قضية إبا إيجو والفراغ السياسي

قضية إبا إيجو والفراغ السياسي
الأربعاء 12 فبراير 2014 - 17:19

غالبا ما نجد في المغرب أن الأشخاص المنتمين للطبقة الشعبية البسيطة والفقيرة هم من يخلقون الأحداث، مثل علال بنعبدالله الذي كان صباغا شعبيا بالرباط قدم من نواحي كرسيف، وحمان الفطواكي الذي كان عيسويا يعيش من ألعاب فرقة عيساوة في المدينة القديمة بالدار البيضاء قدم من قبائل اينفضوك Infedwak، والزرقطوني الذي مارس عدة مهن يدوية قدم من قبيلة آيت زرقطنAyt Zerqten..

وفي سنة 2013 برز رجل يدعى دانييل كالفان بمدينة القنيطرة ونواحيها لم يكن أحد من المغاربة ولا الأجانب يعرفونه، فحرك القصر الملكي المغربي ومملكة اسبانيا، وحرك الشعب المغربي حتى كاد أن يزعزع النظام بكامله، وفي أوائل سنة 2014 ظهرت امرأة من جنوب المغرب بتزنيت ونواحيها تسمى ايبا ايجو، وخلقت الشخصيتان ضجة إعلامية كبيرة، ومظاهرات واحتجاجات مفاجئة للحكم المخزني والأحزاب السياسية والنقابات وكل من يظن أنه يسيطر على عقول المغاربة وعواطفهم وثرواتهم وممتلكاتهم، كما أن شخصا غير “منظم” حسب تصريح نبيل بنعبد الله في البرلمان، إلى ضرب وجه رئيس حزب التقدم والاشتراكية بحجرة بمدينة أسا كادت تفقده إحدى عينيه، وشاهد المتفرجون على شرائط الفيديو انتفاضة جمهور من سكان العيون بقصر المؤتمرات على القائمين بمراسيم تنصيب الوالي الجديد على ولاية العيون …كما شاهدوا محاصرة المعطلين عن العمل لسيارة رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران…

ومن وحي أمثلة هذه الأحداث نخصص هذا المقال لدراسة دور المغمورين المجهولين في خلق الأحداث وتحريك الجماهير وتوقع مستقبل البلد، كي نفهم الدور الذي يمكن أن يقوم به “غير المنظمين” في تغيير نظام الحكم القائم على أوهام السيطرة وضبط الشعب والتحكم في رقابه بالقوة وبسماسرة السياسة الذين يرفض الشعب تنظيماتهم المصطنعة، ونشير بداية إلى أنه لابد من الناحية المنهجية من التذكير بدور محمد البوعزيزي في ثورة تونس كي يصير الموضوع متعالقا بشئ هام وخطير وهو آلية تحريك الشعب الصامت الخاضع للخوف والانضباط للفساد المالي والإداري والاحتكار الحزبي.

تجدر الإشارة البديهية إلى أن السياسة بالمغرب تعود آليات تحريك الشعب وتعبئته من قبل نداءات القصر الملكي والأحزاب السياسية والنقابات المهنية، غير أن هذه العادة السياسية أصبحت هشة منذ 20 فبراير 2011، وتحولت آلية تحريك الجماهير الى أيادي أخرى تظهر بين الفينة والأخرى من الفئات الشعبية البسيطة وخاصة فئة الشباب والنساء، والمهم من دراسة هذه الظاهرة هو أن نقارن بين نداءات زعماء الأحزاب السياسية والنقابية والحكومة والقصر الملكي ونداءات الشعب غير المنظم، فبالنسبة لقضية دانيال كالفان كان المحرك هو ضحايا اغتصاب الأطفال والعفو الملكي على مرتكب الجرائم، وهم لحد الساعة مجهولون لم تنشر أسماؤهم، ولكنهم أنجزوا حدثا تاريخيا خالدا، وأما قضية نبيل بنعبدالله التي يمكن إدراجها تحت عنوان “تدهور علاقة الأحزاب بالجماهير” لم يعرف حتى اليوم صاحبها ولكنها مؤثرة جدا على مستقبل اتصال من يسمون برؤساء الأحزاب السياسية بالمواطنين، ومجموعة طرد المشرفين على تنصيب والي العيون لم يعرف اسم أي واحد منهم بالنسبة لعموم الشعب المغربي ولكنها سجلت أول مواجهة شعبية لبروتوكولات تنصيب العمال والولاة والوزراء، وفرقة المعطلين التي حاصرت سيارة رئيس الحكومة(بنكران) لم تعرف أسماؤها ولكنها غيرت مجرى برتوكولات أنشطة الرئيس وفرضت تشديد حراسته الأمنية على نفسه ومحل سكناه.. لنصل بالتدريج إلى آخر قضية تحمل عنوان “محاربة مافيا العقار” وفجرتها ابا ايجو.

