كل عام ونحن للغتنا الأم أبرار!

كل عام ونحن للغتنا الأم أبرار!
الأحد 21 فبراير 2021 - 16:19

يُصادف اليوم احتفاء دول المعمور باليوم العالمي للغة الأم. وهي مناسبة لنا نحن المغاربة عرباً وأمازيغ لتهنئة بعضنا بتراثنا اللغوي والثقافي الغني، وبذل جهد أكبر لتوطيد الصلة به داخل المغرب وخارجه. فمتحدثو اللغة الأم هم أبناؤها البررة الذين يحفظون أشكالها المتعددة ويُسَخِّرون مقوماتها لتحقيق التمكين الفكري المُفضي إلى إنتاج المعارف وجلب المنافع وحل المشاكل. وكما قال فيلسوف الصينيين كونفوشيوس: “لا يمكن أن يحصل الإنسان على المعرفة دون تفكير، ولا يمكنه أن يفكر بغير لغته الأم”. لذلك نحن أحوج ما نكون إلى التمسك بلغتنا الأم في بيوتنا ومدارسنا وفضاءاتنا الخارجية، حتى نُنجز ونبني ونُسهم في إنتاج المعارف الإنسانية.

مركز ثقافي مغربي

لطالما تساءلتُ مع نفسي مراراً عن سبب عدم وجود مركز مغربي ثقافي يكون ملحقاً بكل سفارة مغربية في بلدان العالم، يعرض تعليم العربية والأمازيغية للطلبة الدراسين وأبناء الجالية المغربية المحتاجين لتقويتها، لا سيما أن عدد أفراد الجالية المغربية في الخارج ليس بالهين، فهو يمثل نحو سُدُس العدد الإجمالي لسكان المغرب. ولنا أن نتخيل حجم المنافع التي سيحصدها أبناء أسر الجالية المغربية في المهجر في تقوية لغتهم الأم وتخفيف حدة الاغتراب الذي يعيشونه والاستلاب الذي قد يعانونه. فوجود مُدرسين ومدربين ومقيمين في مراكز كهذه سيُفيد أبناء المغاربة، فضلاً عن طلبة الجامعات المهتمين بإتمام دراسات عليا في العربية والثقافة المغربية والتاريخ المغربي. وهذا من شأنه الإسهام في تعزيز سمعة المغرب وإضافة ذراع جديدة إلى أذرعه الديبلوماسية النشطة عبر العالم، لا تقل تأثيراً وإشعاعاً عن أذرع نظيراتها الفرنسية والبريطانية والأميركية والإسبانية والألمانية.

ونظراً للكفاءات الكبيرة لدينا في علوم اللغة واللسانيات، يمكننا المشاركة في تصميم امتحان معياري في اللغة العربية والأمازيغية للناطقين بها ولغير الناطقين بها، على غرار اختبار “توفل” الأمريكي و”آيلتس” البريطاني و”دلف” الفرنسي و”داف” الألماني. وحينها فإنه سيعطي لتعلم العربية على الصعيد العالمي دفعةً قوية لا محالة، وستساعدها في ذلك الأرضية الممهدة لها مسبقاً باعتبارها من اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة ومن بين أسرع اللغات انتشاراً في العالمين الواقعي والافتراضي. صحيح أن هناك بعض الجامعات العربية تُقدم اختبارات عربية معيارية لقياس الكفاءة اللغوية في العربية في بعض التخصصات، لكن هذه الاختبارات لم ترق بعد إلى اختبار معياري عالمي موحد معتمد من جهة إقليمية كبرى أو دولية متخصصة تتيح له تحقيق الصيت العالمي المنشود.

النموذج الصيني الرائد

لعل الصين سبقتنا في مسعى القوة اللغوية الناعمة. فقد استطاعت في أقل من عقدين من الزمان تأسيس أكثر من 530 مركزاً ثقافياً صينياً تطلق عليه “معهد كونفوشيوس” في مختلف بلدان العالم، وحققت لها وجوداً لغوياً ثقافياً في القارات الست خلال وقت وجيز. ولا تكتفي الصين بنشر مراكزها اللغوية عبر العالم، بل إنها تشجع أبناءها على تعلم اللغات الأجنبية الأخرى، بما فيها العربية التي تحتل مكانة بارزة في جامعاتها. وما زلتُ أستحضر خلال زيارتي لها قبل نحو عشر سنوات ذلك الانبهار الذي أصابني وأنا أستمع إلى أساتذة صينيين في جامعات في بكين وشانغهاي يتحدثون عربية سليمة وفصيحة أفضل من عدد من العرب الذين تعد العربية لغتهم الأم. ليس هذا فحسب، بل إن رئيس قسم العربية في جامعة بكين كان قد أخبرنا حينها (2010) أن عدد الجامعات التي توجد بها شعب الدراسات العربية هو 20 جامعة، وهذا العدد تضاعف ليبلغ زهاء 50 جامعة في الوقت الحالي.

ومن الأمور التي أثلجت صدري في تلك الزيارة ما علمناه من خلال نقاشات جرت بيننا وبين طلبة صينيين يدرسون العربية، إذ أخبرونا أن فرصهم في العمل بعد التخرج مضمونة، وأن خريجي العربية عادةً ما يشغلون وظائف ديبلوماسية واقتصادية وثقافية مرموقة، وأن العربية هي من الدراسات النخبوية لديهم! وتساءلتُ حينها عن الشعور الذي قد يعتري طلبة “الأدب العربي” في جامعاتنا المغربية حينما يعلمون مكانة العربية في بلد التنين!

اللغة الأم وضرائرها

لا بد أن الصين وغيرها من الأمم المهتمة بلغاتها الأم والمنفتحة على اللغات الأجنبية تمضي في الطريق الصحيح. فتعليم اللغة الأم كما يقول اللغويون يكتسي أهمية كبرى في المراحل التعليمية المبكرة، وخصوصاً مرحلة التعليم الأولي قبل الابتدائي. ففيها يكون الطفل في أمس الحاجة إلى تشرب حليب لغته الأم حتى يقوى عوده. وفي حالة المغرب، فإن اللغة الأم لغالبية التلاميذ المغاربة هي العربية والأمازيغية، ولذلك ينبغي التركيز عليهما لمساعدة الطفل على طلاقة لسانه وتعلم الأبجديات الضرورية. ونظراً لوجود عدد متزايد من الأطفال الذين يعانون تأخر النطق، يتمنى كثيرون أن تبذل وزارة التربية والتعليم جهداً أكبر عبر تكوين اختصاصيي نطق ميدانيين وتكليفهم بالانتقال بين المدارس لمساعدة هذا النوع من الأطفال على التغلب على هذه العقبة، خصوصاً في المناطق المعوزة ومتدنية الدخل التي لا يملك أولياء أمور التلاميذ فيها الموارد المالية الكافية لأخذ أبنائهم لجلسات علاج تأخر النطق وعسر القراءة. ولا شك أن هذا النوع من الآباء يكابدون كمداً شديداً ويعتصرهم الألم دون أن يجدوا من يقدم لأبنائهم العون حين يرون فلذات أكبادهم متخلفين عن مجاراة أقرانهم في النطق والتعبير الشفوي والتواصل السلس مع أساتذتهم داخل القسم.

ولا يعني هذا الاكتفاء بتعليم اللغة الأم، بل لا بأس من تعلم لغات أخرى. فدراسات علمية عدة دحضت نظرية تعليم الطفل لغة واحدة فقط في بواكير طفولته وأثبتت أن لدى معظم الأطفال قابلية وقدرة لتعلم لغتين وثلاث في وقت واحد، وأنهم ينشؤون متعددي الألسن والثقافات وأكثر انفتاحاً، وتلك ميزة تنافسية تُحسب لهم وتجعلهم أوفر حظاً لشغل وظائف بعد التخرج.

