مِن ذِكْرَيَاتِ العيدِ بِبِلادِ الرِّيفِ ...

مِن ذِكْرَيَاتِ العيدِ بِبِلادِ الرِّيفِ ...
الثلاثاء 15 أكتوبر 2013 - 13:54

هناك في زرقت، -في تيمديقيت- حيث جمال الأرض و روعة المكان و صفاء الجو وهدوء البال، هناك مرت علينا الأيام، وانقضت بحلوها ومرها، ببؤسها وشقائها، بسرائها وضرائها، بكل ما فيها من تداعيات، بكل ما فيها من أحزان وآلام، انقرضت أيام وخلت سنوات كانت أجمل سنوات العمر، وأحلى مراحل الحياة، يوم كان للحياة معنى حيث لم يكن للنفس شاغل سوى الطعام والشراب واللباس، والطفل يشتهي ويتمنى والواقع قد يصدقه في ذلك أو يكذبه .

وغاية ما يتمنى الطفل: لعبة يتلهى بها بين أقرانه، أو حلوى لذيذة يمصها بين خلانه، أو سروالا ينتشي به بين أهله وجيرانه، ولم تكن هاته الملذات تتوفر للطفل سوى مرتين في السنة، اصطلح الأطفال عليها بالفرحة الصغرى “عيد الفطر”، والفرحة الكبرى “عيد الأضحى”، يوم كان للعيد فرحة، حين كنا نظل منذ بزوغ أول فجر من عشر ذي الحجة نردد شعارات كل مساء فرحا بقدوم العيد واستقباله، يوم كنا لا ننام الليل وتبيت أعيننا تراقب النجوم متى ستختفي، ليس قلقا على قضية فلسطين أو بغداد الرشيد، إنما انتظارا لقدوم يوم جديد يحمل معه فرحة جديدة، فرحة تعم الطفل والشاب وذا الشيبة الكبير، حين كنا نستيقظ قبل طلوع الشمس لا لأداء صلاة الفجر أو رغبة في البكور.

إنما للتفاخر بين الخلان من يسبق إلى المصلى لا لصلاة العيد؛ إنما لمشاهدة الجموع تحج إلى المصلى لأداء الصلاة بمنظر مهيب ولباس موحد وقلوب صافية لا غل فيها ولا حقد، وما إن تكتمل الجماعة ويؤدي الإمام الصلاة، ينصرف الأطفال جماعات والرجال فرادى، أما الرجال: فلانشغالهم بأضحيتهم، أما الأطفال فلا هم لهم وغير مكترثين بأضحيتهم أكثر مما هم مكترثين بمظاهرهم ولعبهم، من شدة الفرح لم نكن نحضر مع الوالد أثناء الأضحية لأن لنا شغلا يشغلنا عن ذلك، بل نظل طوال اليوم ولا نذوق كسرة خبز؛ لأننا في نعيم ألذ من نعيم الطعام والشراب، وقبل شروع الأب في أضحيته يسمع صوت الطفل منبعث من إحدى حجرات البيت بانتظار ما تجود به يد الأب من دراهم؛ فقد كان السعيد فينا أكثرنا دراهما، وكنا ندخر الدراهم ونخبئها استعدادا لهذا اليوم حيث بها تكتمل الفرحة ويتم النشاط، وما أحلى منظرنا ونحن نسير جماعات نطوف على بيوت القرية بيتنا بيتا، مهنئين فرحين مغتبطين، وما إن ننتهي من التهاني حتى يتم التجمع في مكان يسمى بالريفية (تسكلوت) أي الشجرة، وكنا نظل هناك حتى يسدل الليل ستوره، وننطلق إلى بيوتنا ولا نبصر حتى أيدينا من شدة الظلام، ونصل البيت وقبل دق الباب نتنصت حتى نسمع همهمات الأقارب وضحكاتهم فنطمئن وتكتمل الفرحة، ونقضي الليل في فرح وسرور بانتظار قدوم اليوم الثاني من العيد لاستتمام الفرحة، حيث لم يكن يومها لا قنوات ولا شاشات تشغل البال وتكسر الخاطر، ومع طلوع فجر اليوم الثاني ننطلق ونستغرق يوما كاملا من طلوع الشمس إلى غروبه في لعب ومرح تام وهكذا دواليك حتى تنقضي أيام العيد، وكان أهل القرية في فرحتهم سواء، حيث الغني يشد بيد الفقير، وذو النعمة يجود من نعمته على من لا يد له، ولم يكن العمل يومها جار على التكثير من أنواع الطعام والشراب فقد كان المأكل والمشرب يكاد يكون موحدا بين كل البيوت (لحم من الأضحية مع قنينة مشروبة غازية) وبالفعل هي غازية… ، تلك عوامل كلها تساعد في رص صف أهل القرية وتماسكهم.

وكان للنساء مكان يجتمعن فيه، وللرجال مكان، وقد كنا -نحن الصبية- نقتحم على النساء مجالسهن حيث زغاريد الفرح تجذبك وتطرب أسماعك فلا تشعر إلا وجسمك يهتز طربا، فتنساق نحو تلك المجالس لتشاهد بعض منكرات البادية، رغم قلتها حينئذ فعلى سبيل المثال: لم تكن الفتاة يومها تجرأ على إظهار ولو شعرة من رأسها.

وحكاية العيد في زمن الصبا تحلو وتطول وتكفينا الإشارة ليذكر من أراد أن يتذكر، أما اليوم فلم يعد هناك بادية ولا مدينة، فقد اختلط الحابل بالنابل، وظهر الفساد في البر والبحر، وكثرت مظاهر البذخ والترف، فاختفت مظاهر الفرح والنشاط، وحلت محلها مظاهر البؤس والشقاء، فقد حملت النعم الجديدة في طياتها نقما، فلم تعد البادية بادية ولم يعد للعيد فرحة لا عند الطفل الصغير ولا الشاب ولا ذي الشيبة الكبير، فالجميع يتأفف وكل يلقي باللائمة على الآخر والجميع يتمنى عودة أيام الصبا، ورغم اندثار بعض العادات والتقاليد فما تزال بعض البوادي ممن سارت لنا بأخبارهم الركبان محافظين على عاداتهم وتقاليدهم ويستمتعون بأعيادهم.

… فالعيد في القرى البدوية العريقة تستمتع به القرية بأجمعها بمشاركة جميع الفئات، بينما في البوادي التي هي أشبه بالمدن صارت عاداتها كما جاورها من المدن؛ فما ذا تغير حتى تغيرت مظاهر العيد ؟
[email protected]
http://www.facebook.com/karimkallali

‫تعليقات الزوار

8
  • العربي المزوز
    الأربعاء 16 أكتوبر 2013 - 14:17

    حياك الله اخي عبد الكريم، وتقبل الله منا ومنكم ومن كل الاخوة المغاربة.
    ذكرتني بأيام الصبا في بني دركول بالاخماس العليا إقليم شفشاون.
    ياليت الصبا يعود عاما، فأسترجع ما أفقده الشبابُ.

  • khalid
    الأربعاء 16 أكتوبر 2013 - 18:06

    لم تكن الفتاة يومها تجرأ على إظهار ولو شعرة من رأسها" ويالها من إهانة للرجال! كيف يمكن لخوصلة شعر أن تثير وتجعل الرجل لايتحكم في غريزته .ومارايك قول الله سبحانه «لا يحل لك النساء من بعد و لا أن تبدل بهن من أزواج و لو أعجبك حسنهن» ماتعليقك ولو اعجبك حسنهن ؟ التديّن البدوي الذي لا يستطيع بحكم سطحية ثقافته أن يخاطب جوهر الإنسان ولا عقله يدور حول المظهر .سكينة بنت الحسين حفيد رسول الله، وعائشة بنت طلحة. جمال سكينة يأخذ الألباب، فحين رآها أبو هريرة قال: سبحان الله كأنها من الحور العين خاصة تسريحة شعرها المبتكرة التي سميت ﺒ"الطرّة السكينية". عائشة بنت طلحة قال لها أنس بن مالك: إن القوم يريدون أن يدخلوا اليك قالت: أفلا أخبرتني فألبس أحسن ثيابي قالت : "إن الله وسمني بمسيم الجمال … وما كنت لأستره". سكينة وعائشة وبالتأكيد غيرهما من بنات الصحابة كنّ يحيَين حياة ذات حسب وشرف ولم ينكر عليهن ذلك أحد، لا من فقهاء المدينة السّبعة ولا من رجال بيت النبوة ولا أمرهما أحد بالحجاب كما لم يكن واقع المجتمع في زمن النبوة والصحابة كما يصوره لنا السادة المتطرفون، حجاب، وجلباب، واكتئاب

  • من ذكريات العيد ببلاد لريف
    الخميس 17 أكتوبر 2013 - 04:00

    عندما ينتهي موسم الحصاد ، يحين موعد اللعب مع الله "أوشت"، الاولاد والبنات يتشرون في الحقول لاقتلاع ما تركته ضربات المناجل من جذور الحصاد وتجميعه اكواما في ساحة القرية ، يتكلف الشباب باحضار اغصان الزيزفون الخضراء حتى يستمر اللهيب لوقت طويل ، وعند الانتهاء من الاستعدادات ُتشعل النار ، يهيج ويرتفع اللهيب ، يبدأ الكبار في الرقص القفز عليها تحت زغاريد وأهازيج النساء ، يتحمس الشباب ويظهرون مهاراتهم في القفز وشجاعتهم في مواجهة نيران ملتهبة، أجواء حماسية وكل واحد يراهن على ان ينال اعجاب اجملهن ، وعندما ينخفض ارتفاع اللهيب يأتي دور الاطفال والفتيات في الرقص مع الله بتوجيه وتشجيع من الكبار وتستمر اجواء اللعب والفرح الممزوجة بالتحدي الى ان تهدا النار ، تقترب منها الشابات وهن يحملن مجامير لملئها بجمرات ملتهبة لاعداد الشاي وتناوله مع فطائر معدة بدقيق المحاصيلالجديدة ايذانا بنهاية موسم فلاحي جيد واستعدادا لتتويج قصص الحب التي نُسجت في الحقول بحفلات الزفاف ، تستمر الافراح ولن تتوقف الا بحلول موسم الحرث من جديد
    هكذا كنا نحتفل قبل ان تصل الينا قصة اسماعيل الحزينة التي بدأ معها البكاء والنحيب
    sifao

  • khalid
    الخميس 17 أكتوبر 2013 - 11:47

    في إفرقيا الجنوبية والوسطى ، المرأة لا تغطي ثديها لأن عندهم شيء عادي. الثديين عضو له وظيفته كالفم أو الأسنان . ومع ذلك فإن الرجال لا يقيمون القيامة بهذا السبب أما العرب فخصلة شعر تأزمهم وتعقدهم وتثيرهم وتجعلهم كالحيوان لا يستطيع التحكم في غريزته. ويالها من إهانة !

  • iman
    الخميس 17 أكتوبر 2013 - 13:11

    C'est déplorable, et c'est faire peu de confiance dans la santé mentale des hommes. Si un homme ne peut pas voir des cheveux féminins sans maitriser ses pulsions sexuelles, ce n'est pas la femme qu'il faut voiler, c'est l'homme qu'il faut soigner

  • أبو كريم
    الخميس 17 أكتوبر 2013 - 18:28

    اما "زرقت" اللآن بمدينة تارجيست ،فقد تحول العيد إلى حسرة ،أسفا على الاوضاع المزرية التي تعيشها ،الصبا يتاملون في مئات المحتجين وهم يجوبون شوارع المدينة ،يطالبون بتوفير أبسط شروط العيش ……….
    ( إن كنت تقصد ياأحي زرقت تارجيست )

  • houda
    الخميس 17 أكتوبر 2013 - 21:39

    " لم تكن الفتاة يومها تجرأ على إظهار ولو شعرة من رأسها."
    وشهد شاهد من اهلها
    هاذا إعتراف بأنها لا تضع الحجاب بإرادتها ولكنه مفروض عليها بالقوة
    أين الإسلام كرم المرأة ؟ هاذا يسمى قمع وليس تكريم
    الرجل الذي يثيره جنسيا شعر امرأة يعاني من كبت جنسي خطير

  • Manager
    الأحد 20 أكتوبر 2013 - 20:47

    نوستالجيا حزينة…
    يتذكر الشيخ صباه ويستعيد الماضي،ويصور ما تبقى في ذهنه من لقطات الاعياد الماضية،واتساءل لماذا لا يستعيد البؤس والحرمان الذي رافق تلك الاعياد من شدة الفقر عندما كان اباؤنا من الريف يقصدون الجزائر للعمل،وكنا نعيش على خبز الزرع والبطاطس ونلبس القماش دون سروال داخلي ونتمشى حفيان الاقدام،ولا نغسل بالشمبوان ولا الصابون،ولم تكن هناك سيارات ولا طرق في قرانا،وكنا والدواب سواء…كانت اعيادنا في الصيف فرصة للاكثار من القديد لانه لم تكن هناك ثلاجات لخزن اللحم.
    ما هو الافضل تلك الاعياد البئيسة،ام اعياد اليوم التي نتمتع فيها بالمشروبات والثياب الجديدة والسفر الى العائلة مهما بعدت عنا…
    انا اعتقد انه بعد عشرين سنة ستظهر لنا ان اعياد اليوم احسن من التي ستاتي انها فقط نوستالجيا حزينة.

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 2

الفرعون الأمازيغي شيشنق

صوت وصورة
وداعا "أبو الإعدام"
الأحد 17 يناير 2021 - 21:20 17

وداعا "أبو الإعدام"

صوت وصورة
قافلة إنسانية في الحوز
الأحد 17 يناير 2021 - 20:12 3

قافلة إنسانية في الحوز

صوت وصورة
مسن يشكو تداعيات المرض
الأحد 17 يناير 2021 - 18:59 8

مسن يشكو تداعيات المرض

صوت وصورة
الدرك يغلق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36 2

الدرك يغلق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 8

إيواء أشخاص دون مأوى