كرة القدم: العبادة الجديدة

كرة القدم: العبادة الجديدة
الأربعاء 14 يوليوز 2010 - 18:21

الأصل في العبادة أنها تصل النسبي بالمطلق، والحادث بالقديم، وتصل الخلق بالحق، في سعي من الإنسان للتخلص من ثقل المادة وكثافتها ليعانق شفافية عالم الروح ولا نهائيته، ويطلع على عوالم ليس له أن يدركها إلا بالتخلص من الحس الذي ينزل بكلكله على النفس فيحجبها ويخلد بها إلى الأرض ويطمس طاقتها.


ومنذ كان الإنسان كانت حاجته لتفريغ طاقاته العقلية الإبداعية والاكتشافية تتجه به إما إلى العلم الذي يقوم على فكرة الفضول الذي لا يتجاوز به حدود الحس أو إلى الدين الذي يقوم على فكرة الحصول ، أي حصول معرفة نفسية من نوع مختلف ومتجاوز لسجف الحس، وطريقها الإيمان واليقين.


وإن مما يسم التدين عند الإنسان حالة الاستغراق التي تلف كيانه في صلته وتواصله مع ما يدين به، حتى لا يكون شيء يحجبه عنه لحظة قربه واتصاله، لأنها أخص اللحظات الإنسانية في تفاعلها مع معبودها،وهي لحظة يجتمع فيها على الإنسان مشاعر فياضة ومتداخلة بل ومتناقضة من الفرح والحزن والنشوة والقوة والضعف وما إليها من المشاعر التي قد تدفعه إما للصراخ بفعل غلبة الحال عليه كما يقول أهل العرفان أو أن يلوذ بكهوف الصمت متأملا في شريط بدايته ونهايته.


لكن حالة الاستغراق هذه اليوم باتت لا تختص بلحظات العبادة التي تعارفها الناس فيما بينهم، بل صارت الفرصة الكروية تحققها، بل وتذهب بالإنسان إلى أبعد مدى في التعلق بالمعبود الجديد(كرة القدم)، وبمناسباتها ومبارياتها هنا وهناك والتي نزلت منزلة الحج في الممارسة الدينية التقليدية، إذ بات الإنسان”العابد الجديد”لكرة القدم لا يتقدم عنده شيء من أنشطته ووظائفه على “قداس” كرة القدم. فيؤخر كل عاجل على أن يستدرك بعد قضاء”فرائض” المتابعة التي حصل فيها قدر كبير من”الخشوع” و”الحضور” و”التأثر الوجداني” الذي لا مثيل له، فترى”الدموع”سجاما على الخدود من فيض التفاعل مع حركة الكرة بين الأرجل والتي قد ترفع مستوى”الأدرنالين” إلى أقصاه.


ثم إن هذه العبادة استطاعت ،بعد أن ملكت كيان الإنسان وجسده وروحه، أن تملك ماله ونقوده، فقد جعل العابد الجديد في ماله للكرة “نصيبا مفروضا” يقتطعه خالصا لوجه “الكرة الجلدية المقدسة”، فهو لا يتردد قيد أنملة في السخاء بماله سفرا وحجا قاصدا لبيت الكرة”الحرام” يتكبد وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب، أو في أقل الأحوال أن يشتري لحظة المتابعة البصرية في مقهى أو ناد أو في بيته من طريق اللواقط لمراسيم”المباريات” التي يحج لها الناس بأرواحهم وأجسادهم.


وإذا كانت المحبة الصادقة في الدين التقليدي تدفع الإنسان لاقتناء تذكار الزيارة من المشاعر المقدسة التي يحج إليها حتى يحتفظ المتعبد بالمكان و”يُخَلِّدَ”اللحظة الروحية معه ترافقه إلى بلده، ففي دين كرة القدم تجد حرصا شديدا على شراء تذكار المباراة وقميص الفريق وشارته وطاقيته التي عليها صورته ورمزه وأيقونته لنفس الغرض في العبادة التقليدية حتى يظل مسكونا بروح”الكرة المقدسة” وروح” الفريق المقدس”.


وكما للعبادة بالمفهوم التقليدي طقوسها التي تعبر عن “النظام” و”الامتثال” فالعبادة الجديدة أيضا لها طقوسها وترانيمها وتراتيلها الجماعية بكل اللغات التي يملأ بها الإنسان العابد الجديد أرجاء “العتبات المقدسة” أي الملاعب، فيكفي أن تتابع حركات الجمهور لتفهم هذه الطقوس وهذه الأصوات المتعالية من هنا وهناك في ترتيب ونظام من قبيل”هولي هولي هولي هولي”، أو تتابع ما يسمى بموجة “لا أولا”La Ola ، وهي كلمة من أصل إسباني تعني ذلك الطقس الجماعي الذي يقوم به الجمهور في العالم حيث يتحرك واقفا وراكعا في حركة تعاقبية كأنها الموجة عبر جنبات الملاعب مصاحبا ذلك بصراخه وصلواته الجديدة”هولي هولي”.


ويتصعد الموقف التعبدي الجديد عند الإنسان المعاصر ليصل ذروته حين يعلن”الدفاع المقدس”عن القميص وعن”شرف الكرة الوطنية” والتي قد تصل بجمهور”المتألهين الجدد” إلى تصريف العنف في سبيل هذه الغاية، وهو”جهاد كروي” أبطاله “عباد كرة القدم المتعصبون والمتشددون(هولكينز وهولكنيزمHooliganisme)” ما دام في كل دين عبر العالم متسامحون ووسطيون يقابلهم أصوليون ومتشددون.


* أكاديمي ومفكر مغربي


http://makboul.over-blog.com

‫تعليقات الزوار

8
  • jad
    الأربعاء 14 يوليوز 2010 - 18:35

    رحمك الله على هذا المقال ايها الكاتب، كرة القدم المعبود الجديد، ونرى جيدا ان مبارياتها في كتاب موقوت، لا يؤخرها الناس عن وقتها، انبياءها -الاعبين المشهورين- خير قدوة للمحبين والمتبعين، تدعو كذلك الى الجهاد وقد راينا ذلك بين مؤمني الرجاء والوداد. لاحول ولاقوة الا بالله، نسال الله لنا ولابناء وطننا الحبيب الهداية والمغفرة

  • عبد المنعم
    الأربعاء 14 يوليوز 2010 - 18:23

    إن الموضوع الذى طرحته ياسيدي الفاضل له علاقة بعلم الإجتماع الرياضي وهذا الموضوع بذات نابع من مفكرين علم الإجتماع الرياضى الغربي كأمثال, Diem Carl ,inPierre de Coubertوهناك باحث ألماني إسمه:Frank Röller ألف كتابا يعتبر المرجع لهذه الظاهرة:Rituale im Sport الطقوس في الألعاب الرياضية.كما أنني لست متفقا مع الطرح الذي طرحته, خصوصا الفكرة الأخيرة منه وهى أن ظاهرة جمهور الهلكنز يهتم لكرة القدم ويتعصب للدفاع عنها,فهو يجعل من كرة القدم وسيلة لا غيرللبحث عن الحدث والنشوة في مجتمع كل شيء فيه مرتب,للمزيد عن الظاهرة راجع دراسة قام بها:Prof. Dr. Gunter A. Pilz u.a سنة 2006

  • متابع
    الأربعاء 14 يوليوز 2010 - 18:31

    سمعنا كثيرا عن هذا الوصف، لكن الحق يقال: لقد وفقت في تفصيله وتأصيله، لافض فوك.
    كلنا نتابع بعض المباريات، لكن ما نراه اليوم، لم يكن أحد ليتصوره قبل زمن قصير: قنوات متخصصة، علماء ينظََّرون ويحللون، جماهير متأثرة لدرجة البكاء والخشوع.
    كان المتعارف عليه أن نـتأثر بنتائج فرقنا الوطنية فقط، لكن اليوم……….؟؟؟؟؟؟؟؟ تى نتائج الامتحانات لم تؤثر في البعض مناكل هذا التأثير. نسأل الله اللطف والسلامة.

  • مغربي و كفى
    الأربعاء 14 يوليوز 2010 - 18:25

    كاتب هذا المقال يخربق و يزربق..نعم نتسلى بكرة القدم .لكن أجاااب الدين للتسلية ..؟؟ الكاتب خاصوا يدير بيناتهوم الصلة بالذراع ..أووهو.. الدين بحال الكرة و لو طارت..معزة..

  • Moha
    الأربعاء 14 يوليوز 2010 - 18:33

    نحب كرة القدم و لكن ماعمرها توصل لحد العبادة
    يجب ان لا تلهيك عن الصلاة و اداء الفرائض و لكشي بخير

  • المغربي
    الأربعاء 14 يوليوز 2010 - 18:27

    حاولت مرات عديدة شرح للاصحاب بان الكرة العبادة الجديدة. كما يضهر اعادة عبادة الاوثان كما في الجاهلية. كيف واضح للجميع الاشهارات التي تباع جميع البضائع لها نصيب في الكرة. اي الاقتصاد ميزة الكرة, جميل المنديال الاخير مخدر ترى الناس جميعا صغيرهم و كبيرهم منصاعين تحت تاتير الكرة’ من يصفق, من يمجد, من يركع, من يهلل, من يتبها, اكيد لا يبالي المتفرجون بما يجري اشهار للمسخ و العار اشهار كوكا و غيرها’ ماهدا الجاهلية في القرن 21, تاملوا و فكروا لقد اصبحنا نعبد الاقتصاد و الاوتان بمفهوم العشق للكرة.

  • Halim
    الأربعاء 14 يوليوز 2010 - 18:29

    je crois que vous retarder Monsieur. Le culte du ballon rond existe depuis déjà plusieurs décennies. La seule nouveauté et que vous le découvrez seulement maintenant ! en tout esprit sportif (Bikoulli Rohh riyyadiyyah)

  • محمد العشري
    الأربعاء 11 يوليوز 2012 - 20:34

    حالسلام عليكم إن كرة القدم تجارة وسياسة هدامة حتى ٱنها عادت عبادة وثنية وأبطالها اللدين يحضون بشعبية وثراء أكثر من بعض الملوك والرؤساء إنهم في درجة من القداسة فترى صورهم خالدة في كل دكان وفي كل بيت من بيوت المستسلمين وعلى الجدران بينما أمة محمد والمستضعفين لازلوا ضاهرين على الحق يواجهون العدوان من كل حدب وصوب مستعنين بالله لقد أخبرنا نبينا الكريم في أخر الزمان ستعود أمته إلا من رحم ربي الى عبادة الأوتان وها قد تحققت نبوة الرسول صلىالله عليه وسلم والله أتعجب من لاعبين يخضون المبارة وبلدهم غارقة في الحروب والله الدي لا اله الا هو لم أجد لهدا تأويل

صوت وصورة
احتجاج ضحايا باب دارنا
الخميس 21 يناير 2021 - 15:32 2

احتجاج ضحايا باب دارنا

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50 19

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية

صوت وصورة
منع لقاء بغرفة التجارة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 20:39 2

منع لقاء بغرفة التجارة

صوت وصورة
مستجدات قضية  "مون بيبي"
الأربعاء 20 يناير 2021 - 19:40 9

مستجدات قضية "مون بيبي"

صوت وصورة
قرار نقابة أرباب الحمامات
الأربعاء 20 يناير 2021 - 17:40 15

قرار نقابة أرباب الحمامات

صوت وصورة
معاناة نساء دوار قصيبة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 16:40 4

معاناة نساء دوار قصيبة