وكلمة “ابا”Ibba تستعمل في امازيغية نواحي تيزنيت عند عامة الناس للتعبير عن احترام المرأة وجلالة قدرها، وتقابلها كلمة “دا”DDA بالنسبة للتعبير عن احترام الرجل ورفعة قدره، والأمور المثيرة للتعبئة الجماهيرية الغاضبة كما وصفناها، تصنف كلها ضمن قضايا الفساد الإداري والمالي مثل اغتصاب الأملاك العقارية، واغتصاب الأطفال والبطالة والفساد الحزبي، وهنا يثار مشكل التعبئة الشعبية الذي يدل على سلبية نتائج صناعة الأحزاب السياسية والنقابات المغربية بقوانين جائرة تفرض العتبة Le seuil في نتائج الانتخابات، وبمزاج المتحكمين في دواليب القرار السياسي، ومنع الأحزاب التي يمكن أن تعبر عن هموم الجماهير، في مقابل ظهور المغمورين في التعبئة السياسية الغاضبة سيطرة ولاة وزارة الداخلية على الأحزاب والحكومة (الشيخ بيد الله، وكبيري، والهمة، والبكوري، وحصاد، والضريس…).

اشتهر مع قضية ايجو بكاس Ijjou Bakkas أخو زوجها الملقب بوتزكيتBoutzguit وهو مثلها شخصية بدوية مجهولة يمكن اعتباره من نخب البادية التي ليس لها ثقافة ولا نفوذ، ومن عائلة تحمل لقب الوزاني هاجرت إلى سوس قادمة من نواحي وزان أغلبهم تخلى عن اسم الوزاني، وهو من النوع الذي يمكن تسخيره من طرف النخب الحاكمة التي تنطلق من المراكز الحضرية الكبرى مثل مدينة أكادير والرباط والدار البيضاء وغيرها لفتح أبواب سيطرة النخب المخزنية على ثروات البادية، وتجري أحداث قضية ابا ايجو بمنطقة قبائل لخصاص (تكتب في بعض الوثائق القديمة لغساس نسبة إلى قبيلة غساسة Ghisasaبالريف Ighisasen) وهي منطقة تشتهر بإنتاج أنواع الرخامMarbre ومقالع الأحجار الصالحة للبناء والتجهيز التي تستغلها طبقة بورجوازية متوحشة تجهزيها قصور المدن، ووصلت إلى الشرق الأوسط مثل السعودية وإسرائيل ومختلف دول الخليج، ويحتمل أن تكون منطقة معدنية، وهذه هي أسباب التهافت على أراضيها من طرف مافيا العقار…

واشتهرت ابا ايجو بمدينة تيزنيت التي ينسب اسمها الى امرأة مشهورة تتوفر على ضريح ومزار مقدس قرب العين الزرقاء وسط سور المدينة تسمى للا تيزنيتLalla Tiznitويمكن أن يكون اسمها يدل على انتمائها إلى قبائل زناتة، وهي امرأة بنيت حوالي ضريحها مدينة تحمل اسمها خالدا لم يستطع الذين يشوهون التاريخ أن يزيلوه رغم أن قصة هذه المرأة حسب الرواية الشفوية هي انها سكنت قرب العين La source مع عشيقها ورفضت طقوس الزواج وبنت علاقتها مع الرجل على الحب دون زواج حتى توفيت، ولا يعرف التاريخ الذي عاشت فيه ويمكن تحديده من طرف الباحثين إذا سلكوا من أجل ذلك طرق البحث العلمي الحديث داخل ضريحها.

