من يجرؤ على الكلام

من يجرؤ على الكلام
الخميس 23 ماي 2013 - 18:01

إعلان تشاؤم مشروع للفكر ، مع الابقاء على تفاؤل الارادة

تستبد بالصحافة الوطنية السيارة ، الحزبية منها والمستقلة العمومية كما الخاصة على حد سواء، منذ بضعة أسابيع، وبشكل بارز نبرة تشاؤم لا يمكن أن تخطئها حاسة القارئ النبيه والمتابع النهم للافتتاحيات والمقالات الرئيسية والمواكبات والمعالجات التحليلية لأوضاعنا السياسية العامة بالبلاد مند مدة ليست بالقصيرة .

نبرة التشاؤم هاته التي تعلو نبرة الخطاب السياسي والاعلامي ليست بالطبع وليدة الأسابيع والأيام الماضية على وجه التعيين والحصر ، فلقد كانت موجودة في الحقيقة، تعتمل داخل المشهد العام و تضبط إيقاع الكتابة الصحفية منذ شهور مديدة ، منذ أن تبين بالملموس وبلا مواربة أن جملة من مؤسساتنا السياسية والدستورية ومرافقنا العامة اختارت العودة إلى سيرها الركيك والمعتاد على العهد السالف ، الروتيني والرتيب بعيدا عن أي إبداع أو إقدام أو إقناع، تاركة تفسير ما تقوم به، ضمن ما تبقى لها من صلاحيات واختصاصات، لبعض عناصر الشرائح العليا من التكنوقراطيات والنخب من البيروقراط ، قارئة الماكيتات، والرسوم البيانية والجداول الإحصائية على الطريقة التي يقرأ بها المستقبل في قعر فنجان ، بحسبانها أن مشكل المغرب تدبيري لا سياسي مؤسساتي ، وتختزل الامر في الفعالية والانجاز بدلا من السلطة والتوزيع العادل لها وللثروة .

لكن هذه النبرة التشاؤمية، وجدت لها قوة دفع مضاعفة بعد مسلسل الانتخابات الجزئية الأخيرة ، وحركات الفرملة للمسار الديمقراطي الوليد حتى ببهلوانية مقرفة من قبل بعض من القافزين الى سدة التوجيه العام من ساسة المرحلة ، ومارافق كل هته المرحلة من ظواهر ارتدادية سالبة ، وما تمخض عنها من تداعيات توحي بتوطين نزعة نكوصية لاتزال ذيولها تتفاعل لحد الآن، فلقد أكدت هذه الانتخابات واثارها السياسية الإحساس، لدى كل من لم يندمج بالكامل في المنظومة، أو في السيستيم (بلغة البنيويين) بأن الحاضر السياسي والمؤسساتي هو سلسلة متصلة ومتراصة من التراجعات قياسا الى الماضي القريب، وأن المستقبل قد يكون – يا للهول – أقسى وأسوأ من الحاضر، وأننا قد نكون أكلنا خبزنا الأبيض واستنفدناه منذ مدة، وأن علينا من الآن فصاعدا أن نروض الذوات – ذواتنا على تحمل المضرات لنستوعب الصدمات النكوصية تلك ، بل وحتى على تلقي الضربات وحسن استيعابها بل وامتصاصها .

فقد أكدت هذه التطورات اللاحقة الإحساس العام، خاصة على ضوء ما عرفه مسلسل التحالفات السياسية من تعاقدات مريبة عند تشكيل الحكومة وسيرورتها ، أن ميزان الضوابط والمعايير انكسر وتبعثر شظايا وبأننا صرنا مهددين بعد اليوم بالسير دون بوصلة تحدد الاتجاهات الأربعة، وتساعد على توضيح الهدف والأفق لنعرف حقا إلى أين نحن قاصدون وفي اي متجه نحن ماضون وسائرون .

وهكذا، فالصورة التي يقدمها البلد اليوم عن نفسه، هي صورة بلد يستيقظ فيه الناس في الصباح، يذهبون إلى عملهم أو تجارتهم أو مكاتبهم، لا تبدو عليهم أمارات الشعور أو الاقتناع بأنهم يمارسون عملا أو يضطلعون بمجهود يدخل بوعي ضمن بناء مشروع جماعي عام يحركه حلم الانتقال الى مصاف الدول العابرة لبؤسها المستطير والفاقدة لبوصلتها التنموية والنهضوية ، ثم يعودون في المساء متعبين، باحثين بأي وجه عن تلهية أو تسلية يجدها قسم كبير منهم في مسلسلات تلفزيونية عربية وأجنبية، رومانسية أو عنيفة، وبين الصباح والمساء تستمر الوصلات الإشهارية للأبناك ومؤسسات الائتمان والقرض، تنادي على عباد الله الموظفين أن استدينوا استدينوا من أجل كل شيء ، من أجل مواجهة التكاليف الإضافية لهته الشهور العجاف ، من أجل العطلة الصيفية، من أجل مصاريف الدخول المدرسي، وحتى من أجل جمع ديونكم المتعددة في قرض واحد يقيكم قساوة الشعور الذي لابد أن يولده تعدد الديون الاستهلاكية .

الصورة التي يقدمها البلد عن نفسه هي صورة بلد يتكاثر في مدنه الكبرى والمتوسطة عدد السيارات، ومعها يتكاثر عدد الفقراء والمهمشين والمعوزين ممن لا أمل لهم في حراك اجتماعي في مستقبل منظور – صورة بلد يصر فيه المسؤولون الكبار، من ذوي القرار النافذ غير المحاسبون ولا الخاضعون لمنطق الاختيار الشعبي الاقتراعي ، أن لا تتعدى تعاليم المشروع الحداثي الديمقراطي الدي يبشرون به عتبة الطلاء الخفيف والعابر، السريع الذوبان، وذلك خوفا من تبعاتها السياسية والثقافية العميقة، وحفاظا على مصالح متراكمة مكتسبة من غير جهد انتاجي ، يدرك أولئك المسؤولون أن التقليدانية كثقافة ونهج سياسي وتدبيري وحدها تضمن استمراريتها بكل الاطمئنان المطلوب لهم ولكتلهم التي تتبادل بينها المنافع بمنطق الغنيمة وبناء النفوذ والجاه .

من يجرأ اليوم على الكلام الصريح والجريئ ، أو حتى يقوى على رسم صورة مشرقة وردية، أو على الأقل إيجابية لواقعنا في الحاضر واحتمالات تطوره الاكيد في المستقبل ؟

من يجرؤ اليوم أو يقوى على الادعاء بأن هذا الواقع يرسل إشارات تحمل ومضات أمل أو لمسات استبشار؟

وهذا أو هؤلاء الذين قد يقوون على ذلك ويجرأون، من اصحاب الرأي وقادة المرحلة من المبشرين الجدد ، هل يستطيعون حقا، حينما يأوون إلى فرشهم ويضعون رؤوسهم فوق الوسائد، مستعرضين شريط الأحداث والظواهر التي صادفوها خلال اليوم – هل يستطيعون إقناع حتى ذواتهم، في تلك اللحظات التي لا يعود فيها من سلطة على العقول إلا ما تومن به وتقتنع ، بأن ما ينشرونه بين الناس من غبطة مصطنعة ووعي زائف على الملأ من حولهم هو ترجمة أمينة لأحاسيسهم الحقيقية؟

لعل أبرز صورة أو تعبير عن هذا التناقض الذي قد يستشعره من ينشر الغبطة المصطنعة والضباب المستطير والغيوم الملبدة والوعي الزائغ والزائف من حوله خلال ساعات النهار، ثم يعود يراجعها في لحظة السكون مع الذات في صمت الليل، هو ما يطلق عليه السوسيولوجيون الأنجلوساكسونيون ب «أكاذيب عامة وحقيقة خاصة» .

أمام ما نشاهده ونرقبه يوما بيوم من رداءة وسقوط وانحطاط في الاداء العام، في مشهدنا السياسي البئيس وحياتنا العامة الشاردة والجانحة والعامرة بكائنلات غرائبية واطئة رخوة وهزلية ، من يجرؤ أو يقوى اليوم على القول بأننا لازلنا نمثل أحد النماذج المنبثقة للديموقراطيات في بلدان العالم النامي بالشكل الذي كنا نوصف أو نصنف به إلي عهد قريب ، بل دهب الحلم بالبعض الى درجة تصنيعنا كمثال وتدكيرنا باننا حقا استثناء ، إلى حدود بضع سنوات مضت حينما كانت وفودنا إلى المؤتمرات والتظاهرات العالمية الحزبية السياسية والديبلوماسية تشعر بالفخر والاعتزاز، وهي ترى مختلف الوفود الأجنبية تدنو منها راغبة في الحوار مستفسرة طارحة أسئلة، ومعبرة عن إعجابها بذاك الذي حققه بلدنا على صعيد الانتقال السياسي السلس والهادئ ، مأخوذة بوقع أصداء تلك النقلة النوعية التي كنا قد حققناها وأصبحنا بموجبها بؤرة اهتمام كل القوى الديموقراطية من حولنا في بلدان العالم النامي

– من يجرؤ أو يقوى على ذلك اليوم حيث الركاكة عنوان واطار وعملة رثة ورديئة في عالم السياسة تطرد العملة الاصيلة والنابعة من رحم الشعب ؟

‫تعليقات الزوار

9
  • الوهم و الحقيقة
    الخميس 23 ماي 2013 - 20:11

    "إلى حدود بضع سنوات مضت حينما كانت وفودنا إلى المؤتمرات والتظاهرات العالمية الحزبية السياسية والديبلوماسية تشعر بالفخر والاعتزاز، وهي ترى مختلف الوفود الأجنبية تدنو منها راغبة في الحوار مستفسرة طارحة أسئلة، ومعبرة عن إعجابها بذاك الذي حققه بلدنا على صعيد الانتقال السياسي السلس والهادئ ، مأخوذة بوقع أصداء تلك النقلة النوعية التي كنا قد حققناها وأصبحنا بموجبها بؤرة اهتمام كل القوى الديموقراطية من حولنا في بلدان العالم النامي"

    خدعوك يا عزيزي، خدعوك. الانتقال السياسي السلس والهادئ لم يحصل سوى في ذهنك بتأثير أجواء الصالونات و المؤتمرات التي تم إحضارك فيها. أما على أرض الواقع فلا شيء تغير. و أنت اليوم تستفيق من نومتك المغناطيسية لا أقل و لا أكثر… فإما أن تنخرط في الواقع أو ترجع لأخذ حصص جديدة من "المؤتمرات والتظاهرات العالمية الحزبية السياسية والديبلوماسية".

  • زكرياء
    الخميس 23 ماي 2013 - 21:09

    اشكرك سيدي على هذا العمق في التحليل والتأمل في أحوالنا ومآلاتنا. لن أطيل عليك رغم ان القصة طويلة وتحتاج بالفعل الى الدخول في التفاصيل والخروج منها الى طرح أسئلة قد يراها البعض فلسفية واراها عملية. اشرتم الى تجربة التناوب التوافقي حسب ما فهمت، وكيف كان ينظر لها كاستثناء في منطقتنا. اتفق معك من الناحية المبدئية، غير انني ارى انك نظرت للموضوع من عالمك واقصيت عوالم اخرى ينتمي اليها آخرون. كنت وما زلت معجبا بالسي عبد الرحمن اليوسفي وبكارزميته غير انني ارى اننا في حاجة الى فعل استثنائي يجعل من الممكن بناء مشروع مجتمعي يشارك فيه كل المغاربة بجميع أطيافهم ويحترم فيه الجميع ثوابت الدولة المغربية، لان اللحظة اذا كانت تتيح امكانية تحديد الوجهة فلا يجب ان تكون المنطلقات أيديولوجية وتشكك فيما اتفق عليه المغاربة. التحديات اليوم اقتصادية واجتماعية وسياسية وليست فكرية.

  • Med
    الخميس 23 ماي 2013 - 21:13

    تنقصه الجرأة على تحديد المعطيات على أرض الواقع دون اللجوء إلى النمط التقليدي في التعامل مع الواقع المزري الذي يعيشه الشعب المغربي على كل المستويات٬أو بعبارة أخرى غياب التحديد المنطقي لواقع ردة فعل الشارع المغربي على الإسقاطات السياسية و الإجتماعية التي تمارس على هذه الأمة منذ ما يزيد عن 50 سنة٬لكن اليوم و لله الحمد بدأ الشعب المغربي يكشف عن ردود فعله تُجاه كل ما مُورِسَ و يُمارَسُ عليه من كل هذه الإسقاطات.

  • مراادطوكيو
    الخميس 23 ماي 2013 - 21:34

    راه يلا ما بنادم فكّر بحال الأخ يحيى اليحياوي غي بلا ما طّبخو راسكوم سالات لحفله
    ما عندنا غاز ما عندنا بترول عنداكوم تكولولي الفسطاط و الحوت و طيريري غا نكولّيكوم خنقو التّماسيح و العفاريت شواي شواي بمساعدة حامي الوطن و شوف تشوف ، و هاديك وزارة الأوقاف بداو بيها.و من بعد دوزو لغيرو شواي شواي و كولو للنّقد الدّولي قيّْد لكريدي فالثّلج حتّى لشي عصر من لعصور تكدي فيه الشّمس ملييييييييح و يدوب داك الثّلج و تدوب معاه التشعويده عفوا التّقييده لكريدي زعما و نخلّصوكوم بالمدكوك ماشي حبوب، و ما نعرف هبل تربح إيوا لهمّ راك تْمّْ
    فخاطر إكسبير
    لعشير

    هسبريس ديري جميل

  • القيادة
    الخميس 23 ماي 2013 - 21:51

    انت محق الاخ خالد، فهذا ما نسميه بعين الذباب. اولئك الذين لا يرون من الشيء الا قبحه، سلبياته وأوساخه. اولئك الذين لا يروقهم قط أن يروا ولو شعرة حق نابعة من اخلاص وتفان في العمل لأناس لم يعرفوا للمصلحة الخاصة طريقا، و فضلوا الوضوح عوض الاصطياد في الماء العكر.

  • المنسي
    الخميس 23 ماي 2013 - 22:34

    يصفعنى وجهى المتخفى خلف قناع النفط

    "من يجرؤ أن يضع الجرس الأول.. فى عنق القط؟"
    أمل دنقل

  • نجيب البقالي المحامي
    الخميس 23 ماي 2013 - 23:33

    صح الأخ خالد
    لنقلها بصراحة إذا كان مشروع الإصلاح في إطار الإستقرار قد وصل إلى الباب المسدود ، وخفافيش الظلام قد عادت لعادات التحكم والفساد، وان السلطة النفيذية هامش تحركاتها محدودة

    فلتعن للشعب عن فشلها وليقرر الشعب

  • المتربّصون داخل....
    الجمعة 24 ماي 2013 - 00:19

    مقال فيه ما فيه من تحليل للسّياسه في البلاد السّعيده
    كان يا ما كان فسياسة حضيني نحضيك داخل…. قنيفدات تتطلّع و تصفّي و ترسم الأثر الرّشيد.
    علاش هذا و ماشي لاخور؟
    قطّعوه

  • أسود لموغريب
    الجمعة 24 ماي 2013 - 23:33

    شكرا خالد على مقالك الّذي يجعلنا نفكّر جليّا إلى ما ستؤول إليه الأوضاع الوطنية خصوصا في ظلّ الأزمات الرّاهنة و خصوصا الصّحراء المغربية أحبّ أم كره المتربّصون الأعداء من المرتزقة الكاكيين و بوليزبّال مرتزقة الصّبليون بورقعا لأنّهم يعلمون ما تزخر الأرض الصحراوية المغربية من خيرات باطنية لا يريدون أن نستغلّها للتنمية الوطنية و تحريك العجلة بسرعة و استرجاع كلّ حقوقنا المشروعة سبتة و مليلية و الجزر.و نقطع بصفة رسمية حقيقية مع الصهيون المحتلّ الغاصب و من أراد التّعامل معنا لابدّ من قبول الشّروط و هذا لن يتحقّق إلاّ بسيادة وطنية مستقلّة

    كبر الفتى ، و أصبح يتقن النطق و الكلام ….
    فسأل الفتى : من يكون أبي ؟؟؟
    أجابت الجارية بنت الخيام : جــــــــا زائر .
    أي أتى زائر ..منسي

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 1

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 5

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 6

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 3

رسالة الاتحاد الدستوري