ما عاد يرهبها صوت المدفعْ

ما عاد يرهبها صوت المدفعْ
الأحد 13 فبراير 2011 - 12:51

مقامة من مقامات مفجوع الزمان الجوعاني


حدثنا مفجوع الزمان الجوعاني ، وهو من ضحايا القمع المجاني ، فقال : لما حول عباسنا الوعد إلى وعيدْ ، وجعل من النور نارا تسعر بالقمع الشديدْ ، وأقسم ما للمعطلين إلا حياة الردع والتشريدْ ، خرجت من منزلي المبني على جرف خطيرْ ، وتوجهت بقلب من الظلم يستجيرْ ، إلى ميدان ” التجرجيرْ ” ، وهو ميدان به المعطلون عن العمل تجمعُوا ، وعلى ساحاته دكاترة شبان تربعُوا ، وبأنحائه الساخطون على الأوضاع توزعُوا ، وأنا أمشي بسرعة ما لها من نهايهْ ، أحسست بمخبر يلاحقني منذ البدايهْ ، فالتويت بين أزقة ودروب صغيرة للغايهْ ، وتركته بسرعتي يروي للخيبة ما له من حكايهْ ، ووصلت إلى الميدان الذي خلصه المعطلون من كل أنواع النفايهْ ، وفتشت فيه عن خلي ابن أبي الرعايهْ ، صاحب الألف رواية وروايهْ ، فوجدته يتوسط جمعا غفيرا من الناسْ ، ينادي على غيره بصوت يأسر القلب والإحساسْ ، ويدعو المارة للالتحاق بجمعه من غير معيار أو مقياسْ ، ويطالبهم بالتخلص من كل خوف وسواسْ ، حتى إذا أصبح الجمع تظاهرة مليونيهْ ، قال بعدما صلى على خير البشريهْ ، : ” يا من خدعهم سليل العائلة الفاسيهْ ، ويا من يحلم بتحطيم قيود الرجعيهْ ، ويا عاشقا للكرامة والعدل والحريهْ ، عباس ذا قصة لا تستحق الذكرْ ، وحكومته رواية لا تصلح للنشرْ ، وما بين ليلة وليلة يا قابضين على الجمرْ ، يحدث الله أمرا بعد أمرْ ، وإليكم يا سادة الفقر المبينْ ، أروي قصة شيخ في الثمانينْ ، تربع على عرش مصر منذ سنين وسنينْ ، فمص حليب أبقارها وما شبعْ ، وأكل ما لها من خيرات وما قنعْ ، وشرب من أموال الدولة وللمليارات الكبرى جمعْ ، كان هذا الشيخ على ما ذكرُوا ، محاربا مع جيوش على الصهونية ـ فيما مضى ـ انتصرُوا ، وكان نائبا ” لسادات ” في التاريخ ما نظرُوا ، فتحول بسلطة الأقدار والنيابهْ ، إلى حاكم على أرض الكنانة والمهابهْ ، ولأن حب الكراسي يصيب عيون الحكام بغيوم وضبابهْ ، اغتر صاحبنا بالحكم الدافئْ ، وما نظر في العواقب والمساوئْ ، فحكم بقانون الطوارئْ ، وهو قانون فصوله من فرعون تملَى ، شعاره << أنا ربكم الأعلى >> ، ومبادئه الكبرى التي على موائد حكامنا تتلَى ، قمع وردع مبينْ ، ويد تكسر المعارضة ولا تلينْ ، وقلب لا يعرف إلا التدجين والتهوين والتخوينْ ، ولأن ذلك كذلك يا معشر الحضورْ ، حكم الشيخ المذكورْ ، مصر بيد قاهر لا مقهورْ ، فشيد المعتقلات والسجونْ ، وباع الغاز بثمن بخس لبني صهيونْ ، وركب أمواج الغرور والجنونْ ، وحدث أن زميلا له في الحكم الاستبدادي الملعونْ ، عزله الشعب بقوة الانتفاضاتْ ، ففر في جنح الظلام إلى أرض ترمى بها الجمراتْ ، دعاه إلى الإلتحاق به على جناح السرعهْ ، ونصحه بحفظ ما له من صورة وسمعهْ ، ولأنه ” مبارك ” ظن أنه يتقن كل صنعهْ ، ركب حمار رأسه وأنانيتهْ ، وأقسم بعزته وزبانيتهْ ، أنه لن يترك مصر ولو على جثتهْ ، ولأن تحدي المفجوعين حمق وسفاههْ ، ولأن استفزاز المظلومين قلة غباء لا نباههْ ، ولأن الجد يعلو على التفاههْ ، ظن هذا الشيخ الذي عمر في الحكم طويلاَ ، أن الوجود لم يجد له مثيلا ، وأن الشعب يلهو ويلعب ويردد كثيرا لا قليلاَ :


