مسؤولون في حالة شرود

مسؤولون في حالة شرود
الجمعة 4 مارس 2011 - 17:15

عن استعجالية مقتضيات الخطة وتوصيات الهيأة


في الحلقة ما قبل الأخيرة من برنامج (مباشرة معكم)، الذي خصّصته القناة الثانية (دوزيم) لأزمة القراءة في المغرب على هامش فعاليات معرض الدار البيضاء الدولي للنشر والكتاب، قادنا النقاش خلال هذا اللقاء التلفزيوني المباشر إلى فتح ملف الخطة الوطنية للقراءة العمومية ودعم الكتاب. لم يسمع الكثير من المغاربة بهذه الخطّة ولا علم لهم بها رغم أن الأمر يتعلق بوثيقة حيوية حاولت لأول مرّة تجاوز خطاب الأزمة المكرور واقتراح مقتضيات وآليات لتطوير مجال القراءة العمومية وبنياتها. وهكذا اقترحت الخطة ثمانية وثلاثين إجراء تستدعي تدخل العديد من الأطراف ليساهم كلّ من موقعه في بلورة سياسة وطنية جدّية يمكنها المساهمة في خلق واقع جديد للقراءة العمومية وصناعة الكتاب في المغرب، بدل التباكي الدائم على الوضع الحالي الذي صار يُهدّد فعلياً الأمن الثقافي للبلد ويعيق مشروع التحديث والتنمية البشرية. ذاك أن لمحاربة الهشاشة عمق ثقافي أساسي لا يمكن للمبادرات الاجتماعية والاقتصادية أن تبلغ أهدافها بدونه.


في البرنامج المذكور تحدث السوسيولوجي أحمد شراك عن “تنكُّر” وزير الثقافة بنسالم حميش لهذه الخطة. وكان اتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر والائتلاف المغربي للثقافة والفنون قد استنكروا في بيان سابق لهم “تجميدها”، فيما اختارت وزارة الثقافة الصمت عن هذا الملف، فالوزير ما زال في حالة “تأمل”. وهناك العديد من الملفات الحارقة التي لم يشرع بعد في اتخاذ قرارات بشأنها رغم استعجالية بعضها ورغم أن الوقت لا يرحم. ربما كان للوزير تصوّر فلسفي خاص “للزمن” ما زال المغاربة قاصرين عن إدراكه


سيظنّ البعض أن الخطة الوطنية للقراءة هي ملف مطلبي ترفعه جماعة غاضبةٌ من معارضي الوزير وهم كثُرٌ على كلّ حال. أبداً، الخطة التي تطالب النخب الثقافية اليوم بتفعيلها وإعمال مقتضياتها ليست ملفا مطلبياً، بل هي مشروع وزاري. فهي دراسة أنجزتها ثلة من المثقفين والأكاديميين لصالح وزارة الثقافة على عهد الوزيرة السابقة ثريا جبران. طبعا انطلقت الدراسة من خُلاصات وتوصيات كل المناظرات والملتقيات الوطنية التي خصصتها وزارة الثقافة على امتداد العقدين الأخيرين لهذه المعضلة. لكن الخطة الجديدة لحسن الحظ لم تقف عند حدود التشخيص ورفع التوصيات، بل بادرت إلى اقتراح إجراءات عملية مُحدِّدَة بدقة مسؤولية العديد من الأطراف الحكومية والخاصة من وزارات التربية الوطنية والمالية والداخلية والصناعة والتجارة حتى القطاع البنكي على أساس أن الوضع الكارثي للقراءة العمومية في بلادنا يحتاج إلى تضافر كلّ الجهود، بل ويستدعي بلورة سياسة وطنية مندمجة ينخرط فيها الجميع بناء على قرار سياسي يجب أن يُتَّخذ اليوم على أعلى المستويات. الخطة كانت حلقة أساسية في إطلاق هذه الدينامية. ودور وزارة الثقافة، صاحبة المشروع، هي متابعته والترويج له وإقناع الأطراف الحكومية الأخرى بجدارته. لكن شيئا من ذلك لم يحصل. كلُّ شيءٍ وُضِع في الثلاجة الآن و”الرجاء عدم الإزعاج”، فالوزير منهمكٌ في التأمُّل