الترغيب والتبسيط

اليوم العالمي للغة الأم هو أيضاً مناسبة لمراجعة طرق تدريس اللغات. فهذه الطرق يجب أن تقوم على تحبيب الأطفال في لغاتهم الأم وتجنب تنفيرهم منها، وذلك عبر التبسيط والتجديد وتعليم اللغة بالترفيه عبر الفنون المتعددة كالأراجيز واللعب غير المؤطر والمسرح والقصص المحكية والتعابير البصرية والأدائية والوسائط المتعددة الحديثة الأقرب إلى قلب الطفل وسنه، وعبر استخدام كلمات بسيطة، وجمل قصيرة، ومصطلحات أُحادية التأويل والمعنى، ولغة حديثة عصرية أقرب ما تكون إلى اللهجة الشفهية التي يتواصل بها يومياً، لغة قرننا الحادي والعشرين، ليس لغة القرن الرابع عشر. فاستعمال كلمات تراثية قديمة نادرة يجعل اللغة مادة جافة جوفاء، ولقمة خشنة يحاول الطفل أن يهضمها لكنه لا يستسيغها، ولا تجد بذلك إلى ذاكرته سبيلاً.

المغربي العالمي

المغرب له تنوع لغوي وتعدد ثقافي فريد من نوعه. وهذا مبعث اعتزاز، لكنه أيضاً مدعاة لاستشعار المسؤولية الأخلاقية الوطنية في صونه عبر تدابير عدة بدءاً بالحفاظ على اللغات الأم للتلاميذ المغاربة وإغنائها وربطها بثقافاتها المحلية الثرية سواءً كانت عربية أو أمازيغية (تمزيغت وتريفيت وتشلحيت) أو حسانية أو عبرية. فتعزيز التنوع اللغوي ينشئ التلاميذ عارفين بكنوز تراثهم المادي وغير المادي، وأمناء عليه وسفراء له وأكثر تقبلاً للآخر المختلِف عنهم، وأكثر انفتاحاً عليه وتسامحاً معه. كما يغرس فيهم مبادئ الفكر التضامني والتكاملي والتفاعلي، باعتبار التنوع اللغوي والاختلاف الثقافي عنصري تمكين وتوحيد وصون للذاكرة الجمعية. ولا شك أنه حينما ننجح في التعايش والتسامح معاً كمواطنين مغاربة رغم خلفياتنا اللغوية والثقافية المتنوعة، فإننا سننجح في فعل الشيء نفسه مع باقي دول العالم بعفوية وأريحية، ودون انتهازية أيديولوجية.

الجالية المغربية الصين اليوم العالمي للغة الأم تعليم العربية والأمازيغية مركز مغربي ثقافي

‫تعليقات الزوار

9
  • med.ezzemrani
    الإثنين 22 فبراير 2021 - 11:03

    هل اللغة العربية لغة أم للمتعلم المغربي؟

  • mouha le sage
    الإثنين 22 فبراير 2021 - 12:09

    هل تلك “الأمازيغية” التي صنعها ليركام في المختبر لغة أم للناطقين بأحد اللهجات الأمازيغية؟

  • maghribi
    الإثنين 22 فبراير 2021 - 21:26

    هل اللهجات لغة و ليركام لغة أم للمتعلم المغربي؟
    هل اللهجات لغة؟

  • sifao
    الأربعاء 24 فبراير 2021 - 11:41

    مصداقية الكلام تأتي من مطابقته لواقع الحال ، اي فرض له على واقع غير معطى يبقى مجرد ثرثرة لا فائدة منها ، بل يصبح عائقا اضافيا يحول دون حلحلة القضايا التي تنتج عنه ، اللغة العربية ليست لغة ام ، لغة الام هي لغة الرضاعة ، لغة الاسرة والشارع ، اللغة اليومية التي يتعامل بها المواطن مع محيطه السوسيو لوجي ، والعربية لا علاقة لها بكل هذا ، الامعان في الادعاء انها لغة ام كذا مليون بشر مرد هلوسة ايديولوجية ، وكل النتائج التي تنتج عن هذه المقدمة تكون فاسدة ، الاستمرار في الادعاء ان العربية لغة ام مجرد مضيعة للوقت والجهد ، اللغة العربية لم تمنح لنفسها فرصة التمدد في المجتمع عبر الانفتاح على الامازيغية والدارجة بسبب اضفاء طابع القداسة عليها ، رفض اقحام بعض الكلمات الدارجة في المقررات الدرسية يعني استمرار ها في الانغلاق على نفسها خارج المجال التداولي ، كل الدراسات الرسمية لواقع اللغة العربية في المدارس تؤكد استمرارها خارج حدود التمكين عند المتعلمين ، عندما تقول دراسة ان 64% من التلاميذ لا يستطيعون قراءة وفهم نص بسيط باللغة العربية بعد اربع سنوات من التعلم ،فهذا يعني وجود خلل ما يجب النتباه اليه