وأخيرا فإن بطولات الشعب التي تظهر أقوى من بطولات المال والأحزاب والمخزن يمكن أن تقرر مصير الشعب “غير المنظم”.

‫تعليقات الزوار

7
  • جلال المزغوب
    الأربعاء 12 فبراير 2014 - 19:02

    تلك ومضات تلمح هنا وهناك سرعان ما يخبوا إشعاعها,إن لم تكن من صنع المخزن فإنه يباركها لحاجة في نفسه.
    عندما تطفوا على السطح قضية مثل القضايا التي ذكرتها ويكثر الهرج والمرج فاعلم أن هناك هدفا ما سوف تنتهي بانتهاءه.
    الإعلام عندنا بدون استثناء يوظف من طرف المخزن يوجهه أينما وكيفما شاء ،إنه عصا في يد ساحر ماهر يسوق بها القطيع فيتبعه ويضرب بها البحر فينفلق.
    الأحداث الكبرى تخلقها الشعوب وتأتي بدون مواعد،لاتترك مجالا لمن يقتات من وراءها ولا تحتاج لمن يواكبها أو ينفخ فيها، أما مانراه مما استشهدت به وغيره كثير فتلك فقاعات تطفوا ثم تذهب مع الريح.
    لم تعد تبهرنا مثل هذه الأحداث المصنوعة وتلك الأضواءالتي تصاحبها والهدف منها أن لدينا قدرا كبيرا من حرية التعبير.
    من بين أهداف هاته الفقاعات إشاعة القول بأننا ولله الحمد تمتع بهدوء نحسد عليه اللهم إلا بعض المشاكل البسيطة هنا وهناك، ونحن قادرون على حلها.
    سلاما لك استاذنا إن قدر لهذا التعليق أن ينشر!!

  • ilyasse
    الأربعاء 12 فبراير 2014 - 21:29

    شكرا داداحماد على مقالك. السؤال المتروح كيف لم يتم استغلال هده القضية من طرف الرميد لان القضية على مايبدو ليست لها خيوط كبيرة تقتصر على بوتزكيت وبعط القطاة واعوان السلطة. كانت فرصة لوزيرالعذل باش اتبورط. ام ان الامر اكبر منما اتوقع

  • AMDIAZ
    الأربعاء 12 فبراير 2014 - 22:04

    شهد المجتمع المغربي, ككثير من المجتمعات النامية, إنفجارا سكانيا و إنقلابا حضاريا هائلا زعزع قوانين الحكم و أشكال السلطة.

    كان المخزن, حتى التسعينات, سيد الوضع حيث أنه كان يتحكم في المجتمع عبر نظام إداري قبلي ، أتقنه البصري بجهاز بوليسي من الطبقات الحضرية الضعيفة، حيث ضرب فيها عدة عصافير بحجر واحد، أهمها تخفيف الضغط الاجتماعي على المدن بتصدير شبابها المشاكس كرجال سلطة إلى البوادي.

    بتحول القرن أصبحت الساكنة الحضرية أكبر من القروية و تغيرت الرعية التي كانت لا تعرف سوى السمع و الطاعة إلى زبناء في سوق السياسة لا تعرف سوى الحقوق و المطالب و السبب الكبير في ذلك هو تغير العقلية و ثقافة المواطنة.

    عندما كان المغرب بلدا من البدو كان عالم أغلب الناس صغيرا لا يتجاوز العشيرة و القرية و كان الناس يحمدون الله على نعمه و يعوذون من سخطه اللذان كانا يظهران لهم في الطبيعة و أحوال الطقس….و يوم صاروا تجارا و سماسرة في المدن، يربحون الرتب و يدفعون الضرائب، لم تعد تفرحهم قطرات من السماء بل أرصدة بنوكهم وهواتفهم…و صارت أمور الحكم ،التي كانت نخبوية و أدبية مجردة، ألان أمور شعبية مصيرية ملموسة.

