مِنْ عَوَائِقِ إِصْلَاحِ مَنْظُومَةِ التَّرْبِيَّةِ وَالتَّكْوِينِ

مِنْ عَوَائِقِ إِصْلَاحِ مَنْظُومَةِ التَّرْبِيَّةِ وَالتَّكْوِينِ
الثلاثاء 24 شتنبر 2013 - 14:52

لا أعتقد أن أحدا سينكر الأزمة العميقة التي يعيشها قطاع التربية والتكوين في هذا البلد، والتي كان من تداعياتها المُهينة، الترتيبُ المتدني في سلم “الجودة” ضمن دول العالم العربي، خلف دول أكلتها الحروب والصراعات الطائفية، رغم الأموال والاعتمادات الاستثنائية التي ترصد للنهوض بهذا القطاع الاستراتيجي، الذي اعتبره من يهمهم الأمر “قضية” وطنية لا تقل عن بقية القضايا الوطنية الكبرى التي يربط المغاربة مصيرهم الوجودي بها، ويعتبرونها خطا” مقدسا” يُسترخص من أجلها كل غال ونفيس، ويُعبَّأ لها بكل القوة والإرادة الممكنة.

لكن يبقى، رغم كل هذه التعبئة الاستثنائية، السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذا الخضم هو: لماذا فشلت أغلب الحكومات التي تولت تدبير هذا القطاع في تقديم منتوج تربوي مُرْضٍ؛ ينهض بالأمة، وينجح في عتق رقابها من ربقة الجهل والبطالة، ويُمَكِّنُ رواد المدرسة العمومية من القدرة على الإبداع، والعطاء، والحرية في الاختيار، والحجاج، وإبداء الرأي والرأي المخالف؟؟

وللإجابة عن هذا السؤال لا نحتاج إلى كبير ذكاء لفهم أن من وراء الأكمة ما وراءها.

فالمعروف، أن المغرب منذ حصوله على “الاستقلال” وهو يؤسس للدولة المغربية الحديثة وفق خلفية حُكمية محددة، ذات أجندة سياسية وأيديولوجية، جد واضحة. سعى من يهمهم الأمر إلى تعبئة كل الرصيد الديني والثقافي والفكري، والسوسيوثقافي، لتثبيت جذورها في المجتمع المغربي، والعمل على ابتناء رأي عام أغلبي يحمل القناعات إياها، ويعمل على “النضال” من أجل حمايتها، والذود عنها. لأجل ذلك عمل صناع القرار التربوي، في المغرب، على تسييج فضاء سباحة “الإصلاح” بجملة من القيود والشروط (المرتكزات)، تفرمل كل محاولة للتغيير الجذري، والتأسيس لنظرة متقدمة من خارج أسوارها المحصنة، تبغي قلب الطاولة على الطرق التقليدية في تعريف الإنسان بمحيطه البيئي والاجتماعي، والعلائقي،والسياسي، وبحقوقه المدنية والسياسية،… وتقديره على الانفعال به والتفاعل معه، من خلال التعبير الحر عن رأيه فيه، والاختيار حوله؛ ومن تم تنقل وجهته القناعاتية إلى خلاف المأمول من الحفاظ على هوية ثقافية، وقناعة سياسية قائمة. لذلك ظلت هذه الفلسفة التربوية”المُعَيَّنة” ممن يهمهم الأمر، العائق المانع لكل محاولات الإصلاح من خارج نظرة الدولة العميقة لقطاع التربية والتكوين باعتباره المؤسس لعقل الإنسان؛ اختيارا، وقرارا، ومواقفَ.

فرغم محاولات “الإصلاح” المتتالية التي عرفها المغرب، عبر تاريخ البرامج والمشاريع والمخططات التي تولت الحكومات المتعاقبة على السلطة التنفيذية للمملكة، وضعها، والسهر على تنزيلها. وما تطلب ذلك من مليارات الدراهم، والجهود الاستثنائية، في المراقبة والتتبع والتقويم؛ ظل الوضع التربوي، في مُخرجاته الكمية والكيفية، يراوح مكانه، وكأن كل هذه التعبئة الهائلة، والانخراط غير المسبوق، خصوصا ما عرفه القطاع خلال العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين، لم تكن موجهة لهذا القطاع، أو كانت موجهة إلى بلد آخر غير المغرب !!.

فالحديث عن أزمة التعليم كمُخرج لسياسات تعليمية فاشلة لحكومات متوالية، ليس دقيقا. إذ انحصار التدبير الحكومي للقطاع على الجانب الإجرائي فقط، وتولي “صناع القرار التربوي” المُعَيَّنِينَ من خارج الحكومة مهمة الإشراف على وضع الخطوط والمرتكزات العريضة لمسار التربية في البلاد، ولأهدافها وغاياتها الكبرى، بما فيها ملامح الإنسان المغربي الذي يريدون تخريجه، والعقليات التي يهدفون إلى تشكيلها، ونِسب الأمية والتعليم التي “يجب” المحافظة عليها للحفاظ على وضع قائم مُشَكَّل، وقناعات محددة، تخدم توجهاتٍ سياسيةً واقتصادية وأيديولوجية قائمة، وتثبيت كل ذلك بشروط والتزامات “شرفية”(ميثاق شرف) تقيد الحركة في مسار الاجتهاد، والاقتراح،… هو المثبط الرئيس لمسارات الإصلاح، وإرادات التغيير.

دون أن ننسى- كذلك- أن المزايدات السياسوية التي رافقت مسار الإصلاح و”إصلاح الإصلاح” الذي عرفه المغرب، بين مختلف الهيئات والحساسيات السياسية التي تعاقبت على حكم البلاد، والتي كانت تراهن على توجيه عقول المغاربة نحو قناعات سياسية وإيديولوجية معينة، تمكن لها من جمهور يواصل رسالتها على درب التمكين لها في حكم البلاد والعباد، من خلال تثبيته لقناعات محددة، أو الترويج لخطإ وتهافت قناعات ومعتقدات الخصم السياسي والأيديولوجي (المعارضة)، والتي كرست لمسار إصلاحي عرف ابتذالا أخلاقيا غير مسبوقٍ، مَكَّن لجيل من العاقِّين لمقومات هويتهم العربية الأمازيغية الإفريقية الإسلامية، المنسحبين من قضايا الأمة المغربية، المنشغلين عنها بِــ”سَقَطِ” القضايا الثقافية والفنية والإعلامية والتربوية المغتربة، من رقاب المواطنين المغاربة؛ يخططون لهم في التعليم ما ينسف به آخرهم أولهم، ويلعن بعضهم بعضا.

هذه الاستغلالات السياسوية التي نقلت قطاع التربية والتكوين من المضمار الاجتماعي الصرف إلى حلبة الصراع السياسي المُدَنَّس، قد ساهمت، أيضا، بقدر معتبر، في تكريس الأزمة، وتعميق الوضع المهترئ لنتائج مدرسة عمومية يفترض أن تسهم في بناء شخصية المواطن المغربي المتميزة بقدرتها على الاختيار الحر، والتعبير المسؤول عن القناعات السياسية والأيديولوجية، والوعي الناضج بثنائية الحق والواجب. بدل أن تكرس ظاهرتي الهدر والتسرب المدرسيَيْن (إخراج جيوش من المعطلين والأميين) اللتيْن فاقتا كل التقديرات التي توقعها صناع القرار التربوي لأسوإ النتائج التي يمكن أن ينتهي إليها إصلاح تعليمي فاشل.

فالوضوح مع الشعب المغربي في أسباب الأزمة ومسبباتها، وإشراك كل القوى التربوية الوطنية المستقلة، الحية والغيورة على قطاع التربية والتكوين، في المساهمة في وضع مخطط إصلاحي “ثوري” ومُواطن، بعيدا عن الإملاء والتوجيه السياسوي والأيديولوجوي الفوقي، وبعيدا عن القيود والشروط المكبلة لحرية الانطلاق نحو ترسيخ دعائم التغيير الحقيقي في القطاع؛ قَمِينَانِ- في اعتقادنا- بأن يضعا قطار الإصلاح على سكته الصحيحة، ويؤسسا لثورة تعليمية حقيقية، تقطع مع ماضي التلكؤ والفشل، وتبني لمستقبل مدرسة وطنية شعبية تجد فيها كل طوائف الشعب المغربي الملجأ والملاذ…

وهذا- على الأقل- ما نأمل أن ينتبه إليه المسؤولون أثناء عملهم على تشكيل عضوية ” المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي “- بديل المجلس الأعلى للتعليم- الهيأة الدستورية الاستشارية المستقلة التي ستُعنى بـ”إبداء الآراء حول كل السياسات العمومية، والقضايا الوطنية التي تهم التعليم والتكوين والبحث العلمي، وكذا حول أهداف المرافق العمومية المكلفة بهذه الميادين وتسييرها ؛كما ستساهم في تقييم السياسات والبرامج العمومية في هذا المجال”. رغم أن البوادر الأولى في التعامل مع هذه الهيأة لا تبعث على الاطمئنان؛ إذ انفراد الوزارة الوصية بوضع القانون التنظيمي للمجلس والمصادق عليه في المجلس الحكومي دون الاستشارة مع بقية الهيئات والمنظمات والقطاعات التي تُعنى بقضايا التربية والتكوين، مؤشر خطير على أن ثمة إصرارا من صناع القرار التربوي على الاستمرار في وأد استقلالية هذا القرار، وإعادة إنتاج ذات التراجعات والتلكؤات التي عرفها تاريخ الإصلاح التربوي في المغرب.

وحتى تخرج تشكيلة “المجلس” إلى الوجود، وتتضح ملامح وتوجهات أعضائه وانتماءاتهم؛ دمتم على وطن !!!

‫تعليقات الزوار

4
  • bachir
    الثلاثاء 24 شتنبر 2013 - 19:45

    لِنُسَمِّ الأسماء بمسمَّياتها . فالتعليم هو كلب الحراسة بالنسبة للمجتمع؛ والمقررات هي التي تحدد المنتوج النهائي.ومقارنة بسيطة بين مضامين مقررات الخمسينات والستينات والسبعينات ،والمنهجية المتبعة آنداك عندما كانت الدولة ترغب في تكوين أطر تعوض بها الأجنبي الذي كان ماسكا بدواليب الوظيفة بمختلف أصنافها، أي تكوين أطر في مستوى عال ؛تتسم بقوة الشخصية ومشحونة بقيم إنسانية مثلى ؛ باتت تؤرق مضاجع صناع القرار.خصوصا لما تبين لها أن المنتوج صعب المراس وعصي عن الإنقياد؛فتم تعويضها بمقررات مشحونة بمضامين تروم تخريج جحافل من المستهلكين، همها الأساسي هو الإنغماس في السوق، تؤمن بالمتعة واللذة والمصلحة الخاصة، ضعيفة الشخصية ،خنوعة وسهلة الإنقياد.وحتى المنهجية تغيرت ،إذ تم تقييد حرية الأستاذ ،وحددت له الغايات والمرامي والأهداف العامة والخاصة؛ بل وحتى الإجرائية القابلة للقياس، والتي لا ينبغي أن يحيد عنها.ثم بعد ذلك، وبإيعاز من صندوق النقد الدولي، تمت دعوة المسؤلين إلى تقليص الإنفاق العمومي على القطاعات الإجتماعية وعلى رأسها التعليم والصحة لفائذة القطاعات الإنتاجية

  • أستاذ الزلاقة الإبتدائية
    الثلاثاء 24 شتنبر 2013 - 19:48

    صار قطاع التربية والتكوين مثار الجدل المجتمعي وكل توصيفات أزمته تطابق الإختلالات التي يعاني منها.فإلى هذا الحد هان على صناع القرارعلى مدار السنوات الخالية بل الإستهتار والإستخفاف الذي طبع سياساتهم اتجاهه.
    إذا كان هذا حال المسؤولين فماذا تنتظر من حساسيات المجتمع بل صار التقليل من شأن رجال ونساء التعليم العمومي أمر مباح فأفقدته هذه الحروب الشعواء-نذكر الإعتداء الذي تعرضت له الأستاذة في إقليم ورزازات على سبيل المثال لا الحصر-هيبته ولنا أن نتسأل من المستفيد من هذا الوضع؟وأكثر من ذلك فالحيف اضطر أن تخامر البعض منا بأن يفكر بأي سلاح سيرد على هذا الإحتقار.حتى لانغالي في جرد عوائق ومكامن الخلل في منظومة التربية والتكوين هذا هو الوضع ببساطة.فجبر الضرر لهذا القطاع وللعاملين فيه. وسن ثقافة التصالح والمصالحة مع المدرسة العمومية ونحن الذين نشتغل فيه مادامت الفوارق الطبقية جلية في سياسة الوزارة الوصية علينا أن نغير منطق التعامل ونقر أننا نعيش في نظام ليبرالي وبالتالي عيب كل العيب أن نجد بعض أبناء رجال ونساء التعليم العمومي يدرسون في التعليم الخاص. قليلا من الغيرة. وقفة جادة ياأساتذة للتاريخ وللنشء

  • bachir
    الثلاثاء 24 شتنبر 2013 - 19:49

    (تابع)،وتم تشجيع الخواص على الإستتمار فيها مقابل تحفيزات ضريبيه وتسهيلات بيداغوجية (اعتماد المراقبة المستمرة كمعيار من معايير النجاح) هذا أدى بدون أدنى شك غيض من فيض مما تسبب في تدني المردودية، وهشاشة المستوى

  • iman
    الثلاثاء 24 شتنبر 2013 - 20:06

    A commencer par les professeurs de l’éducation islamiques pas tous mais la plupart notent sur la base de hijab

صوت وصورة
كوسومار تواكب مشاريع تنموية
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34

كوسومار تواكب مشاريع تنموية

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 20:35 3

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 6

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 1

رسالة الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
العروسي والفن وكرة القدم
الجمعة 15 يناير 2021 - 15:30

العروسي والفن وكرة القدم

صوت وصورة
أوحال وحفر بعين حرودة
الجمعة 15 يناير 2021 - 13:30 3

أوحال وحفر بعين حرودة