  • aleph
    الأربعاء 24 فبراير 2021 - 14:02

    4- sifao

    التعريف الذي قدمته للغة الأم ينطبق أكثر على حالة الأمازيغية المرسمة، ورغم ذلك لم تذكر أنها هي الأخرى ليست لغة أم للمغاربة. ولا أظن أنك فعلت ذك سهوا، أو لأنك تنطلق من مسلمة أن كل المغاربة يعرفون أن الأمازيغية المرسمة بعيدة كل البعد عن كونها لغة أم للناطقين باللهجات الأمازيغية.
    يؤسفني أن أذكرك أنك تنشر الجهل وتضرب بالنزاهة عرض الحائط وبسوء نية.

    والغريب أنك تريد أن توهم القارئ أن ” عندما تقول دراسة ان 64% من التلاميذ لا يستطيعون قراءة وفهم نص بسيط باللغة العربية بعد اربع سنوات من التعلم” سببه هو أن الفصحى ليست لغة المنزل ولغة الشارع. وهذا أعتبره دجلا منك وتخريفا. والخرافة والدجل هو أن تقدم فكرة ما على أنها صحيحة في حين أنك لا تملك أي دليل علمي على ذلك. وهذا ينطبق بالضبط على آدعائك هذا.

    من حقك أن تخرف، ومن حقنا أن ننبهك إلى كونك تخرف. وسيبقى كلامك تخريفا ودجلا لأنه يستحيل عليك أن تجد الدليل العلمي على أن عدم إتقان الطفل المغربي “قراءة وفهم نص بسيط باللغة العربية” مرده لنقص في العربية. وهذا تحدي لك سيد سيفاو، أثبت لنا بالدليل العلمي على أنك لا تخرف ولا تمارس الدجل.

  • يا عجباه
    الخميس 25 فبراير 2021 - 16:15

    4

    اللغة العربية ليست لغة ام ،

    اذا كانت اللغة العربية ليس لغة ام
    هذا يعني ان الباربارية بالنسبة لك هي اللغة الأم
    يا عجباه

  • sifao
    الجمعة 26 فبراير 2021 - 16:51

    يا عجباه ، يتحدث في موضوع يجهله تماما….لا يعرف معنى “لغة ام” يا عجباه …….؟؟؟؟

  • دوخة حمرة
    الجمعة 26 فبراير 2021 - 21:18

    يظهر ان كاتب المقال اخد تعريف اللغة الام من الفقهاء البررة ،فهؤلاء يعتبرون اللغة العربية ليست فقط اللغة الام للعرب فحسب بل هي لغة الام للكون !!

  • ولد الشلحة رحمها الله
    الخميس 4 مارس 2021 - 20:42

    لهجة أجدادي هي التشلحيت وموطنهم منطقة سوس ولم يسمعوا قط بالامزيغية بل اظن ومن المحتمل انهم تعاملوا مع بعض من القبايليين .

صوت وصورة
العلاقة بين اليقين وحب العطاء
الإثنين 19 أبريل 2021 - 17:00 1

العلاقة بين اليقين وحب العطاء

صوت وصورة
مبادرة "حوت بثمن معقول"
الإثنين 19 أبريل 2021 - 15:32 6

مبادرة "حوت بثمن معقول"

صوت وصورة
حماية الطفولة بالمغرب
الإثنين 19 أبريل 2021 - 12:10 3

حماية الطفولة بالمغرب

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59 3

أوزون تدعم مواهب العمّال

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00 17

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00 7

نقاش في السياسة مع أمكراز