نحن والغرب .. نفس مذاق الحنظل

نحن والغرب .. نفس مذاق الحنظل
السبت 2 يناير 2021 - 00:45

دأبت أدبيات الخطاب العربي المعاصر على توظيفها الوفي للزوج نحن/الغرب منذ بواكير الخطاب النهضوي أواسط القرن التاسع عشر، قصد الإشارة إلى التفاوت التاريخي البيِّن بين الزمن العربي الميت والأفق الغربي المتوقد، حيث الاختلال والتفاوت الحضاري واضحان جدا بين التقدم الغربي والانحطاط العربي المستمر نزيفه دون توقف.

وظل المهتمون بالإصلاح يحاولون تحديد الفارق التأريخي بين ضفتي الجنوب والشمال، ربما بلغ الرقم عند أكثرهم تفاؤلا خمسة قرون.

وضع في تقديري ربما ردمت فجوته طبعا نظريا وافتراضا، مع التوضيب الجديد الذي أتى به فيروس كورونا، بحيث بدا كأن الزمن توقف ولم تعد عقارب الساعة تسجل مزيدا من نقط التفوق لصالح المنظومة الغربية في ريادتها التاريخية. كيف ذلك؟

أود التأكيد مجددا على قناعتي الشخصية التي لا تلزم أحدا، مفادها أن العالم لم يكن أفضل حالا قبل سياق كورونا، مثلما تحاول بروباغندا الوعي الزائف إقناعنا، ولن يكون هذا العالم قط طمأنينة، حتى وإن شبعنا تفاؤلا بأن الجهود الطبية الجبارة الجارية داخل أروقة الفضاءات العلمية بإمكانها القضاء على التطور العضوي سواء لكورونا أو باقي منظومتها الوبائية، نظرا من جهة للتكلفة الثقيلة اقتصادية وماليا المترتبة عن ركود السنة الأولى، ثم لا أحد بوسعه الجزم بموعد نهائي قد يضع خاتمة لأوزار الحرب المتداخلة والمتشابكة خيوطها.

من جهة ثانية، أضحى المصير البشري حتما منفتحا بشكل بنيوي على مواجهة انمساخات متوحشة للطبيعة، جراء تراكم ترسبات غير طبيعية تماما خلال العقود الماضية.

بالتأكيد، قبل الإعلان المعولم عن اندلاع ملحمة كورونا، كابدت البشرية فيروسات شتى نخرت هياكلها، وأنهكتها جملة وتفصيلا، اختزل الراهن كل تفاصيلها تبعا لنعوت الوضع المستبد لأجواء كورونا، وقد حُشرت البشرية قاطبة دفعة واحدة، واقعيا، داخل أقفاص القردة، وتترقب الأخيرة صدفة قِطَعا من الموز تحت مراقبة الأخ الأكبر، حسب تعبير جورج أورويل.

طبعا، اختلفت حدة وقع منظومة الفيروسات التي أوصلتنا إلى شراسة كورونا بين الشمال والجنوب، حسب مستويات نوعية المشاكل التي تخبطت فيها المجموعات الإنسانية، سياسيا واقتصاديا وفكريا. ربما، بكيفية ما، منظومة التخمة، مقابل الأخرى المترتبة عن الندرة وشظف العيش بالنسبة لضحايا سياسات التخلف والإفساد ومأسسة الفساد: عقم في السياسة حد تأفف الموت من الموت، موات للطبيعة، جفاف وتصحر بلا هوادة يكتسحان، صباحا ومساء، حياة التمدن وذكاء الناس، ولا يبقي سوى على ذئاب متعطشة للدماء والليل والقفر والبيداء، بحيث يصرخ كل واحد شكواه في واد عميق، ولا أحد يلتفت لأحد.

عموما، وإن انكمشت فسحة الرخاء المعيشي لدى شعوب الغرب خلال توالي سنوات العقدين الأخيرين، نظرا لتكرس حلقات استتباب منطق الليبرالية المتوحشة، مع ارتفاع نسبة صادرات أمراض الاستبداد المتأتية من الجنوب، وفق دائما متاهة جدلية، دعم هذا الغرب نفسه، تحديدا دوائره الجيو-استراتجية، لمهندسي السياسات داخل أقبية ودهاليز الجنوب.

أود القول، رغم تراجع نوعية الحياة تحت شمس الغرب، استمر في المقابل متماسكا هناك، إطار الدولة المدنية وفق ثوابتها المقدسة: فصل السلط، العدالة المجتمعية، الحريات الفردية بمفهومها الحقوقي الشامل. بيد أننا نعاين اليوم للأسف انتكاسة بشكل من الأشكال لزخم هذا النموذج الأنواري، الذي منح الغرب دائما امتيازا كونيا، وبوأه موقعا طليعيا تشرئب صوبه طموحات باقي الشعوب المقهورة.

فمن كان يتصور، حتى من باب الاستشراف المعربد، أن الفرنسي والانجليزي والألماني والايطالي… والأمريكي والسويدي، سيكابدون حاليا قساوة منظومة زجرية لحالة الطوارئ، بتأويلاتها الأمنية المطلقة ذات النزوع العسكرتاري، المزدهر باستمرار في مستنقع الجنوب، بناء على دواعي مبررات البروتوكول الصحي؟ وتنهل، بالتالي، من ذات ينبوع شراب علقم الحنظل الذي أدمناه نحن شعوب التخلف منذ أن حدث الوعي بهذه الأوطان المكلومة والجريحة.

من كان يخطر بباله للحظة أن المواطن الأمريكي والنرويجي والاسباني سيختبر مباشرة على أرض واقعه، مع تباين الدرجات طبعا، ويلات الحصار والتضييق والحاجة والفاقة وركل الأدبار، ويجرب شحما ولحما، بأمِّ عينيه وليس حكيا، نكبات ومآسي الفلسطيني والعراقي والسوري واليمني والأفغاني… منذ أن كان العالم عالما؟

موجات الموت تجرفنا اليوم جميعا. البشرية جمعاء تجتاز امتحانا قاسيا، غربها كشرقها، شمالها كجنوبها، يتحسس أفرادها أيَّ قشة للنجاة. لذلك، إن بدا هناك مجال لنظام عالمي جديد، فمن اللازم والضروري أن تستوعب معه الدوائر السياسية في الغرب المتحكمة سلفا في زمام القرار العالمي أن مستقبلا حقيقيا يجدر به الانتماء لنا جميعا تحت سقف منظومة كونية قوامها حق جميع الشعوب في أن تستحق حياة بالمعنى الحي للكلمة.

‫تعليقات الزوار

7
  • فريد
    السبت 2 يناير 2021 - 08:48

    “فمن كان يتصور، حتى من باب الاستشراف المعربد، أن الفرنسي والانجليزي والألماني والايطالي…”هذا تعبير كله مغالطات ففي فرنسا مثلا كل من ضبط خارج المنزل بدون مبرر خلال فترة الحجر الصحي فعليه تأدية غرامة 130 أورو،ولكنه لا يُعْتَقل كما يقع في المغرب،ولايؤدي الغرامة في الحين،في الدول الديموقراطية لاتحتاج إلى المقدم أو الباشا لإستخراج تصريح يُمَكِّنُك من التنقل للعمل أو شراء حاجيات أسرتك اليومية،يكفيك ملأ إستمارة-تصريح بالشرف من أجل ذلك.الناس في هاته الدول لاتقضي جل أوقاتها في الشارع كما الحال في المغرب،نهارا جل الناس في الشغل أو المدرسة أو داخل بيوتها،مساءا فهناك العديد،خصوصا الشباب،الذين يقضون وقتهم في المقاهي أو المطاعم أو العلب الليلية أو…ولايتسامرون في الشارع العام ،والحرمان من هذا الروتين اليومي هو الذي خلق جوا من الإحتناق،ولامجال للمقارنة مع مايقع للغزاوي أو العراقي أو…الذين عاشوا ويلات الحرب قبل الجائحة وربما سيعيشونها بعدها.لاأحد من دول الغرب يمكنه أن يمنعنا من التشمير على أدرعنا والبداية في بناء وطننا،من يمنعنا من ذلك اليوم كما بالأمس هو نظامنا المبني على الفساد ولأحد غيره.

  • Amaghrabi
    السبت 2 يناير 2021 - 11:15

    لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم”انا متفق مع المعلق رقم1 بحيث على الدول المتخلفة او السائرة في طريق النمو ان تنظم شؤونها الداخلية وان تعتمد على انفسها قبل ان تنتظر مساغدات من غيرها,فكيف تساعد من يعيش التخلف الفكري والمتشبث بالخرافات ويعيش في الاوهام ويعتمد على ثقافة السمع والفساد منتشر في جميع ربوعه والرشاوي متفشية والمحسوبية سائدة والمنتخبون نجحوا بالتزوير ويخدمون مصالحهم الشخصية اضافة الى الارهاب اللفظي والجسدي والتهريب والاجرام والاستلاء على املاك الغير وضعف العدالة والقضاء والتعليم المنحظ بنيويا وتربويا ومنهاجا,كيف تساعد الدول العظمى من يهدم صباح مساء وطنه بيده ,اعتقد ان شعوبنا تحتاج الى تربية على المواطنة وحكامنا يكفوا عن استغلال شعبهم من اجل مصالحهم الخاصة وبعد ذلك نحاسب غيرنا عن استغلالنا والامثلة في واقعنا العربي بحيث العراق وسوريا وليبيا والجزائر اتية ووو هم من خرجوا على اوطانهم وكرسوا التخلف والفقر والجهل والامية والفساد ووووو

  • الغرب و التاريخ
    السبت 2 يناير 2021 - 15:17

    و هل الغرب كائن ميتافزيقي؟ بالتأكيد لا فغرب القرن 18م ليس هو غرب القرن 20 و لا غرب القرن 21 م رغم احتفاظه بمقوماته الأساسية من فصل للسلط و فردانية و دعوة للحرية حتى ما يسمى بالعالم العربي ليس هو نفسه ذاك الذي كان في القرن 20 و لا في القرن 19م . إنه التاريخ يتحرك ،يتجدد فهل يتجدد البشر؟ الصراع في الغرب اليوم بين مختلف الفئات الاجتماعية هو صراع ثقافي بالدرجة الأولى و لذلك نجد النقاشات المهمة جدا اليوم هناك حول مختلف القضايا الإنسانية خصوصاً عند الأمريكيين متزعمو الحضارة اليوم

  • il ne faut pas rever
    السبت 2 يناير 2021 - 15:45

    باي وسيلة يتحدث الجواسيس عن بعد؟ إشارات ضوئية ،و دلك هو محتوى les fibres optiques ,ولكن النت هو إلكترونيات numerique و ليس موجات ،analogique عابرة للقارات و البحار ،وفق نظام رياضي ولو كانت لوحة أو قصيدة, هدا غير كاف انت في حاجة للطاقة بالنسبة للanalogique les amplificateurs يوجدون في اعالي الجبال أما le numerique فهم يتوجدون في نقط تحت الأرض داخل المدن و الأهم داخل الهاتف، صورة ،نص ،أغنية يتم تفكيكها ( ديكارت )إلى نظم إلكترونية وفق النظام التنائي الرياضي وإرسالها إلى الهاتف الجاسوس التاني سيقوم يمنحها طاقة تم يعيدها صورتها الاولى ،(صديقك هوسرل )ليس بالاعراض و الرفض نتجاوز الغرب ،بل الفهم ضرورة تم التصحيح ،بمجرد ظهور الكمبيوترات، بدأ كورباتشوف بتفكيك السوفيات، هل نستطيع كتابة عنوان هدا المقال بلغة النت ؟ ابدا دون علينا غسل أفواهنا سبع مرات قبل نقد الغرب، حتى ولو كانت هناك مسارات متعددة للتقدم فلا يمكن البدء من الصحراء الكبرى أو إدخال إفريقيا و الشرق الأوسط، تبقى الصين نقطة استفهام بعد كورونا،

  • دوخة حمرة
    الأحد 3 يناير 2021 - 14:15

    عدم قدرتة عقلنا المتواضع على الخروج من مستنقع التخلف الاقتصادي والسياسي والعلمي ووو…في عالم يعيش تورة التورات من نيوتكنولوجي بيوتكنولوجي علوم النانومتر معلوماتية معرفية تجمع الذكاء الاصطناعي والروبوتية وعلم النيرونات والاكيد انها ستقلب العالم بشكل مدوخ لا نهاية له فإننا عقلنا المتواضع في هذه الدوخة يفرز هورومنات تدوخنا اكثر كالاعتقاد بنهاية الكون او خرابه وان الموت ستساوي عقلنا القديم بالعقل المتجدد …!

  • الغرب الفرداني
    الأحد 3 يناير 2021 - 17:12

    هذه الادبيات والمقارنات التي مازال كتابنا يستعملونها لم تعد تستعمل في الدول الاوربية التي حينما يتكلم افرادها يقولون (انا) اما نحن تعبر عن الثقافات الجماعية والقبيلة والدين. فكف لمغربي ان يحشر نفسه في وسط هذا الزخم من الشعوب ويقول نحن. وشكرا.

  • топ
    الثلاثاء 5 يناير 2021 - 20:33

    جاء في المقال/..من كان يخطر بباله للحظة أن المواطن الأمريكي والنرويجي والاسباني سيختبر مباشرة على أرض واقعه..ويجرب شحما ولحما،بأمِّ عينيه وليس حكيا،نكبات ومآسي الفلسطيني والعراقي والسوري واليمني والأفغاني؟/
    الغرب يعيش حياة هادئة وغير مبال بكورونا أو بموتها الكل آخد إحتياطاته الغرب صنع مجتمعه لوحده وغير معتمد على عقل أجنبي يعول عليه لكن قد يخرج بعض المتخلفين باللغط في القول أن الغرب سرق علومنا ونهض بها وبدونها لم تقم له قائمة,الإنسان الغربي شخص عادي يدرك قيمة الحياة في العمل والإخلاص وما حل به من مثل هذا الوباء غير مبال به لأنه متعود عليه في التاريخ وقادرعلى مواجهتة بالقعود والعمل من بيته مباشرة،الإنسان الغربي لايبكي ويئن خائفا من الموت فهو لا يخافها لأنه لا يؤمن بالثعبان الأقرع الذي صنعه إلاه ضعفاء الإيمان.الإنسان الغربي جرب الحروب الكبيرة طوال حياتة وحصدت بالملايين أرواحه أكثر ما حصدته الحرب في فلسطيني والعراق وسوريا واليمن وأفغانستان لأن هذه الشعوب قررت أن يكون إيمانها مبني على السمع وتزكيته بالحمد والشكر وبهذا يكونوا أنهم قرروا قدرهم بأيديهم.
    الإنسان الغربي جرّب أكثر من واقعه الحالي

صوت وصورة
كفاح بائعة خضر
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 21:46 8

كفاح بائعة خضر

صوت وصورة
هوية رابطة العالم الإسلامي
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 19:40 2

هوية رابطة العالم الإسلامي

صوت وصورة
تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 17:16 2

تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
منع احتجاج أساتذة التعاقد
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 16:41 29

منع احتجاج أساتذة التعاقد

صوت وصورة
البوليساريو تقترب من الاندثار
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 11:59 18

البوليساريو تقترب من الاندثار

صوت وصورة
قانون يمنع تزويج القاصرات
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 10:48 31

قانون يمنع تزويج القاصرات