما الصفتان الموضوعيتين فنجملهما في التالي:

1. صفة التداول العام، بحيث يستطيع عامة أفراد المجتمع وجماعاته أو أغلبيتهما الساحقة أن يتواصلوا بها؛

2. صفة البناء اللغوي المتين، بحيث تمتلك مقومات اللغة من حيث القواعد اللغوية العامة المبنية عليها (النحو والصرف…)؛

وأما الصفة الذاتية فنقصد بها أن تكون هذه اللغة معبرة عن قيم وسلوكات وأعراف وطبائع المجتمع، ذلك أننا لا يمكن في تقديرنا فصل لغة قوم عن قيمهم وسلوكاتهم وأعرافهم وأخلاقياتهم، فهي تعبر عن مفاهيم أصيلة لمجتمع معين، وعن قيم متجدرة في هذا المجتمع، ولها القدرة على الإبداع الاصطلاحي والمفاهيمي الذاتي أو استيعاب مصطلحات ضمن منظومتها دون أن يضر ذلك بالنظام القيمي والمفاهيمي العام للمجتمع.

على سبيل الختم

لقد حاولنا أن نبسط على وجه الإجمال مفهوم المجتمع، واعتبرناه بمثابة ذلك الاجتماع البشري الممتد عبر الزمن تاريخا وحاضرا ومستقبلا، والمتكون من الأفراد والجماعات التي تجمعهم خاصية التقاسم المتبادل للعلاقات والقيم والمصالح والحاجيات والكفاءات والمواهب من شتى الأنواع والمجالات، وتحكمهم أنساق تاريخية وثقافية وجغرافية وإثنية ولغوية وعرفية حصل بينها تاريخيا تناغم كان أساسا لتميز هذا المجتمع على مستوى هويته الجامعة على باقي المجتمعات الأخرى، المتميزة أيضا بهويات مختلفة عنه ومتناغمة من حيث أنساقها التاريخية والثقافية والجغرافية والإثنية واللغوية والعرفية، وبغية التقاط ما يجعله متميزا من حيث شخصيته العامة وهويته الجامعة، عملنا على تعداد أهم العناصر التأسيسية له والمتمثلة في عناصر التاريخ، والقيم، والهويات الخاصة و المنظومة اللغوية ثم التجديد والاستيعاب.

[email protected]
https://www.facebook.com/pages/Ansari-ahmed/323040671092394

‫تعليقات الزوار

3
  • محند
    الخميس 27 فبراير 2014 - 20:28

    شكرا لكاتب المقال الواضح. ولاجل فهم الظواهر والنظم والعلاقات الاجتماعية يجب علينا كما فعل ابن خلدون واوجوست كونت ان نعتمد على علم الاجتماع. وعلم الاجتماع او كما سماه مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون "علم العمران البشري" يدرس الظواهر والنظم والعلاقات الاجتماعية دراسة علمية وصفية تحليلية باتباع مناهج البحث العلمي للوصول الى القوانين الاجتماعية التي تحكم سير هذه النظم والظواهر والعلاقات الاجتماعية. وما هي الظاهرة مثلا? هي واقعة او حادثة لها صفة التكرار والعمومية ولها صفة الانتشار في المجتمع والظاهرة قد تكون سوية/ الامشكلة وغير سوية/المشكلة. ومن بين ظواهر المجتمع الزواج والطلاق والبطالة وفايس بوك واللباس والتدخين والشعوذة والتسول والدعارة والعنف والارهاب والتعاون والتكافل والفقر والامية والرشوة والادمان والفساد والاستبداد والعزوف السياسي والسياحة الجبلية. الظواهر الاجتماعية تنشئء عند الافراد والجماعة عن طريق الفكر والوجدان والتطبيق والتفاعل بين افراد المجتمع. هناك ظواهر اجتماعية انقرضت ونشءت ظواهر اجتماعية جديدة. مثلا من كان يتصور ظهور النيت?

  • تعلم الامازيغية
    الخميس 27 فبراير 2014 - 22:27

    ا لسؤال :لماذا ياتي عربي الى الامازيغ للحوار فهم مظطرون استعمال ا لدارجة?لماذا لم يكن هو مظطر استعمال الامازيغية?

    يجب على الامازيغ عدم الاجابة بالدارجة ولو كلفتهم السكوت وعدم الاحترام

    ومن ذالك سيضطر العربان تعلم الامازيغية لغات الاصل

    المجتمع هو ان ينصهر الوافدون في ثقافة الاصليون

  • Saidamraoui
    السبت 1 مارس 2014 - 18:39

    شكرا للسيد بوعشرين على اتارة هذا الموضوع الهام؟ واريد ان اضيف, بان المجتمع, الذي هو وعاء تجتمع فيه مختلف الافراد والاعراق, والاسر والجماعات والعشائر والقبائل التي تنصهر كلها في تكثل اجتماعي او مجتمعي؟ داخل جغرافية ما تسمى الوطن؟ لكن المهم هو ان يعرف كل افراد المجتمع, ان البشرية عرفت عدة تجمعات كما ذكرنا اعلاه؟ فالمجتمع كمكون جامع لكل الافراد والاسر,والعوائل,, رغم اختلاف اللغات والاعراق والديانات والتقاليد والاعراف والطقوس والعادات؟ يستوجب تعاقدات اجتماعية,قانونية وحقوقية, لحماية الافراد والجماعات؟ لذلك وجد الدستور والقوانين المتفرعة عنه؟ لضمان الحقوق والحريات الفردية والجماعية؟ونشا الامن والقضاء,والحكومة المفوضة من ممثلين الشعب (البرلمان) للسهرعلى تحقيق حاجيات المواطنين السياسية,والاقتصادية,والاجتماعية,وغيرها من المطالب, دون فوضى او تسلط, ولكن عبر قوانين متعارف عليها,لضمان التقدم والنظام العام وسيادة القانون على الجميع,وقضاء نزيه ومستقل؟ يتطور ومقتضيات الوعي والنمو لافراد الشعب الذي يراقب عمل الحكومة ونجاحها في اصلاح المفاسد وتحقيق مطالبه من تعليم وصحة وسكن وبنيات تحتية وغيرها؟؟

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 2

صبر وكفاح المرأة القروية

صوت وصورة
اعتصام عاملات مطرودات
الخميس 21 يناير 2021 - 19:40 2

اعتصام عاملات مطرودات

صوت وصورة
مشاكل التعليم والصحة في إكاسن
الخميس 21 يناير 2021 - 18:36 8

مشاكل التعليم والصحة في إكاسن

صوت وصورة
منع وقفة مهنيي الحمامات
الخميس 21 يناير 2021 - 16:39 15

منع وقفة مهنيي الحمامات

صوت وصورة
احتجاج ضحايا باب دارنا
الخميس 21 يناير 2021 - 15:32 11

احتجاج ضحايا باب دارنا

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50 21

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية