مُزيل الغُصَّة

مُزيل الغُصَّة
الأحد 15 يوليوز 2012 - 01:09

اضحك يا رجل، فالموت يمازحك مادام يخطئك كل مرة ليصيب غيرك.. أحلام مستغانمي

أحتاج، مثل جل المغاربة، إلى ذلك الدواء القوي الذي وضعته هيلانة الحسناء في كؤوس نبيذ المدعوين لحفل تلك السهرة الجارحة التي قادت إلى حرب طروادة، دواء سحري قدمته فلودَمنا زوجة الملك ثواس في مصر، حيث تنبت الكثير من العقاقير الصالحة للخير والشر يعلق هوميروس، كان اليونانيون يسمون هذا الدواء مزيل الغصة، لأنه يجعل من يشرب منه يكف عن البكاء ذلك النهار، حتى ولو مات أبوه وأمه، ولو ذبح أحد أخاه أو ولده أمام عينيه…

لو وجد دواء “مزيل الغصة” ببلدنا اليوم، لانقرضت الكثير من أصناف المهدئات والمنومات، ولأغلقت جل الحانات أبوابها، ولبارت تجارة الحشيش والقرقوبي وأصحاب البولة حمرا لأن المغاربة لم يعودوا يمتلكون القدرة على حماية قلوبهم العليلة من اليأس المتراكم من حولهم ولم تعد لهم القدرة على ترميم أمانيهم السريعة الانكسار الذي يحيط بهم أينما ولَّوا وجوههم.

ولو كان لدينا هذا الدواء السحري، دواء “مزيل الغصة” الذي يجعلك تضحك دوما حتى لو ذبح أمامك الوطن، وليس فقط أبوك أو أمك، أمام عينيك كما تقول، أوديسا هوميروس، لما وجدنا أمامنا مسؤولين ضاحكين لشعب يبكي ويئن.. أصدقكم القول أنني ذهبت بعيداً في حلمي، إلى درجة تمنيت أن أصبح صيدليا متخصصا في بيع دواء مزيل الغصة، وليس في الأمر أي خدعة، فالتجارة حلال وأعوذ بالله من علم لا ينفع، كما هو حال مهنة الوهم هاته، أقصد الصحافة في بلد كالمغرب.. لكني فجأة وجدتني أمام أسئلة تحد من طموحي الشخصي جداً، ألن ينصب أولو الأمر فينا، الذين لا يشعرون بأي غصة مما يحدث بالبلد اليوم، عوائق جمركية أمام هذا الدواء، ليحتكروا الحق في الفرح لذواتهم كما احتكروا الحق في الانفراد بثروات المغرب وغنائمها، وطالبوا منا دائما أن نقتسم معهم ضرائب التنمية دون أن نتقاسم معهم فوائدها.

قد يفرضون قيوداً صحية بدعوى الخوف من انتشار عدوى الإدمان على الفرح لمغاربة يعاني معظمهم من إدمان الحزن والكآبة، قيوداً مثل عدم تسليم دواء مزيل الغصة، بدون وصفة طبية، ولأنكم تعرفون أكثر مني، أن لدينا مستشفى لكل 12 ألف مواطن مغربي وأن الميزانية المخصصة للصحة سنويا أقل من 932 درهم لكل مواطن مغربي، نصف المغاربة لا يزورون الطبيب و بعضهم يكتفي بالشعوذة والسحر، وآخرون ينقلون الأدوية التي وصفت لهم نجاعتها شفهيا من أقربائهم أو جيرانهم لآلام متشابهة دون أن يكشفوا على مرضهم لدى أي طبيب، وأن نصف الذين يزورون المستشفيات والأطباء العمومية، لا يأبهون بما ورد في وصفات الأطباء لجهل أو لعدم قدرة على تسديد فاتورة تكاليف الصيدليات…

مع من سأبيع وسأشتري إذن؟

سأتوجه إلى المعطلين الذين مزقت قلوبهم البطالة وقلة حيلة اليد وانهيار أحلام قصور الرمال التي بنوها في لحظة من عمرهم، سأمنحهم الدواء السحري لهيلانة الحسناء، دواء “مزيل الغصة” الذي سينسيهم أحزان بطالتهم وفقرهم وحتى آلام الوشم الذي تتركه هراوات المخازنية على ظهورهم وأفخاذهم، سأبيع وأشتري مع الديمقراطيين الذي لم يستفيدوا من ريع مخزني ولا ريع حزبي أو نقابي أو جمعوي، بل غصت قلوبهم بالحرقة وهم يرون الزمن غير الزمن الذي أضاعوا من أجله زهرات عمرهم وحقهم في العيش كفتيان زمنهم بين شيطنة الطفولة وحضن امرأة نعد الأماني على أصابعها متى ضاق بنا العالم، الذي لم يكتف بالتحول عندنا إلى قرية بسبب الثورة التكنولوجية، بل إلى سجن صغير لأنه لم يعد يحفل بأحلامنا الصغيرة جداً والبسيطة عددا وتكلفة.

لا بأس، هناك سوق أخرى مع العاهرات الموءودات في أحلامهن، المصابات بكسور ورضوض في حوادث سير الحياة عند أول منعطف، وهناك المتشردون المتسولون والمتربصون بالشاحنات الكبرى لوضع حياتهم في كفة والهجرة إلى بلاد الغربة في كفة أخرى.

لكن المصيبة إذا وضعت الدولة تكاليف كبرى لاستيراد أو إنتاج مزيل الغصة، أو إذا فرضت الوصفة لشراء هذا الدواء السحري، أو بدأت تبحث عن تعلات للزج بكل الفرحين في السجن بسبب التعاطي لدواء مزيل الغصة، والذي قد يجرمه مشرعها أو مجلس علمائها، ويصدر في حقه فتوى دينية بدعوى أنه من صنف ما خمر العقل، فإن السوق التي حلمت بها ضاقت جدا، وهو ما يعني بوار السلعة، تصوروا بالله عليكم بدل مغرب منغمس في الكآبة حتى قنة رأسه، مغرباً يستعمل مواطنوه مزيل الغصة، كما يستعمل اليمنيون القات، “كلشي ناشط”.. من يوجدون في قمة هرم السلطة دائما ناشطون بدون الحاجة لدواء مزيل الغصة، ومن يوجدون في قاعدة الهرم أيضا ناشطون، فرحون، ولكن بدواء مزيل الغصة، تصوروا انعكاس ذلك على المردودية في العمل، وعلى العلاقات الاجتماعية، آنذاك سنصبح أمام معادلة مقلوبة من مثل حكومة تبكي على رأس شعب ناشط وفرحان Happy Very، وكل عام وأنتم بخير.

مع دواء “مزيل الغصة” أحسني الآن أنني بدأت الدعاية المبكرة لهذا الدواء السحري بشكل غير مشروع يخل بتكافؤ الفرص مع كل الحالمين ببيع هذا الدواء، لكن لا يهم، فالغايات النبيلة تبرر الوسائل الدنيئة، أليس هذا ديدن العصر الجديد..

‫تعليقات الزوار

11
  • richy usa
    الأحد 15 يوليوز 2012 - 02:10

    We all need to take "Xanax" in Morocco, we will be very happy people. I take it when I fly because I don't like airplanes…so I forget about the world! Who cares lol

  • Aimad zagori
    الأحد 15 يوليوز 2012 - 02:19

    1 الغصة :
    بضم ففتح ج غصص ، وقوف الطعام ونحوه في المري
    & الغُصَّةُ – غُصَّةُ:
    الغُصَّةُ : ما اعترض في الحلق من طعامٍ أَو شراب . والجمع : غُصَصٌ .

  • marrueccos
    الأحد 15 يوليوز 2012 - 12:33

    في سبعينيات القرن الماضي ، كانت العديد من البيوتات داخل المدينة العتيقة بالرباط ( مبلية ) بالمعجون ! كان هو السبيل الوحيد للإفلات من كٱبة السبعينات المشحونة بصراع سياسي كان فيه صوت الرصاص والمعتقلات السرية والإنقلابات أقوى من صوت الحكمة . المعجون يجعلنا على الدوام سعداء والكثير من المراهقين والشباب ٱنذاك يبتكرون أنواعا للمعجون أقواها قد يقتلك من الضحك ، المادة الخام موجودة بكثرة ( الكيف ) والظرف السياسي الذي نعيش على إيقاعه هو نفسه ما عاشه ٱباءنا وإخواننا في السبعينيات ! ما ينقص هو ربط ماضي الضحك بحاضره وقد يكون المعجون بلسما لجراح الكٱبة التي أقسمت ألا تغادر وطننا من الإستقلال !

  • Rym
    الأحد 15 يوليوز 2012 - 12:42

    Une chronique chimérique qui ,"jongle" épatamment bien avec la mythologie
    permet en premier lieu au lecteur de lacher la bride à son imaginaire
    Ce "mode opératoire" qui se soustrait à ce que ordinairement le lecteur pioche ,
    sonde les problémes de la société tout en dressant un dignostic
    il les relates de façon pondérée certes ,mais leur dénouement est loin de tte attente du lecteur ,car pas de dénouement à la base
    En effet la projection des valeurs imaginaires sur un phénoméne de la société reste utopique
    Parallélement à celà le lecteur,exposé et de façon continue aux problémes de la société via la mediatisation
    , a besoin de s'evader le temps d'un break
    Une façon échappatoire à toutes ces contraintes qui lui pésent chaque jour un peu plus
    Aucun mal donc à se"raffermir l'esprit en mettant,de temps à autres,les problémes de côté
    Merciii

  • سلام
    الأحد 15 يوليوز 2012 - 14:18

    ولو كان لدينا هذا الدواء السحري، دواء "مزيل الغصة" الذي يجعلك تضحك دوما حتى لو ذبح أمامك الوطن، وليس فقط أبوك أو أمك، أمام عينيك كما تقول، أوديسا هوميروس، لما وجدنا أمامنا مسؤولين ضاحكين لشعب يبكي ويئن..

    بادر إذن لبيع الدواء يا أخ كوكاس.ما عدنا نحتمل الكآبة وأوجاع الرأس

  • Mohamed
    الأحد 15 يوليوز 2012 - 20:45

    There is a song of Tim McGraw with a title " Live like you were dying". I guess sometimes we need to relate that title to ourselves because the more we pay attention to what's going on in this life, the more we got sick

  • rachidoc1
    الإثنين 16 يوليوز 2012 - 00:01

    ماذا نفعل في انتظار الموت.
    نلهي ذواتنا بتشييد قصر مقفر.
    ما أحلى الموت على ضفافه.
    يا للذة الموت عندما أنتهي من كل أشغال الدنيا.

  • bwanona
    الإثنين 16 يوليوز 2012 - 00:50

    الدواء الحقيقي سينزل من السماء بشكاوينا لله عز وجل

  • رضوان
    الثلاثاء 17 يوليوز 2012 - 15:42

    مزيل الغصة كما يقول صاحب المقال معروف لدى من لا يشاطر أو يقف في الجانب الاخر من حزب اختار له من الشعارات المصباح. انه مصباح للدعاية والاشهار. وبالفعل استطاع كسب ثلة من المستهلكين للمنتوج الصيني الذي يستهلك في حينه أو لمدة زمنية محدودة تم يأفل. مزيل الغصة معروف لدى المؤرخ ولدى المناضل ولدى التقدمي في الوعي والممارسة. مزيل الغصة في الاخير هو الجندي السياسي المناضل الذي لم ولن يستسلم لخسارته المؤقتة الناتجة عن اخطاء او ممارسات او ضغوط او حتى سوء التدبير السياسي المعقلن الناتج عن الافتراق مع ناخبيه ضمن اللعبة الانتخابية. اما اللعبة الدمقراطية فان مزيل الغصة بمقدوره ان يعيد بريق الاحزاب التقدمية وقوى اليسار المناضلين الرافضين لوضع اسلحتهم السياسية. رجال المصباح اذكياء بفكرهم واموالهم واستغلوا نقط ضعف الاميين والسدج والحالمين بالمدينة الفاضلة ولو في منامهم. انهم مندفعون انهم يجرون ولا يقفون ان مستيقضون لا يقضون… ولو وضعنا الدين جانبا ماذا سيبقى لديهم سوى الفراغ تم الفراغ. السياسة علم ومن يدعي غير ذلك انما هم منافق او مخادع. مزيل الغصة اذن سيكون متاحا بعد 5 سنوات. اطال الله في عمر الجميع…

  • salah
    الأربعاء 18 يوليوز 2012 - 11:38

    المصباح يا من يعيش في العتمة ينير درب السالكين. المصباح رمز الاشراق والنور يا من ألف الظلام واطمأن به. بعد 5 سنوات سيكون المصباح قد عم نوره كل الأرجاء و عندها على اهل الظلمة ان يبحثوا عن دواء يزيل غصتهم. ان سبب غصة المغاربة لم يكن الا الحزاب الفاشلة التي قادت المغرب منذ الاستقلال وأوصلته الى مراتب متأخرة في جميع المجالات. ذات الأحزاب التي فاتها الركب تبحث اليوم عن مكان في ساحة لا يلجها الا اليمقراطيون الحقيقيون, الديمقراطيون قلبا وقالبا. لقد بين المصباح حقيقة الديمقراطية ولا ينكر ذلك الا من في قلبه مرض. لقد علم الأحزاب ان الديمقرطية فعل وليست قولا فارغا من اي مضمون. دامت لكم الغصة يا من يكرهون المصباح المتوهج و ليس لهم بديل الا النعيق.

  • منتصر
    الأربعاء 18 يوليوز 2012 - 20:25

    في السبعينات والثمانينات وحتى في أوئل التسعينات وقبل التوافق والتناوب كان صناع الكآبة والسوداوية هم الإتحاديون، كان الذين يحرضون الشعب ضد قياداته هم التقدميون، كان الذين يزرعون الكره والحقد هم العلمانيون وهم لذلك اليوم يعودون، ما أضيق العيش لولى فسحة الأمل، النضال المستمر هو رديف التنمية البشرية المستدامة، والنضال ليس هو وضع العصي في الدواليب النضال الحقيقي هو عدم السكوت على الطغات والظالمين كائنين من كانوا.
    اليوم يريدون صناعة اليئس ليروجوا للأمل لعلهم لسدة الحكم يعودون ولو بعد حين.

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 13

الفرعون الأمازيغي شيشنق

صوت وصورة
وداعا "أبو الإعدام"
الأحد 17 يناير 2021 - 21:20 23

وداعا "أبو الإعدام"

صوت وصورة
قافلة إنسانية في الحوز
الأحد 17 يناير 2021 - 20:12 3

قافلة إنسانية في الحوز

صوت وصورة
مسن يشكو تداعيات المرض
الأحد 17 يناير 2021 - 18:59 10

مسن يشكو تداعيات المرض

صوت وصورة
الدرك يغلق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36 3

الدرك يغلق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 8

إيواء أشخاص دون مأوى