نعمة النكاح ونقمة السِّفاح

نعمة النكاح ونقمة السِّفاح
الجمعة 8 يناير 2010 - 07:37

كنت أراقب طفلة صغيرة لم تتجاوز بعد عامها الأول ، تتلقفها أحضان أقاربها ، و تحظى منهم بأقصى درجات الرعاية و الحنان و العطف و هي الغضة الطرية … و رأيت هؤلاء ، و قد غمرتهم السعادة ، يتحلقون حولها و يتنافسون على حملها ؛ فما أن يبادر أحدهم باحتضانها ، حتى يهب الآخرون إلى محاولة أخذها منه ؛.. أما الأم و الأب اللذان أنجبا ، فيراقبان غير بعيد و على وجهيهما ارتسمت ابتسامة عريضة و سرور ، تتنقل نظراتهما هنا و هناك حيث تتنقل وحيدتهما ، و قلباهما يخفقان معا على وتر واحد .


وكنت كل مرة أراقب فيها تلك الطفلة الصغيرة ، أكتشف طرفا آخر جديد من أطراف شبكة العلاقات العائلية الواسعة التي تنسجها مؤسسة الزواج المباركة ؛ فرأيت بذلك أن تلك الشبكة العائلية حصن حصين يمنع عن تلك الطفلة آفات الدهر و تقلباته ، و تجعلها في قرار مكين .


إنه لا تبديل لخلق الله ، و إنه لا يستطيع غريب أن يُكِن لغريب ما يُكِنه قريب لقريبه ؛ كما إنه لا أحد يستطيع أن يعوض دور الأم و الأب ، و الجد و الجدة ، و العم و العمة ، و الخال و الخالة ..، و اللائحة تطول لجرد مختلف خيوط شبكة العلاقات التي تنسجها مؤسسة الزواج المباركة .


وإنه لا يُخاف على أمر تلك البُنَيَّة من نوائب الدهر شيء ، لأن الملجأ العظيم الذي بنته لها مؤسسة الزواج المباركة ، من خلال تلك الشبكة ، تحميها بمشيئة الله عز و جل من الضياع في خضم هذه الحياة .


فلتطمئن كل أم و ليطمئن كل أب أسَّسا أسرتهما على أساس قواعد مؤسسة الزواج الشرعية أن أبناءهما في قرار مكين موصول بحبل متين تحوطه رعاية الله عز و جل ؛ و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : { الرحم معلقة بالعرش تقول : من وصلني وصله الله ، و من قطعني قطعه الله } ( متفق عليه ).


… وهكذا ، كنت كلما انشرح صدري لذلك المشهد الجميل الأخّاذ مع تلك الطفلة التي أنعم الله عز و جل عليها بالقرار المكين ؛.. انقبض صدري من جديد عندما أذكر أولئك الضحايا الأبرياء من الأطفال الذين تتلقفهم الشوارع ، و تتقاذفهم الأرجل ، فيبقون عرضة للآفات و المهالك ، لا أحد من قريب أو بعيد يهتم بهم ، و لا حضن يعطف و يحنو عليهم ، و لا حصن يقيهم … الأعين تنظر إليهم شزَرًا و تجهُّما ، و الأيام لا تأتيهم إلا بما يسوؤهم ..؛ و قلوبهم ، التي حرمت معاني دفء الرحم ، لا تزيدها تلك الأيام المتواليات عليهم بسوئها إلا قسوة و حقدا و غضبا يُغذي في صدورهم رغبة مكبوتة في الانتقام ..، لا تجد لها مخرجا إلاّ بادرت عبره بالتعبير عن نفسها و التنفيس عن سُعارها .


لكم الله عز و جل أيها الضحايا الأبرياء ..، لكم الله .


فيا أيها الجاني الذي أغوته شهوة ساعة ، و يا أيتها الجانية التي أغوتها شهوة ساعة ، أنظرا ماذا فعلتما بتلك النسمة المسكينة : مما حرمتماها أبد الدهر ، و إلى ما عرضتماها أبد الدهر .


