ليبيا تفاجئ الجميع

ليبيا تفاجئ الجميع
الخميس 12 يوليوز 2012 - 13:34

على عكس كل التوقعات، وخلافا لموجة الإسلام السياسي التي انتشرت في دول ما بعد الثورة، جاءت الانتخابات الليبية لتكسر المد الإسلامي من جهة ، وتعيد الروح في التوجهات اللبرالية والعلمانية بعد نكستي مصر وتونس. فمن كان يتوقع فوز تيار لبرالي مدني في دولة عرفت انتشار مظاهر التدين خلال الثورة على القدافي وبعدها؟ وهل تسرع العالم عندما أضفى الصفة الإسلامية على الثورة الليبية؟ فهل يكفي سماع صيحات التكبير والتهليل ومشاهدة الرجال الملتحين لوسم مجتمع ما بالتشدد أو التأسلم السياسي؟ أم أن القبلية والمصالح الشخصية كانت أكبر من الايدولوجيا؟ أم أن نظرية ماكس فيبر تجد تطبيقا لها في ليبيا؟.

لقد تطرق ماكس فيبر إلى مسألة الدين والحاجة إليه أيام الحرب، معتبرا أن الإنسان، بشكل عام، يحتاج إلى الدين في ظروف الحرب لأجل الاندفاع و خلق الحماسة، فحتى الملحد تلزمه أيديولوجيا معينة تدفعه للمضي قدما لمجاهدة العدو، ولن يكون هناك أفضل من الدين لكي يتحقق للمحارب ذلك، مادام الدين يَعد الإنسان بالخلود في الجنة إذا مات من أجل قضية.

ربما تصدق نظرية فيبر على ليبيا وربما لا تصدق، لكن الأهم هو أن الشعب الليبي أنجز ثورته، “الدموية”، ولأن القاعدة الذهبية في العلوم السياسية تقول “السياسية هي الامتداد السلمي للحرب” ، فإن المواطن الليبي توجه صوب صناديق الاقتراع لاستكمال ثورته وانتخاب المجلس التأسيسي الذي سيضع، يؤمل، أن يكون دستورا ديمقراطيا، تعبر من خلاله البلاد قنطرة الديمقراطية وتغادر منطقة التخلف والاستبداد والفوضى.

فبعد نصف قرن، عاشها الإنسان الليبي كرعية بدون حقوق، توجه أكثر من 3 ملايين ليبي لمراكز الانتخاب لاختيار ممثليهم في المجلس التأسيسي بطريقة ديمقراطية. حيث شارك في الانتخابات أكثر من 200 كيان سياسي للتنافس على 200 مقعد في المجلس التأسيسي منها 80 مقعدا جرى التنافس عليها بين الأحزاب والقوائم، بينما خصصت 120 مقعدا للأفراد ، وتم تخصيص مجموعة من المقاعد لكل منطقة ( برقة، الغرب والشرق)، ورغم التحفظ الذي أبداه أبناء المنطقة الشرقية، والتي عاصمته بنغازي مهد الثورة، المطالبين بمقاعد إضافية لمنطقتهم أو الراغبين في نظام الفيدرالية، نقول رغم ذلك وما رافقه من أحداث عنف، إلا أن الانتخابات الليبية عرفت مشاركة مكثفة تجاوزت 60 في المائة، وشهدت بنزاهتها مختلف المنظمات الحقوقية.

وأما المفاجأة الكبرى التي أحدثتها الانتخابات الليبية، فتمثلت في التقدم الملموس الذي حققه التيار اللبرالي، الذي ينعته خصومه بالعلماني، فعلى عكس كل الآراء المسبقة التي حكمت على ليبيا بالتطرف الإسلامي، جاءت الانتخابات بتيار لبرالي مدني مسلم وليس إسلاميا،( لا نتحدث ههنا عن فوز كاسح للتيار اللبرالي، وإنما نتحدث عن تقدم ملموس، وإن كان مجرد تساوي أو تقارب النتائج بين التيار اللبرالي والتيار الإسلامي، يعتبر فوزا للأول قياسا على التوقعات وعلى نتائج الانتخابات في الدول المجاورة) مؤكدة الفرضية القائلة “الدول التي تسلك التشدد الديني يفوز فيها اللبراليون، بينما يفوز الإسلاميون في الدول التي تتبني التطرف العلماني” فهذه الفرضية تجد لها تطبيقا في ليبيا وتأكيدا في كل من مصر وتونس، إذ فاز التيار الإسلامي في كل من مصر وتونس، نظرا للتطرف الذي سلكه كل من مبارك في مصر وابن علي في تونس، وخاصة في الأخيرة التي عرفت ما يسمى تجفيف منابع التدين. بينما كان للناخب الليبي رأي آخر كسر من خلاله المد الإسلامي وجعل ليبيا تتجه لبراليا وتكذب كل التكهنات.

وجدير بالذكر أن الانتخابات الليبية تنافست فيها ثلاث توجهات كبرى، تمثلت في التيار اللبرالي، الذي تقدم في الانتخابات، والذي يتشكل من تحالف القوى الوطنية وهو ائتلاف ينضوي تحت لوائه 65 حزباً ليبرالياً، ويتزعمه محمود جبريل وهو رئيس وزراء المعارضة خلال الانتفاضة الليبية والذي دأب على القول طيلة الحملة الانتخابية “هل يظنون أنهم مسلمون أكثر منا؟”، رغم أنه لا يشارك بنفسه في الانتخابات ولا يمكنه أن يتحمل أي منصب عام لتعارض ذلك مع القانون الذي مٌنع بموجبه كل من تحمل المسؤولية التنفيذية خلال المرحلة الانتقالية، من تحمل أي مهمة حكومة خلال الأعوام التالية.

وأما التيار الإسلامي فهو منقسم بين حزبي العدالة والبناء و “الجبهة الوطنية” ، فالأول يعد الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، وأٌنشئ في 3 مارس 2012 – على غرار حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لحركة الإخوان المسلمين في مصر، وانتخب لرئاسته محمد صوان وهو معتقل سياسي سابق في عهد القذافي. بينما يقود حزب الوطن أو الجبهة الوطنية للإنقاذ عبد الحكيم بلحاج وهو أبرز وجوه المعارضة المسلحة التي حاربت القدافي قبل الثورة من خلال “الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة” ( يذكر أن بلحاج راجع ماقفه الفكرية ورفض مبدأ التشدد) وخلال الثورة من خلال المجلس العسكري في طرابلس، كما يدعمه رجل الدين علي الصلابي الوثيق الصلة بدولة قطر. فهذا الحزب انبثق عن جبهة الإنقاذ الليبية ذات التوجه الإسلامي والتي شكلها في الخارج معارضون في المنفى في عهد نظام القذافي.

إذن، انتهت الانتخابات الليبية وأفرزت تقدما للتيار اللبرالي، وهدمت كل التوقعات وعاكست الموجة الإسلامية، مقدمة صورة أخرى عن المجتمع الليبي، الذي ظل الجميع يعتقد أنه إسلاميا متشددا، وصدقت مقولة كل “مفروض مرفوض، وعندما تتشدد الدول تعتدل الشعوب”. كما يبدو أن التغيير الذي حدث في صندوق جمجمة المواطن الليبي انعكس على صندوق الانتخابات، وأتمنى أن تسير الأمور على هذا النحو الديمقراطي وألا تَخيب آمالنا في الشعب الليبي.

‫تعليقات الزوار

10
  • said
    الخميس 12 يوليوز 2012 - 14:06

    الذي أدهشني حقا،واستفذته من الدرس الليبي، هو أن الإسلامين أكثر ديمقراطية من العلمانيين!لقد أدهني فعلا إقرارهم بالنتائج رغم أن في أيدي ثوارهم الذين أسقطوا القذافي ملايين القطع من السلاح الخفيف والثقيل! بينما نجد العلمانين العرب ،المتشدقين بالديمقراطية، كثيرا ما يلجأون في حالة فوز الإسلاميين إلى تأييد الإنقلابات العسكرية على الديمقراطية وإلى مختلف أنواع المؤامرات!

  • Anir amazigh
    الخميس 12 يوليوز 2012 - 14:18

    الاعلام هو من ضخم من حجم التيارات الاسلامية

  • احمد
    الخميس 12 يوليوز 2012 - 16:57

    على ليبيا ان تقوم بالتوازن الحظري بعد الانتخابات الديموقراطية الاخيرة بجميع مناطقها للانتفاع العمومي و العام و اعطاء نمودج عن حقيقة هدا الدين الدي اتوا به مهللين و مكبرين و نطالبهم باالصمود على العقيدة و مبادئهم و قابليتها على التفاعل مع المحيط و الاستزادة في تهليلهم و تكبيراتهم

    الله اكبر

  • عابر وحيد
    الجمعة 13 يوليوز 2012 - 12:34

    لصاحب التعليق الاول
    من الصعب اصدار الاحكام لانك على ما يبدو تجهل معنى الدمقراطية ومعنى العلمانية بل حتى الاسلام نفسه

  • سبب فشل الإسلاميون في ليبيا
    الجمعة 13 يوليوز 2012 - 17:44

    شيء طبيعي أن لايفوز الإسلاميون في الإنتخابات الليبية بعدما تتبع الليبيون ماشهدته تونس جارتهم، من فتن وقلاقل وقتل واضطرابات في المجتمع التونسي وحرق لممتلكات المواطنين! تسبب فيها كما في علم الجميع الإسلاميون المتطرفون وخصوصا منهم مايدعون بالسلفية الجهادية!
    هدا دون أن ننسى أيضا ماوقع لجيرانهم الشرقيين في مصرعندما فقد الإسلاميون في ظرف وجيز لايتعدى خمسة أشهر أكثر من 55 في المئة من شعبيتهم! بعدما كانوا من قبل قد اكتسحوا البرلمان المصري! لكنهم سرعان ماتراجعوا لما انكشفت حقيقتهم في المحطة الأولى! لأنهم فشلوا حتى في تسيير الشأن البرلماني وبدلك خيبوا ظن الشعب فيهم. لأن الخطاب الشعبوي القديم لديهم قد اصطدم هده المرة بالواقع عند تسلمهم للسلطة .وهدا قد لاحظناه جميعا في الإنتخابات الرئاسية الأخيرة، بحيث لم يفوز محمد مرسي ممثل (الإخوان المسلمون) إلا بأصوات ضئيلة 13 مليون صوت مقابل 12 مليون ونصف مليون صوت لمرشح أحمد شفيق (العلماني) بعدما أيضا كان قد قاطع أزيد من نصف الشعب المصري الإنتخابات الأخيرة نظرا لعدم إقتناعهم بالمرشحين المدكورين محمد شفيق وأحمد مرسي.
    لأن 60 مليون مصري هم من لهم حق التصويت.

  • arsad
    الجمعة 13 يوليوز 2012 - 23:24

    لايجد في العالم حزب اسلامي وانما هي مراجع فقط وفي المراجع قديلتق الكل كما يمكن ان يفترق الكل وفوز البراليين اوغيرهم في ليبيا راجع لمنظور القبلية التي بني على اساسها المجتمع اليبي اما سقوط العلمانيين في تونس ومصر وتراجعهم في المغرب راجع الى كونهم وبافكارهم الحدثية الغربية لقت اعتراضا ورفض من قبل هده الشعوب المحافضة وستنجدوا بالاستبداد والدكتاتورية التي وضعت لهم كل الامكانيات في سبيل كبح جناح الاسلاميين الدين يعتبرون بالمتشددين في نظر الصلطة ولكن مع هده الامكانيات والصلطة التي سلمت لهم تحولو الى مفسدين وناهبين للمال العام والداعين الى الانحلال الخولقي والرافضين لدمقراطية الحقيية ومتشبتين بتفريق الطبقات بحتكارهم لصلطة وتزوير الانتخبات وما كان من الشعوب الا ان تدفع ثمنا غاليا في سبيل ازاحتهم والبحث عن منطلق جديد

  • albol3wani
    السبت 14 يوليوز 2012 - 18:40

    ا لتيارات الاسلامية برهنت وبلملموس بانها هي من تطبق الديمقراطية لان وفي الدول التي فازت بالانتخابات فيها عمد العلمانيون على خلق البلبلة ومحاولة زعزعة الاستقرار داخل هده الدول وذلك بواسطة بقايا الانظمة السابقة التي لازالت تسيطر على بعض القطاعات واستغلال الفقر التي تعاني منه هده الدول.

  • الليبرالي = الاخواني
    الإثنين 16 يوليوز 2012 - 20:33

    سير قرى شوية و ابحت على الحزب الليبرالي لي نجح في ليبيا عاد اجي اهدر تكتب بلا معرفة فتظل و تظل الليبرالي عندهم في ليبيا هو الاخواني عندنا في هذا البلد العزيز و قد اندهشت عندما قرأة قرار الحكومي الموجه الى المسؤولين على التربية و التعليم بتخصيص مدارس خاصة بالانات و أخرى بالذكور لأن الاختلاط ليس من شيم الليبين و يخالف أخلاقهم و تصور المجتمع الليبي و يدعوه الى تخصيص مدارس لذكور و اخرى للإنات يمكن ان تكون تنطح لنطح و ان تدعي الفهم بالرغم من عدم إلمامك بالامور و يمكن ان تكون من الباحتين على إلباس الاشياء غير لباسها او تسمي الاشياء بغير مسمياتها لغرض هو في نفسك

  • مسلم مغربي امازغي
    الثلاثاء 17 يوليوز 2012 - 20:52

    يبدولي من خلال مقاليك انك متعصب للبراليتك وبعيد كل البعدعن الموضوعية وكان الاسلاميين اذافازوا في بلد ما يعتبر ذنبا لايغتفر وكان القيامة قامت.وبررت فشل الاسلاميين في ليبيا بتبريرات بعيدة كل البعد عن الواقع.انني اقول لك من خلال هذا المنبروبصريح العبارة التيل لالبس فيها.ان الاسلام ءات ءات ءات شئت انت وامثالك ام ابيتم. انظرماذا وقع في تركيا.فبعد اربعة عقود من العلمانية.هاهو البلد يعود الى جادة الصواب. وانظر الى الفلسطينيين يمنحون اصواتهم للاسلاميين وانظر الى تونس فالمغرب فمصر برلمانا ورئاسة. وقبل هذه البلدان بعقدين من الزمان الجزائر.ان زمانكم يامعشر بني علمان قد ولى بغير رجعة .ولن يفيدكم تشكيككم في هذا الدين مهما حاولتم. فبالامس نشرت علينا ترهاتك وخزعبلاتك حول الرجم في الاسلام وتريد ان تشكك المسلمين في نصوص الوحي الذي هومن صميم عقيدتهم.اقول لك ان هذا الموضوع بعيد عليك بعد المشرقين. دع الموضوع للمتخصصين فيه. وتسلى انت بعلمانيتك ولبراليتك وراسماليتك التي بدا نجمها في الافول وتحاول ان ترد عقارب الساعة الى الوراء. واخيرا انصحك ان تعيد النظر في فكرك وتعود الى رشدك قبل ان ياتي يوم ت ندم فيه

  • عادل
    الأربعاء 18 يوليوز 2012 - 00:07

    دليل ديمقراطية العلمانيين هو مساندتهم الرئيس المصري الإخواني في مصر
    في مواجهة العسكر على عكس ماتدعي بعض التعليقات المناهضة للتيارات العلمانية.

صوت وصورة
آراء مغاربة في لقاح كورونا
السبت 23 يناير 2021 - 15:41 19

آراء مغاربة في لقاح كورونا

صوت وصورة
أسرة تحتاج السكن اللائق
السبت 23 يناير 2021 - 14:52 7

أسرة تحتاج السكن اللائق

صوت وصورة
كروط ومقاضاة الداخلية لزيان
السبت 23 يناير 2021 - 13:31 9

كروط ومقاضاة الداخلية لزيان

صوت وصورة
محمد رضا وأغنية "سيدي"
السبت 23 يناير 2021 - 11:40 1

محمد رضا وأغنية "سيدي"

صوت وصورة
صرخة ساكنة "دوار البراهمة"
الجمعة 22 يناير 2021 - 23:11 10

صرخة ساكنة "دوار البراهمة"

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29 29

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير