من أجل سلام دائم

من أجل سلام دائم
الأربعاء 15 أبريل 2009 - 21:26

-1-

يفجعني جدا ما أقرأه من شذوذ فكري وبؤس في التواصل الحضاري والثقافي .. إما لشخص، أو لطرفين وأكثر؛ فكل جــــهة تكـتفي بإقصاء الأخرى، بـعدمــا تكون قد انغلقت على ذاتـــها، وربما قد يدفعــها تهورها إلى ســب وشتـــــم واستفزاز كــل من يعارضها الرأي أو المذهب أو ما شابه من المعتقدات …

تحصل كــل هذه الأشياء بالنسبة للشخص المتعصب لرأيه … إن كان لــه فعــلا رأي وأفكار تناقش، أم أن كــل ما يحمله في جمجمته / جعبته لا يعدو أن يكون سوى استمناء فكري مريض لا غــير. وهذه الأفكار الشاذة تقلق صاحبها و تحدث لـه خللا في منطقته اللاشعورية، وكلنا يعلم مـا معنى أن يتحدث إليك شخص وهو في حالة لاشعوريــة ..وفي حالتــه القصوى يقوم فقط بتفريغ مكبوتاته الرمزية في شكل خطاب يدعي ما يخفي ، أو يدعي ما لا يعلم ، أو يتطاول على أشياء بعيــدة عنــه ، وتغيب عنــه الحكمة الأبدية التي تصلح لــحالــتـه “الــــصمت حكمــــة” .

و حسبي إن هذا الفرد الدغمائي ومــن هم عــــلى شاكلته يحتاجون إلى طبيب نفسي أكثر منــه إلى فتح حوار حضاري ….

-2-

إقصاء الــغير و تهميشه علاوة على ثقافة الإدعاء، من آفات بعض متثاقفي عصرنا كما ذهب إلى ذلك المفكر بلال أشمل ذات مرة.

إن العالم الذي أوجد فيه هو دائما العالم الذي أتقاسمه مع الآخرين، لأن الوجود في العالم هو وجود في العالم “مـــــع”؛ فعالم الوجود-هنا هو عـالم مشتــرك كما أشار إلى ذلك مارتــــن هيـــدغر فيلسوف ألمانيا المعاصر،ومن ثم فلا معنى لهذه الدعوات في الإقصاء والتهميش التي تمارسها بعض الجهات.

-3-

بالأمس، أهين المسلمون بعدما نشرت رسومات تسيء إلى نبي الإسلام محمد(ص) و مازالت هناك جهات تعمل سيرا على نفس النهج … 

تصريحات الرئيس بوش – حول نكتة الحرب الصليبية – عقب تفجيرات سبتمبر المعروفة، نزلت كالصاعقة على أصحاب السلام في معمور العالم هنا و هناك،و لولا أن نبهه أصحابه إلى (خرافته) ومبادرته إلى إصلاح (خطابه) المعادي للإسلام والمسيحية  لوقعت كوارث لا تحمد عقباها ..

اضطهاد وقـــتـل للضعفاء، حرمان أطفال غز(وفلسطين عموما) من أبسط حقوقهم،  كـــالعيش بسلام، وسلطة تضمن لهم كل الحقوق المتعارف عليها في العهد الدولي لــحقوق الطفل، مثلهم في ذلك مثل أطفال العراق و أفغانستان، وبراءة بلدان أفريقيا السمراء و باقي دول العالم .. وما دون ذلك، فـهـــو دليل على انتهاك كرامتهم، واستخفاف كبير بحياتهم التي لهم الحق الكامل في عيشها، و تعالٍ على القانون الدولي... فــأيــن المفر؟

-4-

إقصاء آخر ينهجه كل جاحد .. و متعصب، إقصاء كلما طفت علاماته في أزمنتنا المعاصرة ..ذكرتــنا بعهد العصور الوسطى… إنه الإقصاء المرتبط بالدين، فما دام دينك أو معتقداتك تخالف ما أعتنقه فأنا أقصيك وأنبذك وأحتقرك و قد أذهب كثيرا في تخــلفي وأكرهك بقوة .

إن هذه الظاهرة تعيدنا حقا إلى قرون خلت،زمــــن  قصور العقل والسيطرة عليه من لدن فقهاء (أو رجال دين عموما ) متشددين،أما بعد الحركة التنويرية التي عرفها كل ثغر من ثغور العالم، بعد أن نودي في الإنسان ” تشجع على استخدام عقلك الخاص”(كانط) وبعدما غامـــر فلاسفة ومفكرون ودعاة حق من رجال الدين بحياتهم مــن “أجل سلام دائم “، وبعد الملايين من الناس التي ماتت بسبب الحروب التي شنها هؤلاء المتشددون أو بعلل أخرى، أعتقد أن البعض لم يستفد من الدرس .. فضل عــــن الطريق المستقيم .

-5-

أتأسف جدا لكل من سولت لــه نفسه القدرة على نزع السلام من قلوب الشرفاء و إن كانوا ضعفاء. أتأسف جدا لكل أولائك الساعين وراء الشر و خراب عمران الإنسانية، فحتما مصيرهم النسيان، والتاريخ يشهد أن كل من عاث في الأرض فسادا و بدون حق ..غلب على أمره، وكان مصيره النسيان والمسح من ذاكرة التاريخ. فــتـكـفـيـه مثل هذه الـنــهاية.

وحدهم أصحاب السلام، والساعون إلى الخير والعدالة والكرامة والحرية والحق من تبقى أسماءهم و صورهم راسخة في ضمير الإنسانية. أما أولائك الذين يسلكون طريــق العنف ويحرضون عليــــه من أصحاب الفكر المتوحش، فلا مهرب لهم من مزبلة الــتاريخ مصيـرا( عفوا على هذا التعبير).

-7-

لا مــبرر للعنف كيف ما كان .

ان أحمل كـــلمة طيبة خير لي من حمل بندقية وإشهارها في وجه شخص يقتسم معي هذا الــوجود ..

فرق شاسع بين جريمة القتل وفضيلة الحوار، كالفرق بين السفاهة والحصافة، أو بين الموت و الحياة.

لا أدري، لـــربما ما يعرفه العالـــم من كوارث طبيعية رسالة من الطبيعة نفسها لاشمئزازها من أفعالنا الظالمـــة والضالة عن الحق (رغم أني هنا سأضرب بالتحليل العلمي عرض الحائط، فعفوا على رومانسيتي الزائدة).

لي إيمان كــاف أن الطبيعة جزء من الإنسان، لـها لغتها و خطابها الخاص بها … و إلا فما معنى أن تذبل وردة قبـــل أوانها !

عـــلينا جميعا أن نسعى إلى التآخي بين مختلف الحضارات والديانات والشعوب …

عـــلينا جميعا أن نسعى إلـــى تحقيق المساواة والحرية والعدل وكــل القيم الإنسانية النبيلة من أجل مستقبل فيه سلام لــنا جميعا .

فتحية لكل أولائك الذين يعملون “من أجل سلام دائم” .. و يخلصون في عملهم هذا .  

 *  عنوان الموضوع مأخود من كتاب للفيلسوف الألماني ايمانويل كانط  يحمل نفس الإسـم.

‫تعليقات الزوار

1
  • مراد
    الأربعاء 15 أبريل 2009 - 21:28

    تحية نابعة من صلب التواصل، و عاينا أنلا ننسى تاريخ الحرب الصليبية الثانية،و كذلك تحية لكل حمام السلام و طوبى لدعاة السلام………..و السلام

صوت وصورة
السفير الألماني وتعقيدات الفيزا
الأربعاء 13 يناير 2021 - 22:28

السفير الألماني وتعقيدات الفيزا

صوت وصورة
خطر كورونا على القلب
الأربعاء 13 يناير 2021 - 21:27 4

خطر كورونا على القلب

صوت وصورة
احتجاج فدرالية اليسار
الأربعاء 13 يناير 2021 - 19:30 4

احتجاج فدرالية اليسار

صوت وصورة
هدم منزل مهدد بالسقوط
الأربعاء 13 يناير 2021 - 18:28 3

هدم منزل مهدد بالسقوط

صوت وصورة
صرخة دكاترة الوظيفة
الأربعاء 13 يناير 2021 - 17:44 33

صرخة دكاترة الوظيفة

صوت وصورة
إنتاج وتثمين العسل
الأربعاء 13 يناير 2021 - 13:44 7

إنتاج وتثمين العسل