ما الذي كشفت عنه الفيضانات الأخيرة؟

ما الذي كشفت عنه الفيضانات الأخيرة؟
الأربعاء 10 دجنبر 2014 - 14:15

شكّلت الفيضانات التي عرفتها العديد من المناطق المغربية، محطة أساسية لتقييم مجموعة من سياسات الدولة، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية، أو بالنية القانونية والسياسية، أو بكفاءة أجهزة الدولة، أو بفاعلية المجتمع المدني، أو بحيوية الإعلام المغربي.

تسعى هذه المقالة إلى رصد أهم النواقص التي يعرفها المجتمع والدولة المغربيان، بخصوص التعامل مع أحداث ” فجائية ومتوقّعة في الآن نفسه” من قَبيل الفيضانات. إذ يمكن تسجيل أربعة مستويات يمكن أن من خلالها رصد ما عرّته الفيضانات الأخيرة:

أولا: ساهمت الفيضانات أكثر في تعرية واقع البنية التحتية التي أُنجزت منذ نيل المغرب لاستقلاله العسكري، فالسدود لم تستطع استيعاب إلا الجزء البسيط من مياه الأودية، وأغلب امتلأ بعد 5 أيام من التساقطات، وذلك راجع لعدة أسباب من صمنها أن السدود إما أنها تعاني من نسبة توحّل كبيرة، أو أنها ليست بالحجم الذي يمكنها من مواجهة الحمولة الكبيرة للأودية ( لا تتسع السدود إلا لحوالي 15 مليار متر مكعب من المياه، في الوقت الذي تستقبل الأودية والمجاري المغربية ما يفوق 34 مليار مكعب)، كما أن نقصا واضحا تعرفه السدود في المناطق الجنوبية التي شهدت أخطر الفيضانات (تحولت مدن كلميم و تيزنت، وطاطا، ومحيط سيدي افني إلى ما يشبه البرك المائية)، وهو ما يستدعي بناء سدود جديدة في هذه المناطق. أما السبب الآخر فعائد إلى كون المغرب يفتقد إلى التقنية التي ينصح بها الخبراء المتلعقة بتسريب المياه إلى البرك التي تقع في جوف الأرض، وذلك من أجل تقوية الفرشة المائية، واستيعاب منسوب أكبر من مياه الأمطار.

يضاف إلى ذلك، أن الفيضانات أبانت عن ضعف كبير في الطرق والقناطر التي شيدت منذ الاستقلال، إذ أن الكثير منها جرفها السيل وتحولت إلى أشلاء في الأيام الأولى للأمطار، وهو ما يسائل سياسة “الأوراش المفتوحة والمتنقلة”، ويسائل بنية المراقبة والتتبع. أما الانكشاف الأساسي الذي حدث مؤخرا فهو ما يتعلق بسياسة تدبير المدنية، إذ لوحظ أن الكثير من الأحياء شُيّدت في مناطق جريان الأنهار الكبرى (بعض أحياء كلميم وإنزكان…)، وذلك بترخيص من السلطات المحلية، كما أنا مدنا أخرى تفتقد إلى عنصر الحماية من الفيضانات (تيزنيت وسيدي افتي مثلا)، إذا إن هذه المدن تضل معرضة للأنهار المحيطة بها، وهو ما قد يعصف بها بعد كل تساقطات مهمة؛

ثانيا: لوحظ على مستوى الواقية المدنية، أن المغرب لا يتوفر على الخبرة والمعدات الضرورية للتعامل مع الأحداث الخطيرة، فما كشفت عنه الفيضانات هو وسائل نجدة محدودة للوقاية المدنية (تسببت المعدات أحيانا في إزهاق الأرواح بدل نجدتها)، فالوقاية المدنية المغربية تفتقد للمروحيات التي تكون هي محور عملية الانقاذ خلال الفيضانات، (ظلت قرى محاصرة لعدة أيام نظرا لعدم وجود مسالك)، كما أن عديد أفراد الوقاية المدنية لا يمكنه أن يلبي مطالب الاغاثة (أربعة من رجال الوقاية المدنية كان عليهم إنقاذ 12 غريق بناواحي طاطا)، رغم أن هناك صندوقا تحت تصرف وزارة الداخلية يسمى “إنعاش ودعم الوقاية المدنية” يخصص له قانون المالية سنويا 200 مليون درهم.

وعلى عكس العديد من دول العالم، فإن الدولة المغربية تفتقد للتدابير الوقائية ولثقافة النجدة الاستعجالية، فالمغرب لم يشكل خلية للطوارئ قبل الأحداث، ولم يلعن عن حالة التأهب القصوى إلا بعد هلاك أكثر من 30 مواطنا، كما أن آليات الجيش لم تتدخل في عمليات الانقاذ إلا بعد مضي أيام على الفيضانات، وبعد منشادات متكررة. علاوة على أن سياسة المركزية ظلت مسيطرة على العقل السياسي المغربي حتى بعد وقوع الكارثة، إذا لم نصادف تنقل مسؤولي الدولة إلا أماكن الحدث إلا بعد مسافة زمنية تعتبر طويلة في عرف الكوارث؛

ثالثا: على المستوى السياسي والقانوني يبدو أن المغرب لايزال وفيا لروح الممارسة السياسية لما قبل الدستور المعدل سنة 2011، فرئيس الحكومة ووزرائه في التجهيز والنقل والداخلية، لم يصدر عنهم أي فعل قوي إلا بعد صدور التعليمات الملكية المباشرة لوزارة الداخلية لتقديم المساعدات للمواطنين، في الوقت الذي ينبغي فيه صدور هذا القرار عن مؤسسة رئاسة الحكومة التي تشرف على السياسات العامة. فرئيس الحكومة هو الرئيس المباشر لوزير الداخلية، والحكومة هي التي ترصد الموارد المالية للصناديق العشر التي توجد تحت تصرف وزارة الداخلية ومن ضمنها صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية الذي يخصص له قانون المالية سنويا 200 مليون درهم، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن يتدخل رئيس الحكومة من أجل إصدار أوامره للوزراء الموجودين تحت إمرته بهدف تقديم المساعدات الضرورية للمناطق المنكوبة دون انتظار الضوء الأخضر من المؤسسة الملكية، فالحكومة هي جهة منتخبة ـــ من الناحية الدستورية على الأقل ـــ ومن واجبها أن تُظهر قربها الواجب من المواطن عندما يحتاجها، لأنه من غير المقبول أن تُنسب السلبيات للحكومة في الوقت الذي “تحرم” فيه من فعل ما هو إيجابي للمواطن. لكن هذا لم يحصل ولاحظنا كيف أن الفاعل الأساسي في عمليات الانقاذ وتقديم المساعدة كان هو وزارة الداخلية وعمالها وولاتها بأوامر مباشرة من الملك، أما رئيس الحكومة فظل الغائب الأكبر عن مجال الفعل الإيجابي، رغم أنه الحاضر الأبرز في تحمل مسؤولية كل ما حدث من تهاونٍ في عمليات الانقاذ، وإهمال واضح للمناطق المنكوبة؛

رابعا: كشفت الفيضانات على ضعف كبير على المستوى المجتمعي، إذ تبيّن أن بعض المواطنين إما أنهم لا يهتمون بالميديا، إذ إنهم لم يقللوا من حركتهم بعد النشرات الانذارية، أو أنهم لا يبالون بهذه النشرات (ربما بسبب أزمة الثقة الحاصلة في بين المواطن والاعلام العمومي)، فمن المواطنين من استهان بخطورة الأوضاع واستمرّ في برنامجه اليومي رغم ما يحفّه من مخاطر (أغلب ضحايا الفيضانات كانوا على الطرقات، وإن كان هذا لا يعفي مسؤولية الدولة لأنها مجبرة على منع حركة السير بالقوة). وتجلى الضعف المجتمعي أيضا في جودة البنايات التي يقطنها المواطن المغربي خاصة في القرى والمداشر والدور الآيلة للسقوط بالمدن، فرغم أن الدولة تقع عليها مسولية توفير السكن اللائق للمواطن، إلا أن الأخير غير معفى من البحث عما هو أفضل وتجنب البناء العشوائي، والبناء المخالف للقانون، وتعمير المناطق التي لا تصلح للعمران.

أما التجلّي الأبرز لقلة خبرة المجتمع المدني فيما يخصّ الكوارث، فهو افتقار المغرب لهيئات إغاثية مختصة في نجدة المواطنين ومساعدتهم ماديا ومعنويا، فعلى عكس دول العالم التي يتسابق فيها المجتمع المدني مع الدولة على لأعمال الاغاثة (جمعيات الإغاثة الدولية والصليب الأحمر)، فإن الجمعيات المغربية (التي يقال أن تعدادها يتجاوز الـ 40 ألفا) لا توجد من ضمنها جمعيات تتوفر على الخبرة والإمكانات الضرورية للتدخل لحظة الكوارث (لم يسمع المواطن المغربي أي خير عن ما يسمى الهلال الأحمر المغربي)، ولذلك تجد أغلب الهيئات المدنية التي تعمل في هذا الاطار يقتصر عملها على جمع التبرعات وتقديم بعض المساعدات العينية ـــ رغم الضعف البَيّن في هذا المجال نتيجة لعدة عوامل ـــ أما وجود هيئات إغاثة ضمن عمليات الانقاذ وما يستدعيه الأمر من توفير خيم وأغطية وأدوية وأطباء وغيرها من اجراءات التدخل الاغاثي فذلك ربما من غير المفكر فيها داخل النسيج الجمعوي، وكل ما هو متوفر إلى حدود الساعة هو المساعدة البَعِدٍية، أي عقب الأحداث، حيث يجتهد بعض المجتمع المدني في المساعدة على جبر الأضرار الناجمة عن الكوارث (رغم محدودية ذلك)، ولقد ساهم في هذا النقص التعقيدات البيروقراطية، وعدم مواكبة القوانين للتحولات الحاصلة.

هناك قضايا أخرى تسترعي الانتباه فيما يتّصل بالأحداث الأخيرة في المغرب، ومن هذه القضايا ما يتعلق بالبنية القانونية ومسألة التأمين على الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية، وقدرة القضاء المغربي على تقديم اجتهادات من شأنها رفد المنظومة القانونية في هذا السياق، وهو ما ستتم مناقشته في المقال القادم.

-باحث في العلوم السياسية

[email protected]

https://www.facebook.com/pages/Abderrahim-Alam

‫تعليقات الزوار

4
  • عمر
    الأربعاء 10 دجنبر 2014 - 16:38

    شكرا جزيلا على مقالتك ولدي ملاحظات:
    *النشرة الإنذارية موجهة أولا للسلطة الإقليمية و المحلية و للوقاية المدنية.الخسائر الكبرى لم تحدثها الأمطار التي سقطت على كلميم و طاطا و إنما من الأمطار التي هطلت على الجبال و منها جاءت السيول الجارفة.كان على السلطات و الوقاية المدنية أن يعلموا درجة خطورة السيول القادمة و تقوم بقطع الطرق وإجلاء السكان المهددين ليس إلى الخلاء و إنما إلى الملاجئ.
    *ارتفاع مستوى التهور بين السكان و سوء تقدير الأخطاروهو ما يرفع من عدد الضحايا في حوادث ما كانت لتقع و أبرز الضحايا المرحومان الزايدي و عبد الله باها
    *المسؤولية القانونية للدولة و الجماعات المحلية فيما من خسائر للسكان في القرى و كثير من الأحياء في كل المدن بعد كل أمطار.نود التوضيح هل بإمكان الفرد تحريك الدعوى ض هذين الجهازين

  • karim belgique
    الأربعاء 10 دجنبر 2014 - 17:35

    الفيضانات كشفت المغرب بسرعة الفرس و السلحفاة في ان واحد، شكليا المغرب بلد TGVوTRAMWAYوMORROCCOMOL وموازين و مهرجان مراكش..و..و مغرب الواجهة الغنى و الرفاه والثراء. بجانب مغرب الواقع بلد البراريك والقرى النائية ،الفقر والإجحاف و الإقصاء،البطالة و التسول…..ما لم تتقلص الفوارق الإجتماعية و توزع الثروة بطريقة عادلة بين المناطق و الأشخاص ،و ما لم يمكن الشعب من حكم نفسه بنفسه سيبقى السلم و الإستقرار الإجتماعي هشا قابل للإنفجار في أي لحظة، و سيظهر ان الإستثناء المغربي مجرد كلام واهي..

  • الدكتور خالد
    الخميس 11 دجنبر 2014 - 08:09

    كشفت الفياضانات كثرة الكلام من اصحاب المقالات المدبجة والانتقادات الفارغة دون أن يساهم ولم بدرهم لإنقاد إخوانه او التخفيف عنهم

  • علام
    الخميس 11 دجنبر 2014 - 22:08

    بالله عليك، أين هي مقومات الدولة؟ وهل نستحق فعلا أن نسمي المغرب دولة، أم مجرد تجمع سكاني؟

    ففي كل مرة نكتشف فيها أننا لا نتوفر على أبسط مقومات الدولة فما بالك بمؤسساتها المعقدة والمتشابكة.

    كن على يقين سيدي الكاتب أن مقالك هذا يسري على كل شيء / قطاع في المغرب.

صوت وصورة
انفجار قنينات غاز بمراكش
الأربعاء 27 يناير 2021 - 20:24

انفجار قنينات غاز بمراكش

صوت وصورة
أشهر بائع نقانق بالرباط
الأربعاء 27 يناير 2021 - 13:54 16

أشهر بائع نقانق بالرباط

صوت وصورة
انهيار بناية في الدار البيضاء
الأربعاء 27 يناير 2021 - 13:30 5

انهيار بناية في الدار البيضاء

صوت وصورة
مع بطل مسلسل "داير البوز"
الأربعاء 27 يناير 2021 - 10:17 9

مع بطل مسلسل "داير البوز"

صوت وصورة
كفاح بائعة خضر
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 21:46 14

كفاح بائعة خضر

صوت وصورة
هوية رابطة العالم الإسلامي
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 19:40 2

هوية رابطة العالم الإسلامي