من السكتة القلبية إلى الزلزال السياسي

من السكتة القلبية إلى الزلزال السياسي
الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 - 16:36

كل شيء في الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس أمام البرلمان يوم الجمعة الماضي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية من الولاية التشريعية العاشرة، كان جميلا وصريحا وحازما، بل إن حتى نبرة الخطاب غير المألوفة والآيات البينات من القرآن الكريم الممهدة للخطاب، كانت وحدها ذات حمولات ورسائل غير معتادة من الجالس العرش.

ويكفي التذكير بأن مُرتل الآيات أختير له قراءة الآية الكريمة من سورة الأنفال “إنَّ شرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ”، وهي الآية الأكثر سهلا على الفهم من لدن العامة قبل النخبة؛ لكن ما كان دون انتظارات الرأي العام هو اكتفاء الملك بالإشارة أو التبشير بإمكانية إحداث “زلزال سياسي” والأخذ بغير المعهود من وسائل وأدوات لأجل تجاوز الوضع الراهن أي الفشل الذريع الذي يميز النموذج التنموي المغربي !

فأية إشارات يحملها حديث الملك عن رجة أو “زلزال سياسي”؟

بالعودة إلى التاريخ القريب للمملكة، وتحديدا في سنة 1995 ومن قبة البرلمان نفسها أعلن الملك الراحل المرحوم الحسن الثاني أن البلاد على وشك السكتة القلبية، في تشخيص غير مسبوق حينئذ من طرف ملك تميّز طيلة فترة حكمه بتميزه بالترفّع عن أن يوصف بسوء تدبير في الحكم، واليوم وبعد 22 سنة ومن نفس المكان يرسم ابنه الملك محمد السادس هو الآخر صورة قاتمة للبلاد، وهي المرة الثالثة في أقل من أربعة أشهر، بحيث لم يتردد في التأكيد على وصف الوضع وتشخيصه بكامل الموضوعية (مع التسطير على الكلمة)، ويصب في ذات السياق جام غضبه على السياسيين والمسؤولين، وينعتهم بدون أدنى مركب نقص بالانتهازيين والانتفاعيين على حساب مصالح الوطن والمواطنين، ليبلغ غضب الملك ونقمته على هذه النخبة مداهُما، بإعطاء تعليماته للبروتكول بأن يرتل المقرئ تلك الآيات البينات الواضحات الفاضحات المؤنّبات لكثيرين ممن لبسوا اللباس الوطني وتسمروا أمام الملك ينصتون لخطابه وماهم بِفقِهين مضامينه أو هكذا تظاهروا ويتظاهرون.

غضب الملك جعله لا يتردد في البوح أمام مسامع السامعين بضرورة “الخروج عن المعتاد وإحداث زلزال سياسي” حتى يمكن تدارك ما ضاع وهدر من فرص لجعل النموذج التنموي المغربي يرقى حقا بالمواطن إلى العيش الكريم بما يضمن له ولوج التعليم والصحة والإدارة والقضاء والشغل بعيدا عن الزبونية والمحسوبية والفساد !

وحتى لا نزعم القدرة على قراءة الطالع والزعم أن رسالة أو رسائل الملك قد تعني إعفاء حكومة سعد الدين العثماني واستبدالها بحكومة أخرى قد يترأسها حزب آخر وليكن حزب صديق الملك السيد عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار)، أو شخصية تكنوقراطية، وهذا “زلزال سياسي” كامل الارتدادات على اعتبار أنه يخالف الدستور، ما يعيد للأذهان ما قام به الجالس على العرش في سنة 2002 عندما جيء بالتكنوقراطي السيد إدريس جطو ليترأس النسخة الثانية من التناوب الحكومي، في مشهد سُمي لاحقا بالخروج عن “المنهجية الديمقراطية”، فإن التدقيق سواء في خطاب العرش أو خطاب 13 أكتوبر يجعل الذين يشار إليهم بالبنان وبوضوح هم الوزراء او الحكومة عموما، ثم بعدهم كبار المسؤولين.

وإذا استحضرنا عمل لجان التحقيق والمجلس الأعلى للحسابات بخصوص مشروع “منارة المتوسط الحسيمة”، فإن هؤلاء هم أيضا أنفسهم المستهدفون. هذا عدا عن أن دعوة الملك همت كذلك التسريع بإخراج نموذج اللاتمركز إلى حيز الوجود، وهو التسريع نفسه الذي طالب به الملك بخصوص الجهوية المتقدمة، ما قد يعني أن هذا “الزلزال” قد يعني أيضا مراجعة نظام الإدارة الترابية المحتكرة للسلطات المحلية والإقليمية مع العمل على إعادة توزيع الأدوار والمهام مع المنتخبين.

فماذا يعني وصول الملك إلى كل هذا التذمر من واقع مملكته وسياسييها وإدارييها؟

افتراضات:

– حكومة التناوب التي جيء بها في 1998 ضمنت انتقالا سلسا للعرش من ملِك لِملك، ولكن لم تنقل البلاد إلى بر الأمان!

– حكومة الربيع العربي (في نسخته المغربية) في سنة 2011 هي الأخرى ضمنت للعرش عبورا آمِنا من حالة انتفاضات جارفة أطاحت بأنظمة في المنطقة، وأكثر من ذلك قامت بإصلاحات خدمت الدولة أكثر مما خدمت الشعب، ولو أن ظاهرها والشعارات التي رفعتها على شماعة حزب إسلامي كانت تضع أولويات الشعب على قائمة أجندتها، ليتضح اليوم أن ذلك كان مجرد أضغاث أحلام!

– لا يمكن نفي تورّط صارخ للدولة في “لعبة” تأجيل تبنّي نموذج ديمقراطي واضح سياسي وتنموي، وهو ما أفقدها الجرأة على الخوض فيه سواء مع بداية ما سمي “العهد الجديد”، أو حاليا بعدما بلغ من الرشد عتيا، وهو ما أعطانا “رجال دولة” ومقررين في السلطة يفضلون إبقاءهم على ما يسمى “الاستثناء المغربي” كما خبروه على عهد الراحل الحسن الثاني، أو ما سُمي على عهده بـ”الديمقراطية الحسنية” وهي ديمقراطية كانت شكلية لا تنفيذية، على أن يذهب النظام إلى تقديم مزيد من التنازلات والقفز أبعد ما أمكن في مسار الديمقراطية!

– في خضم النقاش المستمر والمتردد الدائر داخل وبين أركان الدولة، تركت مشاكل المجتمع بدون حلول أو بأنصافها!

والنتيجة: وضْع أشبه بحالة سكتة قلبية وشيكة بينما الأطباء منهم من هو غير كُفء ومنهم من هو متردد في العلاج!!

[email protected]

https://www.facebook.com/nourelyazid

‫تعليقات الزوار

7
  • محمد أيوب
    الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 - 18:23

    وليدات المغرب:
    منقول عن أحد المواقع بتصرف:"…هل يشبهون وليدات المغرب المنسي في مدن الهامش وقرى الفقر ومداشر العهد الحجري والجبال الباردة…وليدات المغرب الحقيقيون هم أبناءهم فقط أبناء أولائك الدين أغرقوا المدرسة العمومية في الوحل لترسو يخوت مستقبل أبنائهم على شاطئ التميز والعبقرية…أبناءهم الذين يدرسون في البعثات الأجنبية بمناهج ولغات العالم ولا تربطهم بالمغرب سوى جعرافيا المدرسة والمسكن والمنصب السامي الذي ينتظرهم بعد عودتهم الدراسية الموفقة..هؤلاء الأبناء الطيبون جدا الذين لا يخلقون الفوضى في بلاد الاستثناء،ولا يحتجون،ولا ينزلون للشارع للمطالبة بالمساواة..والعمل،ولا يعرفون لا لغتنا ولا ثقافتنا ولا يعلمون أصلا بـوجودنا…؟"..هذه هي الحقيقة التي يتغاضى عنها"كتاب"الآراء و"المعلقون"و"المحللون"بمناسبة الخطب الملكية…الفرق واضح جدا بين الواقع والكلام..ولنا في تجدد مآسي سكان أنفكو وباقي اخوانهم في المغرب غير النافع كل عام خير جواب على برامج التنمية التي تمطرنا بها وسائل:"التعتيم"البليدة ببلدنا متناسية أن العالم كله-وليس فقط أجمل بلد في العالم-أصبح قرية صغيرة..صغيرة..صغيرة..جدا..جدا..

  • الجمهور
    الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 - 18:34

    المغاربة أصبحوا يطبقون المثل الشعبي تبع الكذاب حتى الباب الدار إننا هنا وسنضل هنا إلى ان يظهر الحق وشكرا

  • السيمو
    الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 - 19:30

    أخي الكريم أظن أنك تجني على الكاتب ويبدو أنك لم تقرأ المقال كاملا أو انك لم تستوعبه..المقال حافل بالانتقادات اللاذعة لأصحاب القرار وهو بصراحة قد وضع إصبعه على مكمن الداء وشخص الوضعية بمنتهى الدقة لاسيما عندما قارن بعهد الحسن الثاني والملك محمد السادس…تحياتي للكاتب

  • المغدد
    الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 - 19:50

    والله لو أريد، بنية حسنة، للمغرب أن يسير إلى الأمام لسار أبعد مما أريد له أن يسير. إذ كل الإمكانات والإمكانيات المادية والمعنوية متوفرة: خيرات البحرين: أنواع الأسماك الجيدة والضخمة، المواني، خيرات الأرض: الفسفاط والمعادن والمياه الجوفية، ومختلف أنواع الخضر والفواكه ذات جودة عالية، خيرات الجبال: الدهب والفضة والنحاس وغيرها، خيرات السماء: الشمس، الهواء، الرياح، خيرات الوديان: السدود المتوفرة، الطرق المعبدة والطرق السيارة، بالإضافة إلى اليد العاملة الرخيصة، وأطر عالية المستوى في كل المجالات…غير أن الكثير جندوا طاقاتهم الفكرية والثقافية والسياسية والمادية للبحث عن كيفية إسقاط الحكومة الحالية المصونة بإرادة الله وبالدستور…لوكنت في منصب السيد العثمان، لرددت مما أردده يوميا:
    « سقف بيتي حديد ** ركن بيتي حجر
    فاعصفي يا رياح ** وانتحب يا شجر
    واسبحي يا غيوم ** واهطلي بالمطر
    واقصفي يا رعود ** لست أخشى خطر

  • said
    الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 - 21:12

    الاية شديدة, والنموذج التنموي الذي فشل لم يكن من اختيار الحكومات المتعاقبة فهي كانت مجرد اداة منفذة لارادة واختيارات القصر منذ عهد الحسن الثاني في الستينات ..
    لنكن صرحاء من بلور هذا النموذج التنموي ومن اختار الليبرلية الاقتصادية المتوحشة التابعة للسوق الراسمالية ومن اهمل التنمية البشرية مند الستينات ?
    وهل طبق اليوسفي الاشتراكي نموذجه التنموي الذي كان يبشر به ام انه ظل وفيا لنفس الاختيارات الحسنية وهي شروط امليت عليه قبل تسلم الوزارة الاولى?
    وهل طبق بنكيران نموذجا تنمويا معارضا لاختيارات الدولة العميقة ام انه كاليوسفي طبق ما كان يملى عليه من اختيارات وشروط ?
    تم من يراس المجلس الوزاري الحكومي فيكون رئيس الحكومة تحت وصايته واشرافه المباشر?
    اذن ففشل النموذج التنموي هو فشل اختيارات تمسكت بها الدولة مند الستينات وليس الحكومات المتعاقبة , ولا زال المغرب يمشي على خطاها الى اليوم..
    اما الوزراء والبرلمانيون ففشلهم ليس في فشل اخيارهم التنموي ,وانى لهم تطبيق اختياراتهم, وانما في كونهم مجرد ادوات منفذة عديمي الجدوى مسلوبي الارادة..

  • محمد أيوب
    الأربعاء 18 أكتوبر 2017 - 07:04

    عين الصواب:
    ما سطره صاحب التعليق رقم:6هو عين الصواب،فما يسمى ب:"النموذج التنموي"المغربي لم يكن ولن يكون يوما ما من اختيار أية حكومة سابقة ولاحقة..فالقرار يملكه الملك ومستشاروه،والحكومة تنفذ تعليماته عبر ما يصلها منها سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة..فالحكومة لا تملك من القرار ببلدنا الا ما يملكه موظف بسيط في جماعة أو ادارة ما..اذن ففشل المشروع التنموي-ان وجد أصلا- لا يجب تعليقه على شماعة اية حكومة كانت..فأفرادها مجرد موظفين سامين يتمتعون برواتب سمينة وبتعويضات وامتيازات أسمن لتنفيذ رغبات اصحاب القرار الحقيقيين..أغنياء الوطن وأثرياؤه يشغلهم تنمية أرصدتهم وثرواتهم ولا تربطهم بالوطن الا الجغرافيا التي تمكنهم من استمرار جني الأرباح والتمسك بالسلطة لتحقيق أهدافهم والتمكين لأنفسهم ولورثتهم.. أما سكان أنفكو ومن في حكمهم فلينتظروا كل سنة"اكراميات"وصدقات أصحاب القرار الأغنياء الماسكين بزمام الأمور..لماذا يتم تعليق الفشل على أناس مسلوبي الارادة؟لماذا لا نقول الحقيقة كما هي والمتمثلة في كون الاختيارات والقرارات ليست بيد الحكومة ولا ساكني قبة:"البار لمان"ولا غيرهما ممما يسمى ب:"المؤسسات"؟..

  • karim
    الخميس 19 أكتوبر 2017 - 09:50

    الخطاب الاخير للملك نقلة جديدة من المسؤولية على الحكومة وأعمالها الى ممارسة المعارضة ، وهذا دليل واضح على سور تقدير من وقفوا ضد تشكيل حكومة بن كيران الثانية

صوت وصورة
آش كيدير كاع: طبيب الأسنان
السبت 17 أبريل 2021 - 23:00

آش كيدير كاع: طبيب الأسنان

صوت وصورة
مع سهام أسيف
السبت 17 أبريل 2021 - 22:00

مع سهام أسيف

صوت وصورة
كوبل زمان .. مودة ورحمة
السبت 17 أبريل 2021 - 21:00

كوبل زمان .. مودة ورحمة

صوت وصورة
أساطير أكل الشوارع: أمرعاض الشهيرة
السبت 17 أبريل 2021 - 18:00

أساطير أكل الشوارع: أمرعاض الشهيرة

صوت وصورة
أمكراز: ماقلبتش على بنكيران
السبت 17 أبريل 2021 - 17:28

أمكراز: ماقلبتش على بنكيران

صوت وصورة
استمتع بدرجات اليقين الثلاثة
السبت 17 أبريل 2021 - 17:00

استمتع بدرجات اليقين الثلاثة