وَإِذا سُئِلتَ عَنِ الكِنانَةِ قُل لَهُم = هِيَ أُمَّةٌ تَلهو وَشَعبٌ يَلعَبُ


وَاِستَبقِ غَفلَتَها وَنَم عَنها تَنَم = فَالناسُ أَمثالُ الحَوادِثِ قُلَّبُ


فخطب خطبة ليس فيها إلا الوعيدْ ، واستفز بذلك مشاعر كل شيخ وشاب ووليدْ ، وثارت مصر على شيخها العنيدْ ، فخطب خطبة التبريدْ ، لكن ظل الكل يشارك في النشيدْ ، ” إرحل إرحل يا رعديدْ ” ، وما فهم الرسالة ربما لأنه بليدْ ، وأراد بعدما وسوس له شيطان مريدْ ، أن يزرع الفتنة بين شعب فريدْ ، وما نجح لأن الله لأمر آخر يريدْ ، وفطن الشعب لخطط الشيخ العنيدْ ، وخرج على بكرة أبيه إلى كل الميادينْ ، واعتصم بحبل الحق المتينْ ، وحقق الأخوة بين كل المواطنينْ ، فانتفت خلافات الثقافات والأفكار والدينْ ، وردد الكل في صوت واضح مبينْ ، ” بالملايين بالملايينْ ، للقصر رايحين للقصر راحينْ ” ، وكما فعل من قبل زين الهاربينْ ، فر ذئب الصهيونية من أرض الكنانهْ ، وما انتصرت خطط الظلم والخيانهْ ، وهذا والله هو جزاء من يخون الأمانهْ ، فإن كان من عبرة هاهنا تسطرْ ، فهي أن من عاش بالرصاص وطغى واستبد وتجبرْ ، مات بالضعف وعليه أحد لن يتحسرْ ، وأن الشعوب ما عادت للخوف تركعْ ، وما عاد يرهبها صوت المدفعْ ، وما عاد يحكمها إلا حراك لحكام الاستبداد سيخلعْ .


فيا ليت شعري والدنيا تخفض وترفعْ ، هل ما جرى له الحكام ترى وتسمعْ ، وهل ما جرى لتسريع عربة الإصلاح عندنا سيدفعْ ، هذا ما أتمناه بقلب يردد على من يخشع ومن لا يخشعْ ، أبيات شعر فيها الإبداع يسطعْ ، يقول صاحبها ـ لله دره ـ وبها أختم ما تسمعْ ، :


أين نمرود وكنعان ومــــــــــن = ملك الأرض وولّى وعـــــــــــزل


أين عاد أين فرعون ومـــــــن = رفع الأهرام من يسمع يخــــــــل


أين من سادوا وشادوا وبنـوا = هلك الكلّ ولم تغن الحيـــــــــــل


http://www.goulha.com

‫تعليقات الزوار

9
  • rachida
    الأحد 13 فبراير 2011 - 13:05

    i wanna just to say u are the best ,gd jobe keep going baraka laho fika ya akhi (:

  • أبي خزاعة
    الأحد 13 فبراير 2011 - 13:03

    بدون تعليق

  • nour ghazal
    الأحد 13 فبراير 2011 - 13:07

    هذه المقالة او المقامة تصلح ان يلحنها قشبال و زروال و تسجل على قرص مدمج ومن ثمة يستمع اليها عباس وهو في اقصى لحظات استرخائه

  • الشعوب تعلن الطواريء على حالة
    الأحد 13 فبراير 2011 - 13:09

    رائعة اخرى من روائع حب الملوك بارك الله فيك الاخ على هذه الكتابات البلسم لقلوبنا المفجوعة من حالنا في هذا الزمن المسخ !

  • abdou
    الأحد 13 فبراير 2011 - 12:55

    Je suis trés heureux car ca existe encore des gens comme toi au maroc qui peuvent nous eblouir par des articles de hauts niveaux. Merci mon frere baraka allaho fik que dieu te donne la force pour ecrire encore et encore en visant l excellence.

  • Brutus
    الأحد 13 فبراير 2011 - 12:57

    ارحلوا عنا أيها الطغاة الفاسدين وإلا أعدمناكم في الساحات العمومية، ارحلوا قبل فوات الأوان، احزموا حقائبكم وارحلوا عنا قبل أن يجرفكم الطوفان، فقد هل زمن الحرية والكرامة وولى زمن الذل والهوان، العزة والمجد للشعب المغربي والغزي والعار لكل مطبل كذاب .

  • hicham
    الأحد 13 فبراير 2011 - 12:59

    اعلموا ايها الناس عندما يسقط هذا النظام ونستفيق من هذا الكابوس الذي عاشه اباءنا و عشنا فيه سنضحك على غباءنا وذلنا وخوفنا طيلة سنوات من فزاعة وماجرى في قصة سيدنا سليمان عليه السلام مع الجن الدين كانوا يخشون من وقفته متكا على فقالوا لو كنا نعلم الغيب مالبثنا في العذاب المهين

  • عبد الحق
    الأحد 13 فبراير 2011 - 13:01

    السلام عليكم
    أسمح أن أبدي رأيي في الصورة المصاحبة للمقال، لا بد أن تستبدلها بصورة تبتسم وتتصدق علينا ولو أن القلب مكلوم وليس فيه ما يفرح، وعزاؤنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:كان بشره في وجهه وحزنه في قلبه.
    وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه.

  • moustaid
    الأحد 13 فبراير 2011 - 12:53

    برافووو لقد وصفت ما جرى و يجري باسلوب شعري رائع
    بالتوفيق يا اخي فانت جد موهوب –

صوت وصورة
الدرك يغرق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36

الدرك يغرق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 4

إيواء أشخاص دون مأوى

صوت وصورة
الطفولة تتنزه رغم الوباء
السبت 16 يناير 2021 - 22:59 4

الطفولة تتنزه رغم الوباء

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09 1

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 8

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 11

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال