من يكتب تاريخ المغرب؟

من يكتب تاريخ المغرب؟
الأربعاء 22 يناير 2014 - 23:17

لعل ما فعله المحجوبي أحرضان، بنشره للجزء الأول من مذكراته، هو أنه رمى حجرا في بركة مسطحة. وما زاد في قيمة هذا العمل، وفي إثارة الاهتمام به، هو أنه خصص لمرحلة صعبة من تاريخ المغرب المعاصر ما زال الغموض يكتنفها، وما زال المغاربة ينتظرون المزيد حولها، بدليل هذا الاهتمام بكل شيء يكتبه شهود عاشوا المرحلة وفضلوا تسجيل روايتهم عنها.

بالتأكيد هناك مواقع تركها أحرضان فارغة، كما ترك من كتبوا مذكراتهم حول نفس المرحلة مناطق فارغة أيضا. والذين ينتقدون أحرضان لهذا السبب يفترضون أن الرجل كان عليه أن يكتب تاريخا، ويخلطون بين التاريخ المجمع عليه وبين الشهادة الشخصية. لكن شهادة أحرضان، كأي شهادة أخرى، تبقى مجروحة لأنها مجرد”وجهة نظر” شخص تجاه وقائع عاشها عن قرب أو شارك فيها، بيد أنها شهادة مهمة إذا أضيفت إلى غيرها لتصبح مادة للتاريخ الذي يمكن أن يعكف عليه المؤرخ.

يقول كروتشه: “التاريخ هو دائما تاريخ معاصر”، ومعنى ذلك أن التاريخ هو محل سجال سياسي بين أطراف مختلفة، كل منها يحاول أن يجعل وجهة نظره هي الغالبة، من أجل تكييف التاريخ الوطني. ولذلك يستمر الصراع حول الواقعة التاريخية القديمة حتى في الزمن الحاضر، خصوصا عندما ترتبط المشروعية السياسية برواية محددة للتاريخ. وأبرز عوامل الخلاف بين السنة والشيعة في الإسلام ليس ما يرتبط بجوانب العقيدة فحسب، بل ما يهم قراءة التاريخ الإسلامي منذ أن نادى الله رسوله صلى الله عليه وسلم إليه. وأحد التعريفات الهامة لما يسمى بـ”التاريخ الرسمي” هي أنه رواية انتصرت على روايات أخرى للوقائع.

ما رواه أحرضان في مذكراته ليس تاريخا للمرحلة التي يتطرق إليها، بل شهادة عن وقائع متفرقة حصلت في العقد الأخير للاحتلال الفرنسي بالمغرب والعقد التالي له. وهي شهادة بالتأكيد مطعمة بجرعة معينة من المواقف السياسية، مثلما كانت الشهادات السابقة عليه هي الأخرى كذلك. وينبع ذلك من الخصوصية التي تميزت بها كتابة مرحلة ما يعرف بالحركة الوطنية. ذلك أن السياسيين الذين كانوا جزء من تلك المرحلة ومن أحداثها هم الذين تكلفوا بتسجيلها، وهذا وحده كاف للطعن في تلك الروايات من مختلف الأطراف التي ترى أنها متضررة منها، لأن من يكتب من موقع المشاركة يغلب وجهة نظره وينتصر للخط الذي كان يؤمن به. وبهذا المعنى يمكن القول ـ اختصارا ـ بأن كل من كتبوا عن الحركة الوطنية، من المحسوبين عليها، كانوا بطريقة أو بأخرى يكتبون تاريخهم الخاص، أو سيرتهم الذاتية باعتبارها تاريخا للآخرين.

ومن المثير أننا حتى هذه الفترة، بعد عقود من تلك الأحداث، لا زلنا نتلقى تاريخ تلك المرحلة بوصفها تاريخا شفويا غير مكتوب، يتوقف على أريحية من يتطوع بالإدلاء بشهادته، أو من يمتنع خوفا من أن يتهم بتصريف الحسابات السياسية. ولعل من استنكفوا عن الكتابة عن تلك المرحلة ـ ممن عايشوها ـ كانوا يدركون خطورة تقديم شهادتهم في زحمة التوظيف السياسي للماضي، خاصة إذا لم يكونوا متوفرين على الغطاء الحزبي. وهو ما جعل جزء من تاريخنا ناقصا، بسبب عدم إقدام الكثيرين على الإدلاء بكلمتهم إسوة بما فعل آخرون، وبسبب غياب الأرشيفات المرتبطة بتلك المرحلة، من أجل إنجاز قراءة علمية موضوعية لها، خصوصا وأن الكثيرين ممن عاشوا تلك المرحلة وكانوا معنيين بها قد رحلوا إلى دار البقاء، الأمر الذي يجعل الجيل الحالي أكثر قدرة على رسم مسافة موضوعية مع تلك الأحداث، في أفق قراءتها بنوع من الإنصاف.

إن ما يثار من ردود فعل غاضبة كلما صدرت شهادة لأحد الفاعلين في تلك المرحلة الماضية، لا يعني سوى شيئا واحدا، وهو أن هناك رغبة في تسييد رواية محددة دون ما عداها، كما يدل على أننا ما زلنا نعيش صراعا بين”التاريخ كما حصل” و”التاريخ كما نريد أن يكون”، بسبب الطابع المسيس لكتابة التاريخ. فالتاريخ الفعلي يستند على الوقائع والاتجاهات والمنطق الرابط بينها، بصرف النظر عن مآلات الأشخاص وطبائعهم أو مواقف الناس منهم، أما التاريخ كما يراد له أن يكون فهو في الغالب يضحي بالمنطق التاريخي في سبيل تمجيد أشخاص بعينهم، ويتستر على أخطائهم حفاظا على الرمزية السياسية المستمرة في الوقت الحالي . لكن عندما يفضل كل طرف تاريخه الخاص، تفتقد الأمة تاريخها المشترك وتصبح مضطرة للانقسام فيما بينها حول الروايات، فينتقل الصراع بين خصوم الأمس إلى أبناء اليوم لكي يظل التاريخ باستمرار”تاريخا معاصرا”، كما قال كروتشه.

‫تعليقات الزوار

1
  • mohamed bm
    الخميس 23 يناير 2014 - 01:16

    أمريكا جازاها الله عطتني الفرصة لتعلم بلا أن أسجل في التعليم فقط لأنها بلاد الحريا،و ما يسمى الربيع العربي أعطاني الفرصة ل أفهم قصتي من لأول وخ أنني غير حمار إبن حمار أي عامي،بون يل بغيت نكتب بلغت لوي أي وسط خص نخترعها لهدا فرض علينا أن نكتب بلغت الليف وحده لأن العربية حرفت و الدارجة صنعها أصحاب الليف و أ من المستعمرين لأرض لمروك فاسة و لفرنسيين،فلهدا كنكتبو بسداجة للعامة فلا يهمني لغت الخاصة،لكن لحمار عاق و يقد يفسر سيرته الداتية لفرضها علينا صراع الليف و الياء رغم أن البربر لوي أي وسط،

صوت وصورة
أكلة "أمرعاض" في الأطلس
الإثنين 5 أبريل 2021 - 10:59

أكلة "أمرعاض" في الأطلس

صوت وصورة
فرحة التساقطات
الإثنين 5 أبريل 2021 - 00:19 4

فرحة التساقطات

صوت وصورة
تنظيف مقبرة
الأحد 4 أبريل 2021 - 19:19 1

تنظيف مقبرة

صوت وصورة
تراجع استهلاك الزيتون
الأحد 4 أبريل 2021 - 16:25 18

تراجع استهلاك الزيتون

صوت وصورة
استرجاع المبالغ  المقتطعة-CMR
الأحد 4 أبريل 2021 - 07:46 9

استرجاع المبالغ المقتطعة-CMR

صوت وصورة
فريق بلا قاعة تداريب
السبت 3 أبريل 2021 - 19:49 3

فريق بلا قاعة تداريب