لا تؤجل غضب اليوم إلى الغد

لا تؤجل غضب اليوم إلى الغد
الجمعة 25 مارس 2011 - 11:46

ليس من باب الصدفة أن يزيد إيماننا يوما عن يوم، بالمثل المغربي البليغ الذي يقول :”اللي حْشمْ عْلى اللي ضرو، الشيطان غرو”، لقد صارت بعض المستشفيات العمومية مصحات خاصة، ولا تَستحي شركات مثل “ليديك” و”ريضال” و”أمانديس”، في إثقال كاهل المواطنين بفواتير مُشتعلة، حتى وصفها أحد الظرفاء بالاستعمار الجديد، بدورهم المُنعشون أو بالأحرى “المُنهشين” العقاريين لا يستحيون في امتصاص دماء الموظفين الصغار..


الشارع “مْغَلْغَلْ”.. مُحتجون من كل الفئات، البريديون والمُجازون المُعطلون وربابنة البواخر، والمعتقلون في السجون، والصحافيون أيضا وليس أي صحافيين، إنهم الزملاء في وكالة المغرب العربي للأنباء، أو “لاماب” التي يحب أن يناديها صحافيو الإذاعة والتلفزة بلقب “ميمتي”، لأنها تقدم لهم الأخبار جاهزة، هذه الوكالة التي أسسها الراحل المهدي بنونة، وكان يتمنى أن تظل وكالة مُحايدة لنقل الأخبار، إلى أن طالها التأميم.. وأمام هذا الوضع المعنوي السيئ، فضلا عن الوضع المادي، كان ضروريا أن ينتفض الصحافيون في “لاماب”، فأسسوا إطارا اختاروا له عنوانا بليغا، عبارة عن ضمير منفصل بصيغة الجمع : “ونحن”، يقولون فيه بالعربية تاعرابت “كولشي تيهدر على حقو، وحْنا مَعْلينَاشْ الله، واخا احنا وكالة رسمية، حتى حْنَايَا عندنا مطالب يجب تحقيقها”.


فئات عريضة في المجتمع غاضبة، يجمعها شعار واحد : “لا تؤجل غضب اليوم إلى الغد”، يقول مثل مغربي دارج : ” كالو الكنازة حامية، كالو كل واحد يبكي على حالو”، الغاضبون لا يؤمنون بصوت الشيخة التي رددت ذات ليلة: ” كولو العام زين”، “مْنين جاه الزين؟” إنها مقطوعة من أغنية شعبية صفراء تُكرس الوضع المتردي، وتحول بيننا وبين التطلع نحو الأجمل.. فهل أذكركم بمقاطع أخرى من “ريبرتوار” الأغنية الشعبية الصفراء مثل “كاينة ظروف …”.


وإذا كان هذا الصنف من الأغنية قد أزعج المجتمع، واستفز عقلاءه ليتنادوا بوقف خطره على الجيل الجديد، فإن السياسة الصفراء التي تُمارسها بعض الأحزاب السياسية تُمثل هي أيضا خطرا من نوع آخر، لأنها بكل بساطة، فضلا عن كونها تشبه بعض مقاطع تلك الأغاني الشعبية الصفراء، مثل (كاينة ظروف، وكولو العام زين)، فقد تخلفت عن مُعانقة هموم المواطن اليومية، واستهانت بثقل المسؤولية المُلقاة على عاتقها، واعتبر ممتهنوها المنصب السياسي تشريفا وليس تكليفا.


ولا أجانب الحقيقة إذا قلت، بأن بعض فئات المجتمع المغربي، تزعم أن شروط ضمان عيش كريم غير متوافرة الآن، والسبب يعود إلى الفساد المستشري في كل مناحي الحياة، فساد ينتف من ريش طائر إسمه المُواطن المغلوب على أمره، وبعد أن يستنفذ ذلك الكائن البشع المسمى فسادا، ريش المواطن، يعني تعرضه لعملية “ترييش”، يحس بـ”التبوريشة”، فيبادره الثعلب الماكر، مثلما درسنا في قسم التحضيري: “إن معدتي دافئة، يمكنك الاختباء فيها”.


ولا أعرف كيف يستطيع بعض السياسيين المُزيفين المحافظة على ابتسامتهم الصفراء، حتى ولو بصقت على وجوههم السمينة والمحنكة (من الحنيكات طبعا)، إنهم يرسلون أبناءهم للخارج للدراسة أو الاستجمام على حساب أموال الشعب، ويحتالون على أبناء الشعب “الغلابة” بتعبير الأشقاء المصريين، ولا يكتفون بذلك بل يتواطؤون على اغتصاب امرأة إسمها “السياسة”، ونفي أبنائها الحقيقيين وحصارهم.