  • علي
    الأربعاء 12 فبراير 2014 - 22:55

    شكرا لك سي احمد وزاد الله من امثالك لتنوير هذا الشعب الذي اصابته التخمة من تزوير الحقائق ومن سياسة "كولوا العام زين"

  • DASSARI Mohamed
    الأربعاء 12 فبراير 2014 - 22:57

    Oui cher Maitre Ahmed ADGHIRNI! Votre analyse de ce mercredi 12/02/2014 sur la résurréction du combat d'une large partie deshéritée de de la Société Marocaine contre l'injustice est parfaitement juste.
    Votre sujet de base est l'affaire de la "mamie" de Tiznit Ibba Ijjou qui est aussi un important sujet qui a mobilisé tous les humains à traveers le Maroc et aussi au-delà et qui sont épris de justice, dénonçant ainsi de voir une malheureuse femme âgée du monde rural dans le Souss, dépossédée de sa peitite "piole" d'environ 20 M2. où elle vivait avec son mari et son fils majeur; par les spoliateurs appartenant à Mafia de l'immobilier dans toute la région du Souss, avec la complicité avérée de ceux qui sont censés assurer leur protéction et se trouvant dans la haute sphère de l'Etat Makhzani Marocain.
    L'affaire Ibba Ijjou est une sorte de bombe à fragmentations qui a touché beaucoup d'intouchables dans les rouages de l'Etat où l'on ne parle du matin au soir que du "doustour 2011".

  • amar
    الأربعاء 12 فبراير 2014 - 23:21

    مافيات اوعصابات العقار منتشرة بشكل مهول في جميعع مدن المملكة والسبب كما يعرفه الجميع هو الارباح الكبيرة لهذا القطاع حتى اصبح الموظف السامي والمتوس ومختلف التجار يستثمرون في العقار حتى المسؤولين عن تسليم رخص البناء والمهندسين والمتقاعدون وهذه تجارة جاءزة قانونيا وشرعا الا ان الغريب فيها هو شراء قطعة ارضية بثمن معين وبيعها بربح يصلى الى 1000/100 ( همزات ) كما يسموها المافيات فهل تصدقون ان ثمن المتر الواحد وصل الى 6000 درهم في احد مداشر المسمى الرويسي بازغنغان اقليم الناظور التي كانت في فسنة 2009 ثمنها لا يتعدى 1000درهم للمتر كحد اقصىى اوى دير دارك المسين

  • amalou
    الخميس 13 فبراير 2014 - 12:44

    Le peuple fait peur , ses soulèvements sont imprévisibles et surtout incontrôlables . Des peuples ont réussi à imposer leurs droits et installer leur dignité , les oppresseurs ont été obligés à s'incliner et à s'adapter à la volonté générale des masses . Ces soulèvements font peur à tous ceux qui profitent de la richesse nationale et qui disposent des pouvoirs incontrôlables , ils ne respectent aucunes règles , la loi se sont eux qui l'établissent selon évidemment leurs intérêts et les intérêts de leurs progénitures , la reproduction des relations sociales doit être assurée et éternisée le plus possible . De temps en temps des gens manifestent leur mécontentement c'est tout à fait normale , mais ce qui est le plus important c'est de rester le maître du jeu . Ces manifestations il faut en tirer profit politiquement , montrer qu'on est capable de tolérer de telles ou telle revendications , faire marcher la machine médiatique , montrer qu'on est mieux que les autres .

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50

صبر وكفاح المرأة القروية

صوت وصورة
اعتصام عاملات مطرودات
الخميس 21 يناير 2021 - 19:40

اعتصام عاملات مطرودات

صوت وصورة
مشاكل التعليم والصحة في إكاسن
الخميس 21 يناير 2021 - 18:36

مشاكل التعليم والصحة في إكاسن

صوت وصورة
منع وقفة مهنيي الحمامات
الخميس 21 يناير 2021 - 16:39

منع وقفة مهنيي الحمامات

صوت وصورة
احتجاج ضحايا باب دارنا
الخميس 21 يناير 2021 - 15:32

احتجاج ضحايا باب دارنا

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية