مليكة أوفقير بين " السجينة" و" الغريبة"

مليكة أوفقير  بين " السجينة"  و" الغريبة"
الخميس 12 يونيو 2008 - 21:32

تخلت مليكة أوفقير (الصورة) عن بلاغة الكلمة ودلالالتها الظاهرة والباطنة، تماماً كما تخلت عن توطيد الإحساس بالفقد الكبير، وذلك عندما كتبت تكملة سيرتها الذاتية “الغريبة” نهاية 2006.

فعلا، كما سطرت المؤلفة على غلاف “الغريبة” الأخير، أن “السجينة” كانت “شهادة مؤثرة عن الألم والظلم وأيضاً عن البقاء، عن القمع وجشع السلطة، وكذلك عن الصبر والرغبة في النسيان، عن السجن والسجّان، وعن الحرية ومحاولة الصفح“!

في “السجينة” تروى مليكة أوفقير – ابنة الجنرال الذي قاد محاولة انقلابية ضد ملك المغرب وفشلت في أغسطس1972 ؛ حيث أُعدمَ والدها بخمسة رصاصات اخترقت جسده، وتم سجن عائلته : فاطمة زوجته وأطفالها الستة (منهم مليكة) في سجون بالصحراء لمدة خمسة عشر عاماً ! ليقضوا بعدها خمسة أعوام في الإقامة الجبرية في مراكش، حتى حصلوا على إذن الحرية عام1991 وغادروا المغرب.

في “الغريبة” تبدو لغة التحول من بؤس الأسر وفظاعة السجانين والمحاولات اليائسة للهروب عبر شق نفق بالأيدي الناعمة الرطبة، وتبدو أيضاً مشاهد الطعام البائس الذي يرمى لهم ووساخة المكان وضراوة البراغيث التي تهاجم الأجساد، وتراقص الفئران حول رؤوسهم، وهجير الحر، وانتظار ما لا يأتي. في “الغريبة” تؤخذ الكاتبة بالحياة المتدفقة في باريس أولى محطات الحرية بعد أسر القصر وسجن (تزمامارت)، ثم عبورها الأطلسي إلى نيويورك مع (إيريك) الصديق الذي وقف بجانبها ثم تزوجها عام1998 في باريس.

لقد سيطر موضوع “الجديد” في حياة مليكة على جماليات السرد، وبدت الراوية كطفلة – ولربما تعذر في بعض الوقفات بعد سجن لمدة عشرين عاما – حيث تنتقل بين المتاجر والسوبرماركتات، وتُسعد ناظريها بمشاهدة الاطعمة الفاخرة ” يالها من صفقة، عَشرُ علب بثمن خمس.. لا يهم أن تكون بالثوم والطيب، عادية أم بالفلفل الحلو، بسرعة وقبل أن تستولي مدبرة منزل أدهى من غيرها عليها، دسستُ ثلاثة طرود في عربتي، أي ثلاثين علبة بورسان“!

مليكة أوفقير رفقة زوجها إيريك

كان الخوف من الآخرين أيضاً يحضر بوضوح في “الغريبة” وذلك شيء يُبرره سوء معاملتها وأسرتها في الأسر. ونلاحظ إسهاباً واضحاً حول حادثة الرجل الذي ترافقه الكلاب الضخمة في السيارة.

قد يبدو في السرد شيء من المبالغة عند تعرّف الراوية على مظاهر الحياة الجديدة في باريس. حيث دخول الحمّام الذي لم تجد فيه مفتاح صنبور الماء، حيث تلجأ إلى حيلة “غبية” كي تتعرف على مكان فتح الصنبور، وهو الادعاء بأنها فقدت قرط أذنيها، وتظل تصف الموقف مطولاً، حتى تدخل امرأة إلى الحمام وتمرر يديها تحت الصنبور فيتدفق الماء.

وتعود مرة أخرى إلى ” عجائب” عالم الحرية، وهو الرقم الذي ينظم معاملات الناس، وبطريقة طفولية لم تتمكن الراوية من حل لغز الرقم الموضح على الشاشة الكبيرة، وتربطه بالوقت – أي الساعة – كان الرقم164 ، واعتقدت بأنه الساعة16.04 أو الساعة 16.40 وتظل تنتظر في إدارة الضمان الاجتماعي، بينما الناس يأخذون أرقاماً وينجزون معاملاتهم. لم تأخذ هي رقماً كالآخرين، وبمشهد تمثيلي تصور لنا الآلة الخاصة بالأرقام المتسلسلة بأنها لم تميزها عن مطفأة الحريق!؟

نفس الدهشة تفاجئها عند الحديث عن بطاقة الصرف الآلي ! حيث تفرد10 صفحات من الكتاب للحديث عن المفارقة التي صادفتها وهي تحاول سحب مبلغ من ماكينة الصرف الآلي، وكيف أنها عانت – بينما الطابور خلفها يطول – عدم قدرتها على التعامل مع الآلة. وهذا يجرنا إلى الإفصاح عن أن الراوية التي عاشت في قصر الملك الحسن الثاني، لابد أن تكون قد علمت بأمر البطاقات الائتمانية، أو ماكينة الصرف الآلي!؟

أقول: هنالك نوع من المبالغة في المقاربات التي صادفتها الراوية في باريس ونيويورك، واكتشافها العالم الجديد الذي يمنح الحرية، ومعها ضرائب شتى!

هنالك أبواب في الكتاب لم تثرالكتاب من الناحية الموضوعية، مثل تضمينه باب (البؤس) وقصة (البير) المتشرد الذي يقتات على ما يرمى إليه من نقود معدنية!؟

المفارقات التي سجلتها الراوية أحياناً تبدو مقنعة جداً كتناول الطعام في مطعم باريسي شهير، ووصفها للأكلات البحرية المتنوعة، ومقارنتها للطعام الرديء الذي كان يقدم لها ولأسرتها في السجن. حيث يتناولون البيض الفاسد – الذي يرمى إليهم كل15 يوماً، بالطبع لاتوجد ثلاجة لحفظه، وتشرح لنا كيفية التخلص من السائل الأسود الذي يفسد البيض، ثم تغطس الخبز البائت في الزيت والحليب لتصنع لأسرتها اختراعاً جديداً من الحلوى!

نعم تلك مفارقات مقنعة ومثيرة، وتختلف عن تلك التي تصادفها الراوية في حياتها الجديدة!

وتعبّر الراوية عن نجاحها الكبير وهي تصل إلى دار الناشر لكتابها الأول في شارع )سان بير) حيث ترى كتابها بغلافه الذي يحمل صورتها مع أفراد أسرتها. ومن ثم أحاديثها في التلفزيون أو أمام الجمهور.

ومقابلتها في التلفزيون مع )أوبرا وينفري) المذيعة المشهور، كما تفتح لها أبواب العمل في الإنتاج السينمائي وفي الإعلان بالذات. وتعود إلى الصراع من جديد في المغرب حيث تتواجه مع رجال الأمن عندما تعود ليلاً إلى منزلها في الدار البيضاء.

ومن مفارقات “الغريبة” الصراع مع البقاء !! حيث كان وسواس فقد الأمومة يسيطر على الراوية ! ولقد جربت كل الطرق المؤدية للإنجاب، وزارت أشهر الأطباء، حتى فكرت في تبني (نوال) ابنة اختها.

وتعود الراوية إلى المفارقات العجيبة مذ تطأ قدماها الفندق الضخم في نيويورك. حيث تواجه كيفية فتح جهاز التحكم في التلفزيون، وجهاز ضبط التكييف، وكذلك تسترق النظر إلى جهاز المنظم الذي يحمل في الجيب (Organizer)، وكذلك نجاح الناشر في توزيع700 ألف نسخة من كتابها في أمريكا وحدها! وتؤخذ الراوية من جديد بالجديد الأمريكي: “مادام علي أن أجمع، شننتُ غارة على المنتجات الصغيرة، من مراهم وشامبو وعيدان القطن المنشفة للأذنين، وألواح الصابون الصغيرة التي تضعها أيادٍ غير مرئية كل يوم في حمامات الفندق. إنها جذابة للنظر، متقنة الصنع، مدموغة بشعار الفندق، منمنمة كأنها لوازم دمية، لابد أن تكون في أمريكا حتى تحظى بترف – يتجدد يومياً دون أن يُطلب منك قرشاً واحداً (قرشٌ واحد) لم تنتبه أنه نائب فاعل مرفوع، سرعان ما اضطررت إلى استخدام كيس ثان، امتلأ بتلك الكنوز التي لا تنضب أبداً“.

في فصل “موت ملك” لا تخفي “مليكة أوفقير” خيبتها بأن موت الملك لم يكن ليسعدها أو يحزنها، بقدر ألمها كونها لم تحصل على شهادة براءة او اعتراف بالخطأ من قبل السلطات التي أخذت من عمرها وعمر عائلتها عشرين عاماً؟!

“تركني الحسن الثاني يتيمة من ألمي، جردتني وفاته من باعثي الوحيد للكُره والكفاح والتألم، ومع ذلك كان ذلك الباعث هو ما أبقاني لزمن طويل عائمة في قاع سجني…. فبرحيله المفاجئ دون تسوية حساباته، دَفَن معه فرحتي الأخيرة لأفهم لماذا؟؟”

لا نختلف في أن “السجينة” كان كتاباً مثيراً للغاية وإضافة جديدة للمكتبة العربية، ولكن “الغريبة” لربما احتاج إلى تروٍ ونظرة أعمق لمجريات الأمور، ولعل السرعة في إصداره جعلته مجرد ذكريات وحوادث ومفارقات تمر على أي إنسان يعيش في باريس أو نيويورك، ويُفاجأ بدهشة التطور وإيقاع الحياة، وإنتاج المصانع مما لا يتوافر في بلدان العالم الثالث.

عن الشرق القطرية

‫تعليقات الزوار

2
  • وسام العراقي
    الخميس 12 يونيو 2008 - 21:34

    قالت بلقاء اخر انها تحتفظ ب( مظمه) اي حزام ذهبي مهدى لها من الملك محمد الخامس رحمه الله .. فكيف تاكل البيض الفاسد ولديهم مظما ..؟؟ وكيف يعيشون الان كارستوقراطيين ؟؟ بنات صدام لاجئات بحماية الملوك والرؤساء
    . وليس مثل بنات اوفقييير .. وعبد الهادي بو طالب خير شاهد . يا اخوان

  • مغربي
    الثلاثاء 7 غشت 2012 - 03:44

    كتعقيب على صاحب المقال وكدفاع عن السيدة ملكة اوفقير ( … هذا يجرنا إلى الإفصاح عن أن الراوية التي عاشت في قصر الملك الحسن الثاني، لابد أن تكون قد علمت بأمر البطاقات الائتمانية، أو ماكينة الصرف الآلي!؟…)
    مليكة اوفقير عاشت في قصر الملك في الستينيات حيث لم يكن هناك لا تلفزيون ملون ولا حاسوب فما بالك بالصراف الألي وبطاقات الإئتمان والتكنولوجيا التي تعيشها انت الآن.. مليكة رفقة عائلتها ادخلو إلى الزنازن في بداية السبعينات حيث عاشو في معزل عن العالم في كوكب آخر عاشو في جو من الظلم والظلام والحرمان .. هل تعرف معنى هذه الكلمات ام انك تسمعها فقط .. بالله عليك كيف سيكون رد فعل من عاش في حفرة وفي عزلة عن العالم إزاء التكنولوجيا
    ولو كان متعلما .. فعلا لو قرأت الرواية الأولى " السجينة " لن تفهم ابدا الرواية الثانية التي تتحدث فيها عن كونها غريبة .. غريبة عن العالم

صوت وصورة
ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور
الأحد 24 يناير 2021 - 16:20 8

ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور

صوت وصورة
انهيار منازل في مراكش
الأحد 24 يناير 2021 - 15:32 10

انهيار منازل في مراكش

صوت وصورة
آراء مغاربة في لقاح كورونا
السبت 23 يناير 2021 - 15:41 23

آراء مغاربة في لقاح كورونا

صوت وصورة
أسرة تحتاج السكن اللائق
السبت 23 يناير 2021 - 14:52 9

أسرة تحتاج السكن اللائق

صوت وصورة
كروط ومقاضاة الداخلية لزيان
السبت 23 يناير 2021 - 13:31 11

كروط ومقاضاة الداخلية لزيان

صوت وصورة
محمد رضا وأغنية "سيدي"
السبت 23 يناير 2021 - 11:40 2

محمد رضا وأغنية "سيدي"