مـا أُدينُ به لـكـرامتي

مـا أُدينُ به لـكـرامتي
السبت 28 شتنبر 2013 - 14:31

أغلى ما يملكه المرء بعد حياته : كرامته. والكرامة في أبسط تجلياتها عزة النفس ونخوتها. ثم ابتعادها عن كل أشكال الإهانة والتبخيس، سواء من طرف الآخر ( أيا كان هذا الآخر ) أو من طرف الذات نفسها. لكون الإهانة قد تكون نابعة من طرف الذات كذلك، حين يعمد الأشخاص إلى إهانة أنفسهم وذواتهم بوضعها أو تعريضها لمواقف تبخيسية ومشينة ( وهذا ـــ ربما ـــ من أخطر أنواع الإهانة وأشد من القتل ).

والكرامة في بعض معانيها أو تجلياتها الأخرى كذلك هي وعي موضوعي بقيمة الذات ومواقف تحسب لهذه الذات أو عليها. ومن ثم، تحاسَب ( بفتح السين ) عليها الذات في آخر المطاف. ثم ما دامت كرامة الأشخاص مربوطة بمواقفهم في الحياة بصفة عامة، وبما يمكن أن يحققوه من انسجام موضوعي مع ذواتهم وينجزوه من مواقف مشرفة وغير متخاذلة في الحياة، فإن هذه المواقف نفسها لا يمكن أن تأخذ مصداقيتها إلا من موضوعيتها ووضوحها الجلي. دون مواربة أو مداهنة أو مجانبة الصواب. ولو تطلب الأمر التضحية ببعض مصالح الذات الضيقة وأهوائها العابرة.

من هنا إذن، تصبح المصداقية مرادفا أساسيا للكرامة ودالة عليها. ويتحقق القول ــ من ثم ــ بأن من فقد كرامته فقد مصداقيته، ومن لا مصداقية له لا كرامة له.

كيف ذلك

ــ يفقد كرامته كل مواطن باع صوته ( سواء قبض الثمن أم لم يقبضه ) لتجار السياسة ودكاكينها وسماسرة الانتخابات.

ــ يفقد مصداقيته كل سياسي ( أو محسوب على السياسة ) أفرزته صناديق مزورة أو وصل إلى المجالس والمسئوليات بقوة المال والجاه والنفوذ.

ــ يتخلى عن كرامته كل مواطن يتخاذل أو يتجنب التعبير بوضوح عن موقفه الصريح والموضوعي من قضايا الفساد التي تعرفها البلاد.

ــ بفقد مصداقيته كل سياسي ( أو متاجر بالسياسة ) يغير انتماءاته وبطائق الأحزاب كما تغير الحرباء ألوانها، أو كما يغير المرء جوارب رجليه.

ــ يبيع كرامته كل كاتب ( أو محسوب على الكتابة ) وكل صحافي ( أو محسوب على الصحافة ) سخر قلمه لغير الحق والتنديد بجرائم الفساد واغتيال ديمقراطية ممكنة.

ــ يفقد مصداقيته كل سياسي ( أو مدفوع إلى السياسة ) أدانته محاكم الشعب ( لأن محاكم الشعب هي الأقوى ).

ــ يتخلى عن كرامته كل مواطن ” كاري حنكو ” و” كاري حلقو ” و ” كاري … “

ــ يفقد مصداقيته كل كاتب ( أو محسوبة على الكتابة ) وكل إعلامي ( أو محسوب على الإعلام ) تخلى عن دوره الحقيقي في التشبث بنشر الوعي والنقد الموضوعي والتقويم وفضح المستور، وتحول إلى بوق دعاية.

ــ تضيع كرامة ومصداقية من يرى ” القط ” ويقول : ” إنما هذا أسد وليس قطا ! “.

ــ تفقد مصداقيتها كل المواقف الزائفة. والقضايا الزائفة. والسياسات الزائفة. والإصلاحات الزائفة. والانتصارات الزائفة. والأصوات الزائفة. والأحداث الزائفة. والخطابات الزائفة.

