مدينة فاس.. الحلو والمالح وحوار الثقافات مرة أخرى

مدينة فاس.. الحلو والمالح وحوار الثقافات مرة أخرى
الإثنين 16 يونيو 2014 - 23:11

يكتب الأنثروبولوجي الدكتور محمد الجويلي، صاحب مقال “محمد السادس ملك العقول والقلوب”، والأستاذ بكلية الآداب بجامعة منوبة بضواحي العاصمة تونس، عن مدينة فاس المغربية، وما تزخر به من مقومات حضارية سامقة باعتبارها ملتقى لحوار الحضارات والثقافات.

والجويلي ألف أكثر من عشرة كتب صدرت في تونس وبيروت و القاهرة والرياض، منها “الزعيم السياسي في المخيال الإسلامي”، و”بنفسج الدكتاتوريّة”.

وهذا نص المقال كما نشر في العرب :

ما جعلني أعود إلى فاس وإلى الملتقى الدولي لحوار الحضارات و الثقافات الذي انعقد فيها في نوفمبر 2009 بتنظيم من “المركز المغربي المتعدّد الاختصاصات للدراسات الاستراتيجية و الدولية” هو رجوعي إلى هذه المدينة الفاتنة بمناسبة انعقاد منتدى فاس التاسع حول التربية و التعليم و تنمية المجتمعبين 7 و10 دجنبر، استقبلتنا فاس ماطرة ضاحكة متألقة وهي تحتفل مع مركزها بميلاد الجامعة الأورومتوسطية .

عدت ، والعود أحمد ،لا إلى حوار الثقافات ومذاق الباستيلا و ضيافة أشقائنا المغاربة مستعيدا كتابات “دريدا”والأنثروبولوجيين حول الضيافة فحسب، و إنما كذلك إلى الكتابة المرحة، إلى مرح الكتابة، وإلى نص قديم نشرته في صحيفة العرب اللندنيّة بعنوان “الحلو و المالح و حوار الثقافات ” بعد أن عدت إلى من فاس و ملتقاها سنة 2009 أستعيد هذا النص ، وأهديه إلى هذه المدينة و أهلها وإلى عروسها الجامعة الأورومتوسطية، هدية من كاتب تونسي إلى المغرب الأقصى كما ندعوه في تونس ، المغرب العزيز على قلوبنا.

أحدثكم عن ملتقى فاس، عن “الباستيلا” المغربية الفاسية على وجه الخصوص و القنابل العنقودية و النووية الغربية لما استعملتهما في تقابل و تضاد باعتبارهما نقيضين للإنساني و المتوحش في الحضارة البشرية و في سياق تحليل انتروبولوجي في جلسة علمية كنت قد ترأستها بمناسبة هذا الملتقى و جمعت باحثين عربا و من كندا و أمريكا و ايطاليا بحضور جمهور مختلط من أجناس متعددة.

فيما يتعلق بالقنابل على اختلاف أنواعها لست في حاجة إلى تعريفها، فمعرفة الناس بها اليوم كمعرفتهم بالماء و الخبز! أما الباستيلا فهي بكل تأكيد في حاجة إلى تعريف بالنسبة إلينا نحن معشر التونسيين،و لمن لا يعرفها فهي أكلة مغربية يستعصى وصفها بدقة لأن أسرار الإعداد لها و صيرورة طبخها تكاد تعتبر في فاس و المغرب من أسرار الدولة! و الإخوة الفاسيون محقون في التعتيم عليها لكونها تشكل رأسمالا رمزيا لا يضاهيه قيمة و قوة رأس مال مادي بما في ذلك القنبلة النووية و هذا ما سأتطرق إليه لاحقا.

الباستيلا طعام أجمع بعض الحاضرين من كل القارات أنهم لم يذوقوا طعاما في حياتهم ألذ منه عماده دقيق القمح و سلطان هذا الطعام بلغة بعض الفقهاء القدامى يكون إمّا خروفا برمّ رميمه محشوا بأنواع شتّى من الفاكهة الجافة، أو دجاجة مصلية أو حمامة محشوة بما يُحشى به الخروف و قد يكون كذلك من ثمرات البحر و قد ذقنا من كل ذلك جميعا و ما استطعنا أن نفضل هذا عن ذاك للنكهة الأصيلة و المتميزة لكل واحد منها، الباستيلا إذن متعددة السلاطين و لكن سلطانها الأكبر و قوتها الحقيقية تستمدها من المزج بين الحلو و المالح على نحو خلاّق و هنا موطن العبقرية في إبداعها.

الباستيلا طعام “سريالي”، إبداع جماعي نسوي من فعل التاريخ. كلّ أمّ عبر القرون تضع بصمتها في المعلم و تمرّ.

قلت هذا الكلام أثناء الجلسة التي تحدثت عنها في البداية لمّا ساورتني الشكوك حول قدرة الجماعة من الأساتذة الأجلاّء على التركيز و الانتباه و متابعة أعمال الجلسة بكل انضباط بعد أن غرقوا أثناء الغداء في قصعات الباستيلا و الخرفان الممدّدة فوقها، و أكلوا منها و كأنّهم لم يأكلوا قطّ في حياتهم!

كان عليّ أن أُنجح الجلسة باعتباري المسؤول الأول عنها، و لمّا كنت من تلامذة الجاحظ و أنا فخور بذلك، لجأت إلى الهزل باعتباره عين الجدّ و الضحك بوصفه أفضل وسيلة لمساعدة الجماعة على هضم ما أكلوه بعدما لاحظت أنّ الشاي الأخضر المغربي الأصيل قد عجز عن ذلك و بدأ النعاس يغالب البعض لفرط ما أكل من الباستيلا.

لمّا قدّمت الأستاذ صلاح الدين بوجاه و كان لا يزال رئيسا لاتحاد الكتاب التونسيين في نوفمبر الماضي رغم أنه بدأ يستعدّ للتخلي عن الرئاسة قلت له و للحاضرين : إن هذا الرجل يرأس اتحاد الكتاب التونسيين منذ ثلاث سنوات، و سيكون مرؤوسي لثلاث ساعات و سأمارس صلاحياتي و لن أسمح له بتجاوز ماهو مخصص له من الوقت أسوة بالآخرين! بلغة أخرى سأكون دكتاتورا في تعاملي معه!

في الحقيقة قبل أن نصل إلى الحلو و المالح و الحاركذلك و حوار الثقافات تحدثت عن القيلولة وهي عادة يعرفها شعوب المتوسط و حذّرت من مغبّتها في الجلسة مستثنيا من ذلك الكنديين و حتى الأمريكان! و رأيت أن أحسن وسيلة لمقاومتها و مقاومة ما فعلته الباستيلا بالبطون و العقول هو الإيجاز في الكلام. و لكن الإيجاز و إن نفع مع المتوسطيين فإنه لم ينفع مع صديقنا ” أحمدو” الشاعر السينغالي الذي قيل لي بعد ذلك إنّه مستشار للرئيس عبد الله واد الذي لمحته فجأة وهو يغطّ في سبات عميق، ما دفعني إلى إيقاظه و لفت انتباه الحاضرين إلى ضرورة الاهتمام بثقافة القيلولة لدى الشعوب القاطنة جنوب الصحراء علما و أنّ صديقنا السينغالي قد أتحفنا في نهاية الملتقى برائعة ستظلّ خالدة في الأذهان: “آه فاس حبيبتي ” (o Fes , Mon Amour) أثناء الحوار و بعد انتهاء الجلسة بدأت تطرح القضايا الخطيرة لحوار الحضارات: العنف، الحرب، الهجرة السرّية، إلى غير ذلك. فالتجأت مرة أخرى إلى الباستيلا و إلى ثنائية الحلو و المالح و قد ذكرتني بثنائية الانتروبولوجي الفرنسي كلود لفي ستروس : “النيّء و المطبوخ” le cru et le cui )) و ثنائيته الأخرى: المجتمعات الباردة و المجتمعات الساخنة ( les societés froides et les societés chaudes ) التجأت إلى هذه الثنائية عندما سخن الحوار، حوار الثقافات و الحضارات.

توجهت بالكلام إلى زملائنا الغربيين و قلت لهم إنّ المزج بين الحلو و المالح في الباستيلا، بين عنصرين متضادين، تضادّ الماء و النار، البارد و الساخن، و المآلفة و المعايشة بينهما على هذا النحو الخلاّق الذي لمسته ذائقتكم، يطمئننا أنه مهما تناقضنا و تضاددنا يمكننا في نهاية الأمر أن ننسجم و نتآلف تآلف الحلو و المالح في الباستيلا؛ شرط أن تتوفر إرادة هؤلاء النسوة المغربيات و صبرهنّ و عبقريتهنّ في معانقة الحلو للمالح والمالح للحلو لحظة لحظة و أثناء كل غداء و عشاء عبر القرون. خبراتهن تراكمت جيلا بعد جيل لتكون الباستيلا على ما هي عليه اليوم في ألسنتنا حلوا و مالحا في الآن نفسه إلى حدّ انتفاء هويات الحلاوة و الملوحة ذاتها في هوية طعمية جديدة يستعصى على كبار فلاسفة الهوية مثل هايدغر تحديد ملامحها.

ثم أضفت قائلا إن هذا المزج بين العنصرين على هذا النحو هو أعسر بكل تأكيد من المزج بين المواد الكيمياوية المتنافرة لصنع قنبلة نووية، و لا شكّ أنّ معاناة هؤلاء النسوة التاريخية تفوق ما يكابده علماء النوويات لتخصيب اليورانيوم و مزج المواد الكيمياوية المتنافرة لصنع هذه القنبلة الملعونة!

شجعني ما بدا على أصدقائنا الكنديين و الأمريكيين و الإيطاليين من استحسان لما قلت فواصلت بعد انتهاء الجلسة مزاحي الذي قد يكون “ماسطا” ( دون ملح تماما ) و توجهت إليهم قائلا: أنا مازلت أرى آثار الباستيلا على وجوهكم، فأنتم في شبه غيبوبة و لا أراكم قادرين على الاستفاقة منها قريبا قبل حزم أمتعتكم و امتطاء الطائرة. علماؤكمم يصنعون القنابل و نحن نصنع الباستيلا و سنرى من سيهزم الآخر في النهاية.

إنّني أرى هذه الهزيمة بادية عليكم منذ الآن ، فحتى مستشارة أوباما الأستاذة العميدة ” ماري سلوتر” ما كان لها أن تلقي ذلك الخطاب الجميل الذي كان أشبه بأغنية مؤكدة فيه على جذور رئيسها المنتخب الإفريقية العربية الإسلامية حتى كادت تجهش بالبكاء وهي تردد اسمه الوسطي “حسين” في خطابها لولا المفعول السحري للباستيلا فيها!

و بالطبع لم أنس أن أشير إلى أنّ المطبخ التونسي في بعض جهات البلاد لا سيما التي ورثت الثقافة الأندلسية يخلط بين الحلو و المالح على نحو خلاّق، و هذا يندرج ضمن حوار آخر داخلي تنافسي مع الإخوة المغاربة الذين نشتهر عندهم بالحار و الهريسة فقط و هذا موضوع آخر، فللحار قصة تتطلب تفكيك شفراتها جهدا انتروبولوجيا خاصا لا بدّ من الاتكاء فيه على بنيوية ليفي ستروس!

لم ينته الهزل الممزوج بالجدّ امتزاج الحلو و المالح في الباستيلا حين حدثت زميلنا الكندي الأستاذ برودير على أن المطبخ كان على مرّ العصور في حضارتنا المجال الأساسي الذي تفجّر فيه المرأة الحضرية القابعة وراء الجدران طاقاتها الإبداعية على عكس المرأة البدوية و المزارعة التي تشارك الرجل إبداعه في أعمال الزراعة و الرعي و غيرهما. في الحواضر العربية الإسلامية كان الطعام سلاح المرأة الأساسي لكسب وجاهة و حظوة و سلطة، به تدافع عن نفسها و عن عشّها المهدّد في كل وقت بضرّة أو ضرّتين أو ثلاث! كان لا بدّ من الإمساك بمعدة الرجل لكسب قلبه علاوة على أنّ الطعام هو باقة الورد التي تعبر بها يوميا عن حبّها لأبنائها. و لذلك تُعودّ الفتاة عندنا قبل زواجها على الطهي و تنقل لها أمها معرفتها شيئا فشيئا منذ الصغر و هذه المعرفة على غاية من الأهمية و أثبتت جدواها في حوار الثقافات بالفعل لا بالقول.

زاد تركيز زميلنا الكندي في الإنصات إلى حين قلت له إن المرأة الغربية التي هجرت المطبخ منذ عقود أصبحت مهدّدة في عقر دارها من النساء العربيات و هذا ما أعرفه على الأقل من تجربة إقامتي في فرنسا. أعرف ثلاثة فرنسيين تزوّجوا عربيات و تحولوا إلى الإسلام و غيّروا أسماءهم إلى زيد و عمر و أحمد، و أنا على يقين أن للطعام علاقة وثيقة باعتناقهم للإسلام أما من تزوّج من العربيات من الفرنسيين و بقي على دين آبائه ممن أعرفهم فهو يلهج باسم زوجته ليلا نهارا و يتبعها كما يتبع القطّ صاحبته و يصير نصيرا لقضايا العرب : قضيتا فلسطين والعراق و الدفاع عن حقوق المهاجرين و لا يمكن فهم هذه التبعية خارج مائدة الطعام. و الحق يقال عوض أن نضيع الوقت في صراع تكنولوجي غير متكافئ معكم ينبغي أن نطلق عليكم جيوشا من النساء العربيات الحضريات، وهكذا إذا لم نفلح في فتح بلدانكم من جديد فعلى الأقلّ نضمن مساندتكم لنا و لم أتوقف عن الكلام إلا عندما تأكدت أنني أعطي لحسن الترابي الذي لا أشاطره معظم أطروحاته مزيدا من الحجج للإقناع بشرعية فتواه التي تجيز زواج المسلمة من كتابيّ و التي سبّبت له الكثير من المتاعب بلغت حدّ المطالبة بمحاكمته في السودان.

الحديث عن الحلو و المالح و حوار الثقافات يطول أمّا الدرس الحضاري فهو قصير، و ألخّصه في ما قاله لي الفيلسوف الكندي “فيشر” الفرنكوفوني المذعور من تهديد اللغة الانغليزية لمقاطعة الكيباك: إنّ الحضارة التي أبدعت الباستيلا تظلّ رغم كلّ انتكاساتها حضارة عظيمة! و أنّ أفضل درس لجلستنا يتلخّص فيما قاله سقراط قديما ” علّموا الحكمة بالإضحاك”.

*جامعي وأنثروبلوجي من تونس

‫تعليقات الزوار

1
  • كاتب صحفي
    الأربعاء 18 يونيو 2014 - 16:23

    جميل يا صاحبي فاس تستحق ما لا يسمح به أي مجال….ايا فاس حيا الله أرضك

صوت وصورة
حوار مع  السفير الألماني
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 22:40 3

حوار مع السفير الألماني

صوت وصورة
اتفاقية وزارة التضامن والعمران
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 20:22 4

اتفاقية وزارة التضامن والعمران

صوت وصورة
"ليديك" وفيضانات البيضاء
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 17:08 23

"ليديك" وفيضانات البيضاء

صوت وصورة
استثمارات يابانية في السيارات
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 14:59 11

استثمارات يابانية في السيارات

صوت وصورة
الفلاحة الإيكولوجية رافعة للتنمية
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 12:22 1

الفلاحة الإيكولوجية رافعة للتنمية

صوت وصورة
تعويضات خسائر الفيضانات
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 10:35 6

تعويضات خسائر الفيضانات