يا أيها الجاني ، و يا أيتها الجانية ، أنظرا لِعِظَم جُرْمِكُما في حق تلك النسمة المسكينة و في حق المجتمع . إنكما و الله لَتَخْرُقان في جدار سفينته خرقًا ، و إنه ليزيد الخرقُ بتكاثر أمثالكما ..، و إن السفينة لتكاد تغرق إن لم يغثها لطف الله عز و جل بدعاة المعروف دعاة الجنة .


ويا دعاة المنكر و أبواقَهُ ، كفوا عنا شركم و دعاويكم الجاهلية ، فإنما أنتم دعاة جهنم .


ويا أيها المجتمع المسلم ، لك أن تختار بين ما يسرك و ما يسوؤك ، و بين ما ينجيك و ما يرديك ..؛ فإنما أنت مخير ما بين جنة أبناء الحلال ، و جهنم أولاد الحرام .


و إنه صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ يقول : { لا تزال أمتي بخير ما لم يفْشُ فيهم ولد الزنا ، فإذا فشا فيهم ولد الزنا فيوشك أن يعمهم الله عز و جل بعقاب } ( رواه أحمد )؛ و { ما ظهر في قوم الربا و الزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز و جل } ( رواه أحمد ) .


اللهم لا تعذبنا بما يفعل السفهاء منا ؛ آمين .


[email protected]

‫تعليقات الزوار

4
  • محمد ايوب
    الجمعة 8 يناير 2010 - 07:39

    لاشك في ان كل واحد منا-ذكرا كان او انثى-قد وقع في معصية ما خاصة الزنا، ومن استطاع منا ان يتجنبه فقد فاز فوزا عظيما وعليه ان يحمد الله تعالى على ذلك…كثيرا ما يفكر بعض المتزوجين في الزنا مع نساء اخريات: متزوجات او غير متزوجات … وتتعدد اسباب الميل الى الزنا ومعاشرة الاناث خارج مؤسسة الزواج،ولعل من ابرزها شيوع السفور وميل الاناث الى استفزاز الذكور وسهولة المعاشرة الجنسية الحرام… ولو فكر كل راغب في ممارسة الزنا قليلا لما سارع اليه اطلاقا…ان الانثى في الاسلام جوهرة مكنونة لا يعرف سرها الا زوجها…وكم اندهشت عندما قرأت في احدى مطويات جمعية تدعي الدفاع عن المرأة بان المراة حرة في جسدها تمنحه لمن تحب… وهذه العبارة الأخيرة كان من الاولى استبدالها بعبارة اخرى هي: تمنحه لزوجها، وليس لمن تحب،او ان تضاف الى هذه العبارة كلمة لمن تحب شرعا… فبقاء هذه العبارة هكذا معناه ان المرأة من حقها ان تمنح جسدها لمن تحب حتى ولو كان غير زوجها…ان الزنا تترتب عنه مآسي كثيرة، وما معاناة الامهات العازبات الا مظهرا من تلك المعاناة المؤلمة…اضف الى ذلك الأطفال الذين ينتجون عن علاقة الزنا والذين لا ذنب لهم الا انهم حاصل علاقة شهوانية جمعت ذكرا بانثى غير مرتبطان شرعيا بعقد الزواج…عشرات بل مئات الأطفال الذين يعيشون ازمات نفسية حادة نتيجة الزنا…وعشرات الاناث ذهبن ضحية انانية الذكور وكذبهم واستغلالهم للأنثى بشكل او بآخر: بالمال والسلطة وغيرهما… فطوبى لمن عاش في الحلال حياة جنسية هانئة هادئة تثمر صغارا يتمتعون بالدفء الاسري وبحنان الوالدين وافراد العائلة والاقارب والجيران…ان اية انثى لا تمتاز على الأخرى بشيئ اطلاقا: فما عند هذه لدى تلك وعند الأخرى…والاختلاف بينهن يكون في بعض المظاهر البدنية تضفي عليها اعمال التجميل بعض الفوارق الأخرى…اما الأساس فيتشابهن فيه…لكن الاختلاف الحقيقي بينهن هو في الأخلاق والعفة والصبر وحسن التدبير والامتثال لأوامر الخالق سبحانه وتعالى ورسوله الكريم…الدنيا متاع وخير متاعها الزوجة الصالحة..اذا نظرت اليها سرتك واذا غبت عنها حفظتك في عرضك ومالك…

  • Abdel - Hamburg
    الجمعة 8 يناير 2010 - 07:43

    Tt d´abord je m´excuse d´avoir écrit en français parce que j´ai pas de clavier arabe
    Le sujet est très beau et intéressant et le commentaire de Mr. Mohamed Ayoub est plus beau et m´a vraiment fasciné. Vous avez un très bon style d´écrire étroitement à la réalité.
    Merci Mr. Ayoub pour votre Commentaire.

  • marocain pur
    الجمعة 8 يناير 2010 - 07:41

    لتطمئن كل أم و ليطمئن كل أب أسَّسا أسرتهما على أساس قواعد مؤسسة الزواج الشرعية….عن أ ي اطمئنان تتحذث يا أستاذ ؟ليس كل من تزوج فإنه سيحافظ ععلى أسرته و على أبنائه و إلا فما معنى معا ناة أبناء الطلاق و ما معنى معاناة اليتامى ؟ثم من يضمن لهم كرامتهم و أمنهم فى غياب المعيل و السند المتمثل في الأب،يبدو أنك تعمم أو تضع غطاأ فوق عينيك عندما “تقول الضحايا الأبرياء من الأطفال الذين تتلقفهم الشوارع” فهؤلاء الأطفال ليسوا كلهم أولاد زنا فمعظمهم أبناء يتامى أو هاربين من الأسرة بسب أو بآخر؛لا أفهم كيف أنهيت خطابك هذا و كأنك تخاطب قوم قريش و كأني بك تصيح “يا قوم “كان عليك أن تستعمل بوقا لكي لا تتعب نفسك، فالجاني و الجانية مسلمين شئت أم أبيت لكن ظروفهما الصعبة جعلت الزواج بيهنما من سابع المستحيل، كان عليك أن تقترح خطة و فكرة أو حلا يقتلع تلك الخطيئة من أصلها،لا من نتيجتها. ما نحتاجه هو الفكرة الجديدة و الحل المفيد لا الوصف و الرثاء أسلوب الندب و الولولة
    .و لا تنسى يا عزيزي أن السلف الصالح كان لا يزني و لا يعرف للزنا طريق,
    فكان يكتفي بحلاله المكون من” أربع نساء وحدة تنسيك فالأخرى” زيادة على ما ملكت أيمانه.أما أنا فلا أملك نصف واحدة و مع ذلك أجاهد نفسي و رغباتي .كلامي هذا ليس دعوة إلى تحليل الزنا بتاتا لأنه حرام في حرام و ساء سبيلا

  • البيضاوي المغترب
    السبت 15 نونبر 2014 - 14:27

    ماذا ننتظر ؟ باسم الله توكلنا على الله.

صوت وصورة
خسائر الفيضان وصندوق الكوارث
الخميس 14 يناير 2021 - 11:59

خسائر الفيضان وصندوق الكوارث

صوت وصورة
حملة على الباعة المتجولين بمراكش
الخميس 14 يناير 2021 - 10:23 11

حملة على الباعة المتجولين بمراكش

صوت وصورة
السفير الألماني وتعقيدات الفيزا
الأربعاء 13 يناير 2021 - 22:28 5

السفير الألماني وتعقيدات الفيزا

صوت وصورة
خطر كورونا على القلب
الأربعاء 13 يناير 2021 - 21:27 8

خطر كورونا على القلب

صوت وصورة
احتجاج فدرالية اليسار
الأربعاء 13 يناير 2021 - 19:30 4

احتجاج فدرالية اليسار

صوت وصورة
هدم منزل مهدد بالسقوط
الأربعاء 13 يناير 2021 - 18:28 6

هدم منزل مهدد بالسقوط