كل هذه المتاعب ولم نتجرأ على طرح سؤال عميق من قبيل: “لماذا كفر الشباب بالأحزاب السياسية البلاستيكية، وطلق بعضهم السياسة، بعدما أدرك مع مرور السنوات أن الذي يملك القانون هو الوحيد القادر على عزفه، ومن هؤلاء الشباب من طلق الوطن برمته، وسؤال بليغ يتردد في دواخله: “ألم تكن أرض الله واسعة؟ ألا يحق لنا أن نبحث عن قبر آخر لا يضمه تراب هذا الوطن، ومنهم من طلب اللجوء السياسي عند الفايسبوك، واختار الالتحاق بالجالية المغربية المُقيمة بهذه القارة الجديدة التي اكتشفها أمريكي إسمه “مارك زوكربيرج إليوت”.


ويتساءل، ثم يتساءل، :” ماذا بقي لنا بعد انتشار الوجوه السياسية الصفراء، كالمقاهي “واللي حمم نيفو تيقول أنا حداد”، لقد اختلط كل شيء، والذين تولوا مسؤوليات الاهتمام والعناية بنا، من مديرين ووزراء، وبرلمانيين ورؤساء جماعات، لا نراهم إلا في الأماكن التي ليس فيها “لا صداع ولا حْريك الراس”، قال الفنان ميشيل كولوش: “إذا رأيت شرطيا واقفا في مكان ما، فاعلم أنه مكان آمن، ولو لم يكن كذلك لما وقف فيه الشرطي”، وهؤلاء المسؤولون الذين يشبهون كثيرا هذا الشرطي الكسول، يعيدون بأفواه واسعة، إنتاج خطاب للاستهلاك الإعلامي، (وكانوا إلى وقت قريب نائمين في العسل). لم يعد مقبولا السكوت، يعني “اللي حشم على اللي ضرو الشيطان غرو”، وهي دعوة إلى الغضب كشكل من أشكال الاحتجاج على الظلم وعلى المحسوبية والرشوة، وابتزاز المواطنين في كل المرافق العمومية، وهي دعوة أيضا للمجتمع بإنجاب سلطات مُضادة، عبر تأسيس مراصد تُراقب عمل المُنتخبين، وكل من له علاقة بتدبير الشأن العام، هي دعوة كذلك للغضب لكي “لا يبقى الشعب في دار غفلون”.


إنه مثل دارج، يستفزنا لنغضب لحقوقنا وحرياتنا، ونعيش كبشر بحرية وكرامة، فـ”لا تؤجل غضب اليوم إلى الغد”.. و”باراكا” من الصبر، أو كما غنت سيدة الطرب العربي أم كلثوم ” للصبر حدووووووود..”


[email protected]mail.com

‫تعليقات الزوار

13
  • bila hodod
    الجمعة 25 مارس 2011 - 12:06

    رغم كل الغليان فمخزننا الشريف لم ينظف العقلية القديمة و ما زال يلعب على الوقت لنصبح أمام أمر الواقع
    هيهات كلما إنطفأت نار إشتعلت أخرى هاهي سوريا تنظم للعرب ليبدأ الشهداء في السقوط و ها هو رئيس اليمن بدأ يستسلم
    فلنترجل للإعتصامات لإسقاط الحكومة و ما جارها و تغيير العقلية الملكية إلى ملكية دستورية حققية و نطرد المتعفنين المحيطين بالبلاط
    الحكم للقانون و القضاء باي باي التعليمات

  • الشايب
    الجمعة 25 مارس 2011 - 12:10

    الشيب لاح والسن طاح واللي راح راح والله ياخذالحق فلي كان مرتاح

  • كل اتل
    الجمعة 25 مارس 2011 - 12:12

    اللي يستحي من بنت عمه ما يخلف منها ولد . والحلم سيد الأخلاق . كاد الحليم ان يكون…….

  • brahimovic
    الجمعة 25 مارس 2011 - 11:48

    أتفق معك أخي الهيثمي على عزوفنا-شباب المغرب- عن السياسة وهذا لعدة أسباب يرجع تاريخها إلى أيام الرصاص حيث تم تهميش الشباب وإسكات حناجرهم بل تم إقبارهم وترهيبهم وضل الشاب المغربي يرى ويسمع ويمتعض للوضع لكن لاحول له ولا قوة على نهي المنكر(من رئ منكم منكرافليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه)لكننننن إنما للصبر حدووووووووود
    وخروج الشباب إلى الشارع اليوم وغدا وبعد غد لذليل وأكبر ذليل على أنه “عايق أوفايق” ويرغب في نهي المنكر ليس بقلبه فقط بل بلسانه وإن اهتدى الأمر فسوف يغيره بيده
    إنما للصبر حدود

  • tsounamiiiiiiiiiiiiiiiiii
    الجمعة 25 مارس 2011 - 12:00

    les ministres detournent les bud
    jets les parlementaires defende
    nt leurs places les oulamas gardent le silence dnia mahania
    tsounamijaeeeee