إن مشكلة المثقفين المغاربة مع وزارة الثقافة هي جزء من الإشكالية الكبرى التي يجب أن يحسمها مغرب اليوم، أقصد مغرب المستقبل. على الدولة أن تتصرّف كدولة. أن تحترم التزاماتها وتتابعها وتتحمل المسؤولية في تفعيلها عبر الأجهزة التابعة لها. فمن غير المعقول أن يقرّر وزيرٌ التراجع عن دينامية معيّنة لاعتبارات واهيةٍ، ودونما اعتبار لأصوات معارضيه الذين يقدّمهم كما لو كانوا حفنة “مشاغبين” مارقين. والحال أنه ليس هناك من ملف مطلبي يزايد به هؤلاء المعارضون على مسؤوليهم. فقط، يطالبون المسؤولين بأن يكونوا كذلك: مسؤولين عن التزاماتهم جادّين في متابعة مشاريعهم انطلاقاً من أن التراكم هو الأصل وليس الإقبار


ولاشك أن من سيحللُ عددا من مطالب الأطراف التي تمارس الاحتجاج السياسي هذه الأيام من شباب حركة 20 فبراير حتى الأحزاب الوطنية المعروفة سيجد أنها في العمق لا تزايد على الدولة بمطالب خرافية تعجيزية. فأغلب المطالب المشروعة التي تتكرّر في شعارات هذه الأيام وردت ضمن توصيات هيئة المصالحة والإنصاف. وكما يعلم الجميع فهذه الهيئة لم تكن تنظيما ثوريا معارضاً، بل هيئة وطنية رسمية تجد سندها المرجعي في الخطاب الملكي ل7 يناير 2004 بأكادير، أي أنها أنشئت بناء على قرار ملكي. فلماذا تركنا توصيات هذه الهيئة بدون تفعيل حتى الآن؟ ما الذي يمنع المغرب من التقدم بشكل طبيعي في بناء كيانه ومستقبله؟ لماذا نتنكّر بشكل غير مفهوم لدينامية نحن من بادر إلى إطلاقها؟ ثمّ لا ننتبه إلى أن الوقت الذي لا يستثمر في التقدّم هو وقت ضائع قد يُحتَسَب ضدّنا فيما بعد


ثمة خللٌ مستفحلٌ يجب المسارعة إلى تصحيحه ومقاربته بمسؤولية انطلاقاً من شعور جدّي بأن الزمن نهرٌ دافقٌ يجري وليس بحيرةً راكدةً يختلي مسؤولو هذه الأيام على ضفتها في هدوء وسكينة لممارسة هوايتهم المفضلة: التأمل.

‫تعليقات الزوار

11
  • فاطمة الزهراء
    الجمعة 4 مارس 2011 - 17:37

    ليس حالة شرود فقط، ولكن بعض المسؤولين مثل وزير الثقافة يحتاج في الحقيقة إلى بطاقة حمراء ليغادر الملعب الحكومي بعدما فشل في أداء مهمته، من جهة أخرى من المهم كما جاء في المقال أن تواصل الوزارات وكل أطراف الدولة الاشتغال على مشاريعها لكي تضمن احترام المواطنين المغاربة لها. ولهذا الغرض يجب أن يكون الوزراء والمسؤولون الحكوميون في حجم المسؤولية وليس مثل الوزير الملقف ب”مجنون الحكم” الذي يثير سخرية الجميع في العالم العربي من الثقافة المغربية هذه الأيام.

  • بنادم
    الجمعة 4 مارس 2011 - 17:19

    هدا مايحسنه الكثيرون منا هو التباكي ان المشكلة لاتتعلق بوزير مسؤول بل باحزاب ليس لها برامج حقيقية ولا تجمع بينها كفاءات ولاتطرح اسئلة للتفاعل معها وايجاد الحلول

  • المرنيسي
    الجمعة 4 مارس 2011 - 17:21

    لدى حميش تصور فلسفي خاص عن “الزمن”.
    ولدى ياسين عدنان تصور علمي خاص عن “الزمان”.
    يجب على وزارة الثقافة أن تحدث جائزة هامة للشعر يتقاسمها التوأمان سنويا مع التنويه بلطيفة أحرَّار.
    سربك !
    نتينا ماكتحشمش ! نتينا خاصك لْكمان!

  • فاطمة الزهراء
    الجمعة 4 مارس 2011 - 17:23

    لو جئنا نحصي كل القطاعات في المغرب سنجد في كل قطاع وعند كل وزارة هناك مخطط أو مشروع شبيه بخطة القراءة ودعم الكتاب بالنسبة لوزارة الثقافة، هذه المشاريع تكون جاهزة والمسؤولون يعرفونها جيدا ويعرفون أهميتها ويمكنهم متابعتها لو أرادوا لكنهم لا يفعلون.لماذا؟ هناك رغبة في عرقلة السير العادي للبلد من طرف المسؤولين أنفسهم..
    أليس هذا من علامات الساعة؟

  • abdo
    الجمعة 4 مارس 2011 - 17:35

    reading must be taken in into full consideration: i think everything is clear; moroccan regime deliberately neglects reading for some political reasons. EVERY THING IS CLEAR SIR. WE NEED TO react; IT IS THE TIME TO REACT GRADUALLY STEP BY STEP SO AS TO FULFILL OUR LOGIC AND MODEST GOALS. I HOPE SEEING YOU ONE DAY. INDEED/ MOROCCO NEED PEOPLE WITH YOUR BACKGROUND

  • bolbol
    الجمعة 4 مارس 2011 - 17:27

    لست ادري لمادا دائما وزارة الثقافة نوجد بيد اشخاص دون المستوى

  • طاطانت
    الجمعة 4 مارس 2011 - 17:31

    الشرود صفة ملازمة للذين لا يتقنون سوى الديماغوجية و الضحك على ذقون المواطنين وهذه صفة رئيس جماعة أقايغان و أغلب أعضاء المجلس الجماعي .

  • Karim
    الجمعة 4 مارس 2011 - 17:33

    Il faut changer des têtes au Maroc aujourd’hui. Sinon, après ça sera trop tard

  • Rayhan
    الجمعة 4 مارس 2011 - 17:25

    في إطار الحركة الاحتجاجية التي يخوضها بيت الشعر في المغرب و اتحاد كتاب المغرب و الائتلاف المغربي للثقافة والفنون ضدا على وزير الثقافة السيد بنسالم حميش، تنظم الهيئات الثقافية الثلاث وقفة احتجاجية يوم الثلاثاء 8 مارس 2011 من الساعة 11 صباحا إلى الساعة 12 صباحا أمام مقر وزارة الثقافة ، زنقة غاندي، الرباط.
    ولهذه الغاية، تهيب الجمعيات الثقافية الثلاث بكافة الشعراء والأدباء والمثقفين والفنانين المغاربة الحضور بكثافة إلى هذه الوقفة الاحتجاجية للتعبير عن سخطهم وتذمرهم من التصرفات والتصريحات اللامسؤولة للوزير الوصي على قطاع الثقافة في المغرب.

  • بنعدادة
    الجمعة 4 مارس 2011 - 17:29

    واسيروا يالحسرافه
    ولفتو الفلوكة من عند الأشعري و السعدية
    ودابا ملي السيد سد على يماكم الروبيني
    بغيتو تغوفلوا عليه
    الله يمسخكم !

  • حفيظ / ممثل
    الجمعة 4 مارس 2011 - 17:17

    من حق الفنانة والمثقفين العيش الكريم
    ماحذفه الوزير هو فتات تافه
    الأدباء لم ينتفظوا من أجل الفتات
    ومقال الأستاذ ياسين واضح
    المطالب سياسية وليست كما قال الأخ بنعدادة
    علينا أن نحترم كتابنا ولا نظلمهم أكثر مما ظلمتهم الوزارة
    وتحية للأدباء والفنانون على الوقفة التي دعة لها الاتئتلاف واتحاد الكتاب وبيت الشعر

صوت وصورة
دار الأمومة بإملشيل
الجمعة 22 يناير 2021 - 18:11

دار الأمومة بإملشيل

صوت وصورة
غياب النقل المدرسي
الجمعة 22 يناير 2021 - 14:11

غياب النقل المدرسي

صوت وصورة
متحف الحيوانات بالرباط
الجمعة 22 يناير 2021 - 13:20 2

متحف الحيوانات بالرباط

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 3

صبر وكفاح المرأة القروية

صوت وصورة
اعتصام عاملات مطرودات
الخميس 21 يناير 2021 - 19:40 4

اعتصام عاملات مطرودات

صوت وصورة
مشاكل التعليم والصحة في إكاسن
الخميس 21 يناير 2021 - 18:36 8

مشاكل التعليم والصحة في إكاسن