ما أنا بكاتبة

ما أنا بكاتبة
الجمعة 25 أكتوبر 2013 - 21:22

– اكتب

– ما أنا بكاتب.

– أكتبي

– ما أنا بكاتبة

صوت السوط و الصراخ من الألم صم أذني كما أن قدماي بالكاد يحملنني من شدة الوهن و قلبي يرتجف من بين ضلوعي من شدة الخوف، و لكن هذه الأحاسيس لم تمنعني أن أبحث عن أي مكان أختبئ فيه قبل أن تلسعني ضربة من ضربات السياط التي توزع بشكل هستيري و بدون انتقائية و هي تأمر كل من يمر بجانبها رجلا أم امرأة، طفلا أم شيخا بأن يكتب. إلاهي ما حكاية

هذه ” اكتب” المقرونة بلحن السوط و صرخة الألم؟ و أين أنا؟ و ما حكاية هذه القرية المجنونة العجيبة؟

كل ما أعرفه هو أن سيارتي تعطلت، و قفت فجأة لتوصلني إلى هذا المكان المشؤوم. كنت أريد أن أمضي نهاية الأسبوع في أحد الفنادق الفاخرة بمدينة مراكش المدللة، أردت أن أمنح لنفسي لحظات من الترف و الإحساس بالذوق الرفيع. منذ زمن و أنا أشعر أنني على حافة الانهيار. أتوق إلى شيء مختلف، سماع موسيقى راقية، قراءة كتاب نادر الوجود، مصادفة معرض فني ملهم… الحقيقة أن حكايات شباط و بنكيران أتخمتني و جعلتني أشعر بالقرف من كل شيء.

أعرف في أعماقي أنه ليس شباط و بنكيران من يزعجاني فعلا و أن ذنبهما الوحيد هو أن لهما موهبة خارقة في فن الاستفزاز. و لهذا دون أن أشعر أجدني أسقط عليهما كل المشاكل السياسية و الاقتصادية و أفرغ فيهما كل حنقي و غضبي و ضجري. أعرف في أعماقي أن ذلك لن يفيد في شيء. أعرف أن ما يقرفني فعلا أشياء أخرى غير مرئية و غير مفهومة. الأزمة الاقتصادية العالمية التي ظهرت فجأة، الثورات العربية التي لا أحد يدري متى و لا كيف ستنتهي، تسارع الأحداث بالشرق الأوسط، المناوشات التي تصيب المغرب بين الفينة و الأخرى و التي تبدو مفتعلة و غير بريئة، اعتقال أنوزلا الذي لم أستطع أن أستسيغه من الناحية الإنسانية و يجعلني دائما أتساءل بين نفسي كيف يمكن أن نسجن من أجل كلمات مبعثرة هنا و هناك فوق شاشة الحاسوب؟

فكرت بسخرية كيف أن هذه القرية الملعونة تعذب أهلها ليكتبوا و أنوزلا في السجن لأنه يكتب. و لكن أليس صحيحا أنه في نهاية المطاف و إن اختلفت الأهداف فالوسيلة واحدة: القمع و الترهيب.

اشتد صوت السوط أكثر و احتد معه الصراخ أكثر مما جعل العرق يتصبب من جبيني من شدة الرعب و بدا لي في هذه اللحظة بالذات أن كل ما كنت أفكر فيه في الماضي ترفا فكريا لا قيمة و لا معنى له. عقلي أخذ يشتغل بسرعة الضوء لعله يهتدي إلى خطة أنجو بها بجلدي من هذه القرية البلهاء. كنت أريد فقط أن أعيش و ألا تلسعني ضربات السوط.

فجأة توقف الصراخ و توقف معه صوت السوط، و ذهب الجلادون إلى حال سبيلهم بخطى آلية و بدون أن ينبسوا بأدنى حرف إضافي و اختفوا في الأفق و لم يعد لهم أثر كأنهم لم يكونوا قط. و تفرق الأهالي و عم القرية صمت رهيب. و لا مخلوق يتحرك. فقط أوراق الأشجار تتمايل و كأنها ترقص على نغمات لحن حزين.

تذكرت سيارتي المعطلة و قررت أن أستجمع كل قواي لمحاولة إصلاحها لعلي أتمكن من مغادرة القرية و الهروب إلى الأبد. و لكن دون جدوى. النساء و الميكانيك أمران لا يجتمعان. ندمت لماذا لم أرغم نفسي على أخذ دروس في ميكانيك السيارات. و شعرت بغصة في حلقي و برغبة شديدة في البكاء. لعنت حظي العاثر و صرخت بحدة ألوم نفسي لماذا لا أشبه بطلات الروايات و لماذا بدل أن يمد لي رجل قوي و وسيم يده ليساعدني في إصلاح سيارتي كما في الأفلام أجدني و حيدة مع سيارتي في قرية محاطة بتلة من الحمقى و المعتوهين؟

اجتاحتني مشاعر كثيرة مختلطة بين الإحباط و القلق و اليأس و الضياع، جلست القرفساء متكئة على عجلة السيارة أركز نظري على أوراق الأشجار و هي تتمايل و ذهني شارد تماما. تمنيت في هذه اللحظة لو كنت ورقة من أوراق الأشجار، مختفية تماما عن الأنظار، تعيش حياتها الطبيعية دون أن يضغط عليها أحد أو يحرجها أحد أو ينتبه إليها أحد. ذهني كان مركزا فيما يمكنني أن أقوله لأهالي هذه القرية و هل سيفهمونني؟ تخيلتهم متوحشون كالهنود الحمر في الأفلام الأمريكية. و أخذت أتخيلهم سيختطفونني و سيعذبونني و سيخضعونني لطقوسهم الغريبة. و كم من الوقت يمكنني أن أعيش كالفأرة مخبأة في جحري بعيدة عن عيون أهالي القرية؟ و ماذا لو عثر علي أحدهم، حتما سيعتبرني فريسة أو جاسوسة و قد يجعلون مني أضحيتهم؟ و لو طلبت منهم المساعدة بلطف، هل سيتعاملون معي بالمثل؟

و أنا أفكر في كل الاحتمالات بقلق شديد، وصل إلى مسامعي صوت ضحكات رقيقة مرحة و سمعت هرجا و مرجا و صخبا، أدرت عيوني أبحث عن مصدر الصخب، فإذا بي أتفاجأ برؤية أناس كثر يرتدون أجمل الثياب و كأنهم متأهبون لحضور حفل كبير و يتهامسون و يضحكون و يتحدثون بمنتهى اللطف و المرح. إنهم نفس الرجال و النساء و الشيوخ و الأطفال الذين كانوا يصرخون قبل قليل من الألم و يصيحون ” ما أنا بكاتب، ما أنا بكاتبة”.

بينما كنت أحدق في المنظر باستغراب كبير، فإذا بنظراتي تلتقي بنظرات إحدى السيدات ثم أخذت تهمس إلى زميلتها و هي تشير إلي، و فهمت أنهم يتحدثون عني، و بسرعة البرق انتشر الحدث بين الأهالي و وجدت نفسي محط فضول كل أهالي القرية و هم يحدقون في باستغراب. رأيت أحد الأشخاص يعطي أوامره لجماعة كانت بقربه. كان واضحا أن ذلك الشخص له مكانة جد مرموقة بالقرية لأن الجميع كان يحاول أن يتقرب إليه كما أنهم كانوا يتحدثون إليه باحترام و خوف كبيرين. كان قصير القامة و ضخم الجثة و له شارب كث و يرتدي هنداما أنيقا و مزركشا بألوان كثيرة مبتهجة فمنحته طلة شبابية لا تناسب سنه و لكن جعلته جذابا و حيويا.

رأيت الجماعة تتجه نحوي و كلما اقتربت مني كلما بدا لي أن نهايتي اقتربت. و لما أصبحت أمامي، اشتد بي الخوف أكثر لكني و جدتها تخبرني بمنتهى اللطف و الترحاب أن كبيرهم يدعوني لأشارك معهم حفلهم بمناسبة انتصارهم على أعدائهم. استغربت كيف أنهم لم يهتموا بمعرفة اسمي كما لم يسألوني حتى من أكون و لا من أين أتيت و لا ماذا أفعل هنا. و لم يكن لي خيار آخر إلا أن أذعن لطلب كبيرهم و أنا أدعو الله أن أحسن التصرف و ألا أسبب لنفسي في مأزق دبلوماسي حرج قد يهدد حياتي. وعدت نفسي أن ألتزم الصمت و الحذر و ألا أتحدث أو أعلق أو أسأل إلا إذا طلب مني ذلك كما وعدت نفسي أن أحاول أن أحترم و أتفهم ثقافتهم و تقاليدهم مهما بدت لي غريبة و مختلفة عن قناعاتي. ففي النهاية تلك قريتهم و هم أحرار في اختيار طريقة حياتهم.

انطلق الحفل، اصطف جميع الأهالي في ساحة كبيرة في الهواء الطلق. أما كبيرهم فقد كان يجلس في المنصة فوق أريكة ضخمة و مريحة و بحواره سيدتان حسناوان تبدو من نظراتهما أن لهما نفوذا كبيرا في القرية و أنهما تتمتعان بشخصية قوية. كانتا تجلسان بخلاعة و تعملان على مداعبته بين الفينة و الأخرى و تهمسان في أذنيه بدلال و كان يرد على دعاباتهما بأن يضحك باستمتاع و يطبطب على مؤخرتيهما. المنظر بدا لي مقرفا و استغربت كيف أن الأهالي غير مكترثين البتة بما يحصل فوق المنصة. نظرت إلى السيدتين بازدراء و احتقار و يبدو أن إحداهما لاحظت نظراتي المشمئزة فقابلتني بنظرة كلها تحدي و تعمدت أن تقبله قبلة طويلة و بمجون أكبر و هي تنظر من طرف عينيها إلي.

شعرت باحمرار في وجنتاي لأنني أدركت أنها تتعمد أن توجه لي رسالة مشفرة و أدركت أن نظراتي المحتقرة استفزتها و أنني أدخلت نفسي في حرب أنثوية باردة معها. تذكرت أنني كنت قد وعدت نفسي أنني لن أحكم على أحد أبدا و أنني سألتزم الحياد الإيجابي و فطنت أنني لم ألتزم بعهدي و أدركت أن هذا الأمر قد يكلفني غاليا و خاصة أنني كنت قد تعبت من صراعات القيم و أدركت مع الوقت أنها صراعات فارغة لأنها ستكسبك فقط عداوات مجانية و ستضعفك مع الوقت. ابتسمت إليها ابتسامة خفيفة و أومأت برأسي كأني أريد أن أعتذر لها عن سوء الفهم الذي حصل، أجابتني بابتسامة عريضة و ابتعدت قليلا عن كبيرهم كأنها تريد أن تطيب خاطري.

بعد هنيهة، ترنح كبيرهم و فهمت القاعة بأنه سيبدأ الكلام فالتزم الجميع الصمت و بدأ يخطب بصوت حماسي و قوي قائلا ” أبناء عشيرتي و إخواني، لا بد أن نحتفل اليوم بنصرنا العظيم على هؤلاء الأوغاد الذين يلقبون أنفسهم بدعاة الحرية و الديمقراطية الجدد، و أبشركم بأننا فضحناهم و عريناهم أمام الملء، ففي هذه اللحظة بالذات، العالم بأسره سيرى هول جرائمهم و العنف الذي اقترفوه ضدنا باسم نشر الحرية و الديمقراطية. حريتهم و ديمقراطيتهم هم و ليست حريتنا و ديمقراطيتنا نحن.

العالم بأسره سيرى كيف أن سياطهم كانت موجهة بشراسة إلى أجساد رجالنا و نساءنا و شيوخنا و أطفالنا لأننا رفضنا أن نكتب أملاءاتهم و اخترنا أن نعيش كما اعتدنا نحن أن نحيا. أبناء عشيرتي و إخواني، لا نريد أن نكتب و لن نكتب لأننا اخترنا أن نعمل و أن نعيش. اخترنا أن نتزوج و أن ننجب و أن ننتج و أن نتعايش مع بعضنا و أن نزور بعضنا البعض باستمرار و أن نسأل عن أحوال بعضنا و أن ندبر خلافاتنا مع بعضنا البعض شفهيا لأننا نثق في بعضنا. الكتابة اتركوها للمكتئبين. اتركوها لهؤلاء الذين يتخيلون الحياة دون أن يعيشوها. أبناء عشيرتي و إخوتي، العالم بأسره سيرى جرائمهم، و لكن لا أحد إلا نحن سيعلم كيف خدعناهم و كيف نجيناكم من ألم السياط عبر ارتدائكم أقمشة واقية للألم. فضميرنا لن يسمح لنا أبدا أن نعرضكم للألم لأن ألمكم ألمنا. فاحتفلوا و استمتعوا بنصركم ولكن لا تجعلوا فرحتكم و احتفالكم ينسيكم إكرام ضيفتنا، هذه الزائرة التي حلت إلى قريتنا بمحض الصدفة لتكون شاهدة حية على وحشية وبربرية دعاة الحرية و الديمقراطية الجدد، و إنني بهذه المناسبة أبشرها بأن سيارتها قد أصلحت. فلنحتفل نخب استمرارنا و صمودنا”

استحسن الأهالي كلمة الكبير كثيرا، كما أنني فرحت كثيرا بالتفاتته النبيلة اتجاهي و اتجاه سيارتي، فصفق الحاضرون بحرارة و وجدتني أصفق معهم بحماس كبير، و راحت الأهالي تهتف بحياة كبيرهم و هم يشعرون أنهم أنقذوا من خطر كبير كان يهدد قريتهم.

بعد ذلك أخذوا يرقصون و يشربون، يشربون و يرقصون ، و ظلوا على هذه الحالة إلى أن حل الصباح.

في الصباح ، شكرت أهالي القرية على حسن ضيافتهم و أثنيت كثيرا على كبيرهم كما لم أنس أن أقبل بحرارة السيدتان اللواتي كن فوق المنصة. ركبت سيارتي ، أدرت مفتاح السيارة، وضعت يدي فوق المقود ، أطلقت الفرامل اليدوية، ضغطت برجلي على دواسة دبرياج ثم على دواسة البنزين و تحركت السيارة أخيرا و تحرك معها قلبي من جديد. و دون أن أدري و رغما عني و بعد كل ما عشته وجدت لساني يردد ” السياسة اتركوها للمكتئبين”.

‫تعليقات الزوار

2
  • AGDIR
    الأحد 27 أكتوبر 2013 - 11:48

    المجتمع الذي لايقرا ولا يكتب مجتمع ميت ومحنط ولذلك فالانظمة التي تقمع الفكر الحر والكاتب المتميز والمشاغب الذي يكشف الحقيقة ويعريها منورا العقول والالباب ليخرجها من الظلمات الى النور انظمة متخلفة ومتاخرة تخشى من العلم والمعرفة لان ذلك يعارض مصالحها لكن ينبغي علينا ان نساهم باقلامنا وبفكرنا المتنور على تغير الوضع الراهن وان ندفع الثمن غاليا وان نتحدى الطغاة كما تحدونا وقهرونا بالرصاص و الاضطهاض انه رهان دستور ما بعد 2011

  • حسن
    الثلاثاء 29 أكتوبر 2013 - 12:39

    كنت أتمنى ان أصير ملكا او قائدا متسامحا مع رعيتي في كل الأمور إلا في رغبة واحدة أعد نفسي متسلطا. بدل الخدمة العسكرية الإجبارية أسن خدمة إجبارية لمدة غير قصيرة لخدمة العقل و تنويره و تزويده بنور التطلع و الفضول و الرقي وخوض بحار الشك و المجهول. أذا تحررت عقولنا بات كل شيئ هينا.

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 1

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 1

رسالة الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
العروسي والفن وكرة القدم
الجمعة 15 يناير 2021 - 15:30

العروسي والفن وكرة القدم

صوت وصورة
أوحال وحفر بعين حرودة
الجمعة 15 يناير 2021 - 13:30 3

أوحال وحفر بعين حرودة

صوت وصورة
تدخين السجائر الإلكترونية
الجمعة 15 يناير 2021 - 10:30 4

تدخين السجائر الإلكترونية

صوت وصورة
حملة أبوزعيتر في المغرب العميق
الخميس 14 يناير 2021 - 21:50 36

حملة أبوزعيتر في المغرب العميق