  • sabra
    الجمعة 25 مارس 2011 - 11:50

    السن يضحك للسن والقلب فيه الخليعة
    ومالكم كتقلبو على الزغب في البيضة الله يهديكم وفتح بصيرتكم يا ربي امين اللللللللللللللللللللللللللللللله الوطنننننننننننننننننننننن الملللللللللللللللللللللللللك

  • صباح
    الجمعة 25 مارس 2011 - 11:52

    مقال في الصميم

  • مواطن نزيه وكريم يحب الكرماء و
    الجمعة 25 مارس 2011 - 12:02

    مقال جيد شامل لما يحدث لان من المطالبة بالتغيير وما يطلبه الشارع المغربي، صحفي متمكن وقاري لاحداث الاجتماعية والسياسية برافو عليك ياحسن الهيثمي.
    وليس مثل صحافيين لديايريدون ان يصبحوا فلاسفة كبار رغم ان خطابهم لا يفهم منه شئ يذكر.
    مرة اخرى شكرا لك ونرجو منك تقديم الافضل دائما.

  • طاطانت
    الجمعة 25 مارس 2011 - 11:58

    ليتك تهمس في آذان شباب هذا المدشر اليتيم ،الذي تؤطره أيادي مخربة لإشاعة الفاحشة وكل الرذائل : مخذرات ، خمور ،تحرشات ضد المرأة القروية ،سرقات مكشوفة ،سطو على الرصيد العقاري من طرف اباطرة الفساد ، اثارة النعرات القبلية بين الساكنة لإهداف سياسية محضة ولا علاقة لها بالتنمية كما يتم الترويج لها لدى السلطات المحلية و الإقليمية .

  • mohamd
    الجمعة 25 مارس 2011 - 12:04

    قلت واقول ويقولون وسيقولون ولا يكون الا يقوله لنا .مع المراوغة والمزايدة .الم تروا ان الجميع ركب قطار 20 فبراير وبدا المراوغة واضهار بسماته الصفراء واخفاء انيابه واضافرهحتى يتاتى له اين سيخفيهما ولا شك في ضهور الضعفاء .وهنا يحضرني مثال مغربي يقول .’والله اومففلت لا فورت ‘نطلب الاعانة من الله ان ينير لنا الطريق ويبعد عنا مصاصي الماء الى الابد. الخروج من هذا المستنقع له ثلاثة حلول في نظري .
    1(المحاسبة قبل وبعد تقلد اي مسؤولية )
    2(تحرير القضاء من اي تدخل جهة كانت )
    3(اعطاء الامثلة بالمخالفين للقانون وذلك ليس بالسجن او الحبس وانما بتجريده من كل ما امتلكه من سرقته للمال العام. والتمكير به على الصعيد الوطني ليكون عبرة للاخرين.ولله الموفق ان شاء الله لما فيه خير البلاد والعباد.امين.

  • الصديق من العرائش
    الجمعة 25 مارس 2011 - 11:54

    أسلوب لا تترك غضب اليوم إلى غد أسلوب عدائي وأسلوب غير مرغوب فيه على اعتبار أنه ما يمكن أخده باللين غالبا ما يستعصي نيله بالقوة . خد البحرين واليمن وليبيا مثالا حيا وأضف إليى هده البلدان سوريا دول عربية تتمزق وكان الأمر أول الآمر كلى الشاكلة التي يحكي عنها الأخ المحترم المندفع
    un des plus intellectuels un des anciens de ceux qui ont une vue plus aigue plus
    puissante disent
    patience et longueur du temps font plus que force ni que rage pas vrai وحتى لا أنسى شيئا مهما أن المغرب أنعم عليه الله بملك شاب طموح متفهم والله من عاكسه فسيكون ربي سبحانه له بالمرصاد وستلحقه المدلة

  • مغربي
    الجمعة 25 مارس 2011 - 12:08

    اتمنى ان يستفيق بقية المغاربة و ان ينتزعوا عنهم جلباب الخوف..
    الى الامام ايها المغاربة الاحرار

  • ندى يزوغ
    الجمعة 25 مارس 2011 - 11:56

    مقال رائع ، أهدافه واضحة و تنبض حقيقة ،أتمنى لك مسيرة صحفية رائدة ، و أقول لك فكرك راق
    بالتوفيق دوما
    ندى يزوغ

صوت وصورة
صرخة ساكنة "دوار البراهمة"
الجمعة 22 يناير 2021 - 23:11 3

صرخة ساكنة "دوار البراهمة"

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29 18

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير

صوت وصورة
دار الأمومة بإملشيل
الجمعة 22 يناير 2021 - 18:11 4

دار الأمومة بإملشيل

صوت وصورة
غياب النقل المدرسي
الجمعة 22 يناير 2021 - 14:11 1

غياب النقل المدرسي

صوت وصورة
متحف الحيوانات بالرباط
الجمعة 22 يناير 2021 - 13:20 3

متحف الحيوانات بالرباط

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 3

صبر وكفاح المرأة القروية