نضال المدرسة المغربية العمومية

نضال المدرسة المغربية العمومية
الثلاثاء 4 ماي 2021 - 03:27

يشخص بعضنا حال المدرسة المغربية العمومية اليوم ويقدم حلولا ملائمة وممكنة في ظل إكراهات الواقع من أجل خطوات إلى الأمام. ويشخصها بعضنا الآخر ويقدم حلولا حقيقية لكنها خالية من شرط الواقعية وغارقة في الهروب إلى الأمام وغير ممكنة في السياق المجتمعي الحالي. ويشخص بعضنا الآخر حال هذه المدرسة فيخفي شمس الواقع بغربال أصابه التلف، فيبحث عن شماعة قابلة للاستهلاك يضع عليها حمل أزمة المدرسة وتداعياتها، ناكرا منكرا، متجاهلا، لا يأبه بتضاريس الواقع وما عانته وتعانيه المدرسة المغربية العمومية على مر السنين من تهميش.

تعيش المدرسة المغربية العمومية اليوم، سيرورتين متضاربتين، إلى جانب حالة الانحباس الناتج عن انتشار فيروس كورونا المستجد، وما ترتب عنه من آثار سلبية على مستوى بيئة التعلم وشروط التعليم وظروف التحصيل ونماء الكفايات، وخاصة في المجالات القروية والشبه حضرية وفي أوساط الفئات الاجتماعية الهشة.

الأولى: سيرورة ورش التجديد من خلال تفعيل مشاريع تنفيذ أحكام القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين من أجل الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة الشاملة في أفق الارتقاء بالفرد والمجتمع. وهو ورش لم يلامس، بعد، الفضاء المدرسي إلا جزئيا من خلال مجال الإنصاف وتكافؤ الفرص. ويستدعي في الوقت الراهن التعبئة الجماعية والانخراط الفعال والمشاركة الناجعة والممارسة الجيدة من أجل إحداث الأثر المطلوب والمنتظر.

الثانية: سيرورة الحراك المطلبي والاحتجاج والترافع الذي تباشره كثير من فئات نساء ورجال التربية والتكوين من أجل تحسين أوضاعها المادية والمهنية في سياق مشحون يسوده القلق والتذمر، وتغيب عنه فرص الحوار الحقيقي والتفاوض المنتج حتى مع الفاعلين الطبيعيين الذين أوكل إليهم دستور المملكة في فصله الثامن المساهمة في الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية للفئات التي تمثلها. مما أدى ويؤدي إلى خلق وضعية توتر اجتماعي مركب ذات أبعاد مختلفة، حمالة أوجه، تنتج أفعالا وردود أفعال مرفوضة في كثير منها من طرف الدولة والمجتمع على حد سواء، وقابلة للاختراق والاستثمار السياسوي غير المجدي من طرف كل من يريد تأجيج الوضع أو من يحرص على تجميده و”تعقيمه” في وقت تحتاج فيه منظومتنا التربوية أكثر من أي وقت مضى، إلى نفس جديد، إلى تعبئة داخلية ومجتمعية نوعية داعمة للاستقرار اللازم والبيئة الملائمة لضمان وصول مشاريع التجديد إلى المدرسة وفضاءاتها وروادها، وإحداث التفاعل المنتج والأثر الإيجابي الذي يجعل المدرسة المغربية مدرسة مواطنة منصفة دامجة متجددة.

لذا وجب القول لهؤلاء: إن المدرسة المغربية العمومية هي اليوم فعلا جبهة حقيقية للنضال من أجل المستقبل، بل هي جبهة للفعل التربوي الجاد والمبادرة والاجتهاد والممارسة البيداغوجية الواعية والمحاربة للانقطاع والهدر المدرسي. هي جبهة إنقاذ حقيقية لآلاف الأطفال والشباب من مخالب الأمية والفقر وشباك البطالة والعطالة والاستغلال والانحراف والتطرف والموت على الأرصفة وفي أعماق ودهاليز الدروب المظلمة. هي مدرسة في حاجة إلى أبنائها الذين مدت لهم أياديها عندما كانوا صغارا فانتشلتهم وعلمتهم وحاربت جهلهم ومنحتهم شواهد اعتراف. وهي جبهة للنضال من أجل هامش أوسع يجعل المدرسة المغربية مؤسسة تسهم، بشكل أو بآخر، في دعم الطبقة الوسطى وإنتاج النخب المحلية، بدل أن تكون مؤسسة معزولة عن محيطها الاقتصادي والاجتماعي أو مؤسسة لإعادة إنتاج العلاقات القائمة والنخب السائدة. مؤسسة تسهم في رفع صبيب المشاركة المجتمعية في التنمية المحلية والمواطنة والديموقراطية، لأنه بلا مدرسة عمومية مناضلة لا مستقبل للوطن ما دامت لا تنمية ولا ديموقراطية مع الفقر والجهل والانحراف والتطرف.

كما وجب القول لأولئك الذين لا يأبهون ولا يقدرون دور المدرسة العمومية في دعم مقومات التنمية والاستقرار وتأمين التوازن الاجتماعي المطلوب، وهم يحاولون رمي شباك أزمة المدرسة المغربية العمومية المركبة على رؤوس الفاعلين في قاعدة الهرم من الأطر التربوية والإدارية، وهم لا يعلمون أو يتجاهلون أن أزمة المدرسة هي أزمة دولة ومجتمع، وأزمة مشروع تنموي استنفذ ذاته ويحتاج إلى تعاقد اجتماعي جديد من أجل بناء مشروع تنموي جديد. كما هي أزمة مؤسسات الوساطة والتمثيل والترافع والتفاوض والاقتراح التي هي في حاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى تطوير وتجديد نخبها وآلياتها التنظيمية قبل أن تكون أزمة مدرسة. وأن بناء مجتمع الغد وبناء هذا المشروع التنموي يبدأ بإرساء حقيقي للجهوية المتقدمة، وببناء المدرسة المواطنة. وأن هذه المدرسة لا يمكن تجديدها إلا بموارد بشرية محفزة ماديا ومعنويا ومؤهلة مهنيا ومنخرطة ومبدعة ومنتجة ميدانيا.

كما وجب القول: لا وقت للمدرسة المغربية العمومية تضيعه في تحديد وتوصيف المسؤول عن هذا الوضع أو ذاك ما دام الذي سيدفع الثمن هو طرف ثالث لا ذنب له، هو ذلك الطفل الذي رمت به أقداره في وسط هش غير مؤهل. هو تلك المدرسة التي نراهن عليها. هو ذلك الوطن الذي نطمح أن يكون قويا بأبنائه وبرأسماله البشري. كما وجب القول بنوع من المرارة لأولئك الذين يبخسون المدرسة المغربية العمومية دورها: ما عليكم أيها السادة الأفاضل إلا أن تركبوا سياراتكم الرباعية الدفع، وتسيرون في أي اتجاه تريدون من أرض هذا الوطن الجميل. وعندما يقل ضجيج الحياة من حولكم، وتسكن الطبيعة إلى نفسها، وتقطع بكم السبل في الجبال والتلال والفجاج والقفار حتما ستجدون هناك نقطة ضوء هاربة في المكان والزمان. ستجدونها هناك في سفح جبل أو في بطنه، على ضفة نهر أو سيل، جنب مقبرة أو على تخوم قرية، ستجدون هناك فضاء ما، اسمه المدرسة. وبها شابات وشباب في عمر الزهور، يرتدون وزراتهم البيضاء، يرفعون العلم بالنشيد الوطني. ينشدون الحب والأمل، يغسلون وجه القرية الخفي، يرسمون وينحتون أشكالا من فرح جميل على وجوه أطفال رمت بهم الحياة أحياء ليعيشوا معنى القساوة والهشاشة. شابات وشباب أساتذة في كل شيء، يحاربون الغياب والنسيان وموجات التهميش المتعدد، ويصنعون مستقبل وطن وهم لا يملكون سوى صبيب صبر مغمس بحب الوطن وروح الانتماء وحروف وكلمات وأقلام باهتة اللون وجافة الحبر. يعدون طعامهم، أحيانا، حيث ينامون، وينامون، أحيانا، حيث يناضلون ويعملون. يخطون الحروف على لوح أسود فيشع نورا، يدفئ أناملهم. يكتبون تاريخ المدرسة بأقلام جافة شاهدة على قسوة الحياة والطبيعة معا.

وفي طريقكم إلى هذه المدرسة، أيها السادة، قد تصادفون شخصا هو ذلك المدير(ة)، الذي يتأبط إدارة من ورق ومن أختام وأرقام، ومؤشرات يفاوض من أجل رفعها، ومشاريع يسهر على تنفيذها، ومواعيد عليه احترامها حتى لو كلفته حراسة النجوم في غسق الليل للقبض على صبيب البرانم المعلوماتية وتجاوز إكراهات لعنة انقطاع الربط بالشبكات. يرافقه أحيانا شخص آخر هو ذلك المفتش(ة) الذي يجمع تفاصيل المنهاج الدراسي ومضامينه السميكة والمنتفخة بفعل رطوبة الحشو المتناثر هنا أو هناك. يتتبع أثرها في عقول الأطفال ويحرس تاريخ الوطن وتراثه وخوارزميات الحاضر واحتمالات المستقبل في عقولهم. يزور ويلاحظ ويقترح ثم يختم الأوراق الثبوتية على أن المدرسة المغربية العمومية حاضرة هنا وهناك. وأن الأساتذة متعطشون للاهتمام والدعم والرفع من القدرات والهمم. يمارسون مهامهم وهم في حاجة إلى التشجيع والمؤازرة.

حينها، أيها السادة الأفاضل، ستشهدون، أنتم أيضا، أن هناك نساء ورجالا صادقون يناضلون من داخل المدرسة المغربية العمومية، من أجل أبنائها، ومن أجل الوطن. ينتجون الأمل ويصنعون المستقبل حتى في أصعب الظروف. يحرسون المستقبل بالكلمات وبالآمال. يكافحون فقط من أجل لقمة عيش رمادية ويتأبطون أحلامهم الصغيرة من أجل وطن يسقيهم ماء التكريم والاعتراف والتحفيز، ويلبسهم رداء الأمن المهني والاستقرار النفسي والكرامة الاجتماعية وثقة المجتمع.

الأساتذة التلميد المدرسة المغربية العمومية فيروس كورونا

‫تعليقات الزوار

7
  • Elmouhi
    الثلاثاء 4 ماي 2021 - 03:44

    اللغة الإنكليزية هي اللغة الأجنبية التي يتعامل بها العلم في أنحاء العالم لنشارك العالم في اللغة الموحدة كجميع الدول المتقدمة اللغة الفرنسية لم يعد لها مستقبل

  • العلوي فاس
    الثلاثاء 4 ماي 2021 - 08:21

    كل التقدير و الامتنان سيدي، على مقالكم الرائع الذي شرح مكونات العملية التعليمية في أبعادها السوسيو ثقافية و اجتماعية داعيا الى اعادة الاعتبار للمدرسة المغربية العمومية و الى النهوض بأوضاع الأطر التربوية ماديا و تأهيليا حتى تتبوأ تصبح المدرسة قاطرة للتنمية

  • الجيلالي المشهور
    الثلاثاء 4 ماي 2021 - 12:01

    أشكرك جزيلا أستاذي على مقالك الرائع الذي لامست فيه وبأسلوب شيق نضالات المجتمع المدرسي، فعلا تعتبر المدرسة قاطرة للتنمية وصناعة المستقبل، وجب إيلائها كل الاهتمام والدعم والتعبئة المجتمعية من أجل الاطلاع بأدوارها ووظائفها,

  • فريد
    الثلاثاء 4 ماي 2021 - 17:08

    يقول الكاتب:”أن هناك نساء ورجالا صادقون يناضلون من داخل المدرسة المغربية العمومية، من أجل أبنائها، ومن أجل الوطن.” فعلا هناك أطر من هاته الطينة ولكن للأسف هم قليلون جدا إلى حدود الإنعدام،وإنعدام الضمير المهني ليس وليد اليوم بل بدأ مع بداية سياسة مغربة التعليم في السبعينات حيث برزت ظاهرة المعلم الذي يسكن ويأكل ويأخذ معه بعض المحاصيل الفلاحية على حساب أهل الدوار الذي يدرس فيه،وفي المدن بدأت الساعات الإضافية في الرياضيات.كان هذا بداية تكون كرة ثلج التدهور واليوم أصبح من المستحيل توقيفها بدون تفجيرها،وهذا هو العلاج الوحيد لتعليمنا أي un traitement de choc ،يمكن أن ننفق ملايير الدولارات ولكن لن نخرج من دوامة الإحتجاجات والمقاطعات لأن الضمير المهني لا يخلقه المال،ربما نحن حاجة إلى ثورة ثقافية لنتعلم على الأقل أنه لايمكن إنتهاك حقوق الآخرين من أجل مصلحة شخصية(وليس حق شخصي)،وللتذكير فقط فهناك ملايين المغاربة الذين يقاسون الويلات للقيام بواجبهم وليس المدرس فقط.

  • Amaghrabi
    الثلاثاء 4 ماي 2021 - 20:41

    اعتقد ان ازمة التعليم في المغرب لها علاقة بالاقتصاد وبالميزانية السنوية التي تخصص للتعليم ومع الاسف الكثافة السكانية تزداد والميزانية لا تواكب هذه الزيادة المفرطة في عدد السكان والكثافة السكانية هي بالمناسبة طدظاهرة عالمية تهدد السلم العالمي وليس فقط المغرب.الفقراء يلدون بكثرة والاغنياء لا يلدون حتى اصبحت تسمى اروبا باروبا العجوز لان الغرب انتقلوا الى تربية الكلاب لانهم يعلمون ان مستقبل البشر يسير نحو الكارثة او نحو الدمار ,فالعالم يتكالب على المصالح ويتنافس باساليب انانية خبيثة ولو بالتهديد بالحروب .مدرستنا سيدي المحترم التجأت الى التعاقد بسبب الاكتظاظ لان التوظيف العمومي يكلف الدولة ميزانية مرهقة والتجأت الى اسلوب النعاقد لتخفف من الاكتظاظ مما جعلها تهرب من مشكل ووقعت في مشكل اصعب الذي اصبح يهدد المدرسة المغربية ويهدد حتى الاستقرار في الدولة المغربية لان الدولة اذا ادمجت الماعلقدين فتحتاج الى ميزانية مرهقة واذا تركتهم فهم حريق الرأس الى ما لا نهاية له.وصراحة التعليم في المغرب لا يصلح بمجرد دمج المتعاقدين وانما التعليم في المغرب مشكل بنيوي متعدد الاسباب منها تربوية ولغوية ومادية ومنهج

  • استاذة
    الأربعاء 5 ماي 2021 - 09:30

    سلمت يداكم استاذي وكل التقدير والامتنان لكم سيدي
    بمقالكم هذا شخصت واقع المدرسة العمومية المغربية بكل احترافية وموضوعية . داعيا إلى إعادة الاعتبار لها ولاطرها وهياكلها حتى تكون المدرسة المغربية فعلا قاطرة التنمية

  • محمد بنعبدالسلام
    الجمعة 7 ماي 2021 - 12:04

    أرجو منكم , إن كان لديكم الوقت والمعلومات الكافية , أن تطلعوا على المراحلالتي مرت بها المدرسة العمومية منذ الإستقلال إلى يومنا هذا, و سيظهر لكم متى بدأ الخلل يظهر و يتفاقم…..و أن العديد من مطالب اليوم في اللغة, المواد….كانت موجودة…في المنظومة المدرسية بعد الإستقلال….دعوة لا جدوى لها :” الله يحاسب من كان حيلة وسباب.”

صوت وصورة
مساعدات مغربية لفلسطين
الأحد 16 ماي 2021 - 01:45 4

مساعدات مغربية لفلسطين

صوت وصورة
مغاربة ضد العدوان الإسرائيلي
الأحد 16 ماي 2021 - 01:33 1

مغاربة ضد العدوان الإسرائيلي

صوت وصورة
مقهى الوداية في حلة جديدة
السبت 15 ماي 2021 - 22:56 1

مقهى الوداية في حلة جديدة

صوت وصورة
تهيئة حديقة الجامعة العربية
السبت 15 ماي 2021 - 22:48 7

تهيئة حديقة الجامعة العربية

صوت وصورة
أخنوش وأعداء النجاح
السبت 15 ماي 2021 - 20:16 140

أخنوش وأعداء النجاح

صوت وصورة
جنازة الفنان حمادي عمور
السبت 15 ماي 2021 - 19:33 5

جنازة الفنان حمادي عمور