والأدبيات الزائفة. والألوان الزائفة. والشعارات الزائفة. والتحالفات الزائفة. والإيديولوجيات الزائفة. والحكومات الزائفة. والزعامات الزائفة. والمشاريع الزائفة. وأشكال الورع والتقوى الزائفة. والثقافة الزائفة. والصحافة الزائفة. والتنظيرات الزائفة. والقناعات الزائفة. والمرافعات الزائفة. والجمعيات الزائفة. والمُحاكمات الزائفة …

****

إن الكرامة مصداقية. والمصداقية واجب. والواجب مسئولية. والمسئولية أن يحترم السياسيون والإداريون وذوي النفوذ والجاه والسلط ( مهما علت مراتبهم ) آراء الناس واختياراتهم وحقوقهم ومصالحهم المشروعة، وحقهم الضروري والطبيعي أيضا في الاختلاف وانتقاد الممارسات غير الصحيحة قصد تجاوزها وتقويم اعوجاجها في آخر المطاف.
من هذا المنطلق، يكون جديرا بالاحترام في نظرنا :

ــ الحاكم أو المسئول الذي يقدر الواجب ويظل قريبا من نبض الشعب.

ــ السياسي ورجل الشأن العام الذي يعتبر ثقة الناس وأصواتهم تكليفا ومسئولية.

ــ رجل القانون الذي يدافع بالحق عن الحق. ويحكم بالحق من أجل الحق.

ــ المواطن الذي لا يرضى بغير العدل للوطن بديلا.

****

هذه مسئوليتي الكبرى تجاه الوطن الذي ليس بوسعي من أجله سوى هذا القلب النابض بالحب وبعض الكلمات. باعتبار المحبة أيضا تاج للواجب والمسئولية. وإذ تزداد قناعتي رسوخا في كون الاحترام كقيمة أساسية تنبثق بالضرورة عن الكرامة والمصداقية والواجب، فإن احترام النفس بوضعها دائما على مسافة معقولة من ” منطق ” تصفية الحسابات، ومن كل المؤثرات العاطفية والحزبية والقبلية والإيديولوجية الضيقة، هو الكفيل ـــ في نظري ـــ بجعل الأفعال والخطابات تقترب على الأقل من المصداقية والمسئولية. وذلك ما أدين به لكرامتي.

* شاعر وناقد فني مغربي

‫تعليقات الزوار

2
  • faical
    السبت 28 شتنبر 2013 - 21:06

    ما زلنا بعيدين كل البعد عن المصداقية .والمصداقية لا تاتي من فراغ بل هي من ضمن القيم التي يتلقها الفرد من محيطه التربوي والتعليمي .الاسري.الاعلامي وهي عوامل متداخلة .لان الرسائل السلبية التي يتلقها الفرد هي التي تصنع شخصيته والمصداقية ليست لها علاقة بالمستوى التعليمي بل موروثة اب عن جد.و المصداقية اصبحت عملة نادرة وكل فرد يتسم بها يصيبنا بالذهول لانه عكس القاعدة التي لا تتخدها كمرجع في حياتها وهي ليست صعبة بل الاعتقادات السلبية هي التي مسيطرة علينا .والكرامة حسب تفسيري الشخصي هي ان اكون مسؤولا اي ان تكون لي حقوق كما علي واجبات .

  • حسسسسان
    السبت 28 شتنبر 2013 - 22:45

    تضيع الكرامة وتفقد قيمتها عندما يتكسر سلم القيم في المجتمع وتتبعثر المقاييس الاجتماعية، وتسود قيم سلبية مثل:
    – احترام اللصوص؛
    – إعطاء قيمة لأشخاص تافهين (قوادون، بائعو حشيش…) وصلوا لمناصب اعتبارية؛
    – الحصول على المال عن طريق أي وسيلة (بغاء، مخذرات، رشوة…)؛
    – تجاهل المثقفين وإهانة المعلمين والاحتفاء بمغنيي علب الليل والمشهورات من بائعات الهوى

صوت وصورة
قرار نقابة أرباب الحمامات
الأربعاء 20 يناير 2021 - 17:40

قرار نقابة أرباب الحمامات

صوت وصورة
معاناة نساء دوار قصيبة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 16:40

معاناة نساء دوار قصيبة

صوت وصورة
مطالب بفتح محطة ولاد زيان
الأربعاء 20 يناير 2021 - 15:33 6

مطالب بفتح محطة ولاد زيان

صوت وصورة
منع احتجاج موظفي التعليم
الأربعاء 20 يناير 2021 - 13:32

منع احتجاج موظفي التعليم

صوت وصورة
أسر تناشد الملك محمد السادس
الأربعاء 20 يناير 2021 - 10:59 5

أسر تناشد الملك محمد السادس

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30 5

"قرية دافئة" لإيواء المشردين