مفاهيم سياسية للنقاش والنظر: في مفهوم السياسة

مفاهيم سياسية للنقاش والنظر: في مفهوم السياسة
السبت 18 يناير 2014 - 17:56

تقديم: في ضرورة ارتكاز السياسة على المعرفة

إن المعرفة هي منار السياسة، وهي مرشدتها، والطلاق بينهما يؤسس ل”الحربائية”، وتتيه المبادئ ويضيع المعنى والمعقول، وتصبح السياسة حينئذ تابعة لواقع متلون ومتغير في نوازله ووقائعه و مستجداته، وإذن تتبدد المصالح العامة للبلاد والعباد، ويضعف التوافد على هذا الشأن العام مشاركة واقتراحا ومراقبة واهتماما، وإذن فللسياسة لها محاذير، متمثلة في فقدانها لبوصلة المعرفة المرشدة لها، وفي لبوسها لباس الحربائية التي تجعلها دون مبادئ ودون منطلقات، مما يفقد العاملين فيها بحسب هذا التمثل لها المصداقية والثقة.

فما هو المفهوم المرجعي للسياسة؟ وما هي المبادئ العامة التي تحفظ تمثلا صحيحا لهذا المفهوم؟

أولا في مفهوم السياسة

السياسة لغة: من ساس يسوس سياسة ونقول ساس القوم أي دبرهم وتولى أمرهم(منجد الطلاب دار المشرق بيروت)، وساس الأمر سياسة قام به، والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه والسياسة فعل السائس يقال هو يسوس الدواب إذا قام عليها وراضها والوالي يسوس رعيته (لسان العرب لابن منظور).

ومن الناحية الاصطلاحية: يمكن أن نعتبر السياسة بمثابة تدبير راشد للشأن العام للبلاد، وذلك من أجل:

1. حفظ مصالحه العامة المرتبطة بتنمية قدراته البشرية كما عرفناها في مقال سابق بغاية:

• أن تكون معتزة بالشخصية العامة للمجتمع هوية وذاكرة وتاريخا وتراثا متنورا مشجعا على البذل والاجتهاد،

• وبما يؤهلها أن يكون نفعها متعديا في تحقيق نهضة البلاد وتبويئها مكانة معتبرة على مستوى خدمة البشرية،

2. درء المفاسد الكبرى عنه التي:

• تقضي على الوازع الوطني،

• وتفكك لحمة البلاد،

• وتزرع التواكل داخلها،

• وتشجع على سيادة منطق المنفعة الشخصية الذاتية والخلاص الفردي، مما يجعل مساحة العطاء التنموي ونفعها العام ضئيلة بالمقارنة مع مساحة الفساد بكل أنواعه المالي والاقتصادي والسياسي والأخلاقي.

ثانيا في عناصر مفهوم السياسة (المبادئ العامة)

يحيلنا هذا التعريف على عناصر مفهوم السياسة المتمثلة في التالي:

1. أن السياسة هي تدبير راشد للشأن العام، وهذا يعني أن موضوع الاشتغال بالسياسة هو الشأن العام ذا الصلة بكل قضايا المجتمع ثقافيا، اقتصاديا، سياسيا، اجتماعيا، وتنمويا، وأن غاية هذا الاشتغال هو التدبير الراشد بما يحقق أكبر قدر من المصالح العامة للمجتمع مع تجنيب المجتمع أكبر قدر من المفاسد العامة، وفي ذلك تطلع نحو نهضة المجتمع وتنميته و تبوئته مكانة معتبرة ضمن المجتمعات النافعة.

2. أن هذا التدبير الراشد للشأن العام، هو تدبير تشاركي يسهم فيه كل المجتمع تقريرا وتنفيذا وتقويما، وبالتالي ينتفي ذلك المفهوم التقني للتدبير والذي يحصره فقط في التنفيذ التقني الآلي،

3. أن السياسة هي وسيلة في ذاتها لخدمة المصالح العامة، وهي بذلك تمتنع أن تكون مجالا خاصا بفئة معينة تحترفه مهنة لقضاء أغراض شخصية أو فئوية، والمصالح العامة ترتبط عضويا بحفظ ضرورات الاستمرار النفعي أخذا وعطاء على مستوى البلاد ومحيطها الإقليمي والعالمي، هذه الضرورات التي يمكن عدها في:

• حفظ الهوية التي هي مصدر تميز للشخصية العامة للمجتمع إذ لا وجود له بدون أن يتميز عن غيره، ومنه حماية نظام قيمه الكبرى،

• حفظ أهليته الفكرية والثقافية التي هي مصدر عطائه العلمي والتنموي، ومنه تطوير نظامه التربوي و التعليمي والبحث العلمي بما يخدم غاية امتلاك ناصية العلم والعطاء؛

• حفظ الحريات ومنها حرية أفراده الشخصية وكرامتهم، وإفساح المجال للحريات العامة ومنها الحق في التنظيم والتشكل لكل التعبيرات المجتمعية المعتبرة المنصتة إلى نبض المجتمع؛ وبالتالي لتعددية مجتمعية تعمق عملية الإشراك الفعلي للمجتمع في التقرير والتنفيذ والتقويم.

• حفظ الكفايات الاجتماعية باعتبارها مصدر الاستقرار الاجتماعي الذي هو شرط العطاء والنهضة، ومنه توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية من سكن وصحة، وكذا ضمان قدرة شرائية في حدها الأدنى الذي يحقق الكفاف، وضمان الحق في الشغل وتكافؤ الفرص وكذا توفير شروط الباءة الاجتماعية بما يحفظ النسل والتصدي لكل المحاولات التي تهدده؛

• حفظ المال العام من ثلاث محاذير شديدة الخطورة على مصالح المجتمع والمتمثلة في: النهب والتبديد والعبثية في إسرافه، ذلك أن المال العام هو حق المجتمع في كفافه والنهوض به ورفاهيته، وإذن :

 فالتصدي لمحاولات نهبه هو من الضرورات المجتمعية الكبرى،

 والحيلولة دون تبديده هو من الإعلاء من شأن مسؤولية الوازع الوطني في الحرص عليه،

 ونبذ العبثية في تبديده هو من التشديد في إسرافه في النافع العام بحسب التمييز بين الضرورات والكماليات؛

4. أن محور الاشتغال بالسياسة هو الإنسان، من حيث ضمان كفاياته الاجتماعية كما سبق ذكره، و تنمية قدراته الفكرية والمعرفية، وجعله نافعا والمادة الخام الأساسية لمشاريع التنمية والنهضة، إن المشتغل بالسياسة حين يكون محور برامجه وخططه هو تنمية الإنسان، تأخذ السياسات العامة وجهة اجتماعية بالأساس، وتتمحور القوانين المالية والاقتصادية والتشريعية عموما على هذا المحور، فيكون الهاجس هو الموازنات الاجتماعية وليس المالية، ويكون المعيار في فشل السياسات هو النسب والمؤشرات المتعلقة بالتنمية البشرية، وليس التي تنفصل عن هذا المعيار فيضحي هاجسها الأساس ومعيار قياس تنميتها هو النسب والمؤشرات المتعلقة بالعجز التجاري أو المالي الصرف.

رابعا خلاصات عامة

يقودنا الحديث عن مفهوم السياسة إلى تكثيف الخلاصات التالية:

1. أن السياسة هي تدبير راشد للشأن العام،

2. أن غاية الاشتغال بها هو حفظ ضرورات الاستمرار النفعي أخذا وعطاء على مستوى البلاد ومحيطها الإقليمي والعالمي، ومنه حفظ نظام قيم المجتمع الكبرى الذي هو مصدر تميز شخصيته العامة، حفظ كفاياته الاجتماعية، حفظ ماله العام من النهب والتبديد والعبثية،

3. أن محو الاشتغال بالسياسة هو الإنسان تنمية لقدراته في كل المجالات، لأنها هي المقدمة الأساس والمادة الخام لتحقيق التنمية الشاملة المستدامة والنهضة المأمولة.

4. أن السياسة تدور حيثما دارت هذه المبادئ العامة التي ذكرنا سلفا، ولا تدور حيثما دارت موازين القوى.

[email protected]

‫تعليقات الزوار

3
  • marrueccos
    السبت 18 يناير 2014 - 20:03

    بما أننا في المغرب ؛ فسياسيوا هذا البلد كمنطق متناثر على شكل بقع لا رابط يجمعها ببعضها ! خصم الأمس حليف اليوم ولو لم يتغير البرنامج الحكومي !!!! بقع من المنطق ترضي الأفراد ولا تقنع منخرطي الحزب !!!! " مزوار " ضد برنامج " بن كيران " وحين خرج " شباط " من التحالف الحكومي دخله " مزوار " !!!! إن إستمعت ل " شباط " ستقول أن كلامه منطقي وإن إستمعت ل " مزوار " ستقول أن كلامه منطقي !!!! لكن لا رابط يربط منطق " مزوار " و منطق " شباط " فالثاني كان مع فأصبح ضد ! والأول كان ضد فأصبح مع ! مع العلم أن الأمر يتعلق بنفس القضية ( البرنامج الحكومي ) !!!!!!! هذه هي بقع المنطق التي لا رابط يجمع بينها !!!!!!! بالله عليك ! هل يعقل أن يخالف المنطق المنطق !!!!!! إذن نحن بصدد جزر سياسية لا رابط يجمع بين قيادتها ومن المفترض أن تكون القيادة المعبر لصوت المنتسبين للحزب !!!!!!!!!! وليس العكس !!!!!!!!!!!! وحيث كان صوت الجماعة فالقيادة مجبرة بإتباعه وليس العكس !!!!!!!

  • خ /* محمد
    الأحد 19 يناير 2014 - 11:10

    – الفكر السياسي العربي والخيال السياسي العربي معاً لم يرقيا بعد إلى مستوى التجريد، فلا يستطيع المفكر العربي والسياسي العربي، سوى استثناءات قليلة، أن ينظر إلى الدولة على أنها تجريد عمومية المجتمع وتعبير عن كليته، وإلى المواطن على أنه تجريد الفرد الطبيعي، فلا يستطيع تصور فكرة أن الدولة هي دولة جميع المواطنين ومحايدة حياداً إيجابياً إزاء جميع محمولات الأفراد والجماعات، وإزاء العقائد والأيديولوجيات الدينية والعلمانية على السواء.

  • لمغاري خديجة
    الأحد 19 يناير 2014 - 17:00

    المبادئ العامة التى ذكرتم،تؤخذ بعين الاعتبار لكن هناك عامل اهم ضمن ذلك،يتمثل في الاستقرار والامن،والسياسة لادور لها ان لم تضبط الامور في أمن البلاد ،وهذه قاعدة اساسية في انحطاط الامم أو ازدهارها.ثم تأتي التنمية البشرية …والمالية…بالتبع.

صوت وصورة
الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت
الإثنين 25 يناير 2021 - 10:31 9

الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت

صوت وصورة
تخريب سيارات بالدار البيضاء
الإثنين 25 يناير 2021 - 10:05 14

تخريب سيارات بالدار البيضاء

صوت وصورة
وصول لقاح أسترازينيكا
الإثنين 25 يناير 2021 - 00:52 12

وصول لقاح أسترازينيكا

صوت وصورة
ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور
الأحد 24 يناير 2021 - 16:20 12

ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور

صوت وصورة
انهيار منازل في مراكش
الأحد 24 يناير 2021 - 15:32 11

انهيار منازل في مراكش

صوت وصورة
آراء مغاربة في لقاح كورونا
السبت 23 يناير 2021 - 15:41 23

آراء مغاربة في لقاح كورونا