هل تستقيم الديموقراطية في العالم العربي بدون إسلام سياسي؟

هل تستقيم الديموقراطية في العالم العربي بدون إسلام سياسي؟
الخميس 16 ماي 2013 - 13:29

كان لانخراط الكنيسة في الشأن السياسي دور بارز في انطلاق الديموقراطية في أوروبا الحديثة، ومن عوامل نجاحها مشاركة الكنيسة من موقع الفصل بين الدين والسياسة، بل كانت الكنيسة الحلقة الرئيسية في خلق التوازن الضروري لنجاح التداول على السلطة، والقياس الذي يطرحه البعض اليوم في عالمنا العربي والاسلامي لا يخلو من صواب، ولا يبتعد كثيرا عن منطق البحث عن الحلول بالاجتهاد من داخل الحلقة المُعقدة والعصية في معادلة الديموقراطية والتي هي الدين ” الإسلام يُشكل المرجعية الدينية لتدابير الدولة، ولئن كانت هذه المرجعية تقضي بإقامة التعاليم الدينية في مختلف شؤون الحياة، فلا يلزم منها أن إجراءات هذه الإقامة، كما يتوهم بعضهم، تخرج من دائرة الاجتهاد البشري..” (طه رمضان في كتابه ” روح الدين” ص 349. المركز الثقافي العربي – 2012)

في تقديري أن نجاح الديموقراطية في عالمنا الاسلامي والعربي لا يحتاج إلى الديموقراطيين واللبيراليين فقط ، بقدر ما يحتاج إلى إقناع خصومها من الذين سمّاهم طه عبدالرحمن في كتابه روح “الدين” ب”التديينيين” بجدواها وإقناع من يحاربها ويرفضها من الاسلاميين بأن الديموقراطية هي طريقهم الآمن للوصول إلى السلطة، وهي الحل الوحيد والممكن لضمان التعايش والاستقرار ، وأنها قابلة للتدبير عبر آليات متداولة وأخرى يمكن الابداع فيها اليوم من مرجعيات مختلفة بما فيها المرجعية الاسلامية التي لا تتعارض مع الأصل في مبدأ التدبير الديموقراطي والعادل لشؤون الناس.

ألم تعمل الديموقراطيات الغربية خلال الحرب الباردة على ترويج نمودجها الديموقراطي من خلال ترويض أحزابها الشيوعية على الديموقراطية وتشجيعها على ملامسة السلطة من خلال الديموقراطية الغربية التي كانت تعتبرها دول المعسكر الشيوعي ديموقراطية رأسمالية؟ قبلها كانت الكنيسة تعارض في فك الارتباط مع الدولة قبل أن تنصهر في الشأن السياسي عبر أحزابها التي انتهت بالاندماج الكلي في نمودج الدولة الديموقراطية الحديثة والمنفصلة عن الدولة بمستويات متفاوتة من تجربة لأخرى.

الحركات الاسلامية بدورها تميزت برفضها للديموقراطية وتأسست على مبدأ محاربتها لها باعتبارها – أي الديموقراطية- دخيلة على المجتمعات الاسلامبة ومتعارضة مع الإسلام، واعتبر مؤسسوا حركة الاخوان المسلمين في مصر أن الديموقراطية استلاب غربي وأداة استعمارية وأن القبول بها كُفر، وأن اعتماد دساتير وقوانين وضعية يتعارض مع الشريعة ومع أحكام الخالق وأن الدستور الوحيد هو القرآن الذي أنزله الله.(” نريد الحكومة المسلمة التي تقود هذا الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدى الاسلام..ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية ولا بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمنا أهل الكفر وأعداء الاسلام على الحكم بها..” وفي نفس الرسالة يواصل الشيخ البنا في مقارنة خطيرة مع النازية ” ..ولئن كان الرايخ الألماني يفرض نفسه حاميا لكل من يجري في عروقه دم الألمان، فإن العقيدة الاسلامية تُوجب على كل مسلم قوي أن يعتبر نفسه حاميا لكل من تشربت نفسه تعاليم القرآن.” – رسائل الشيخ حسن البنا إلى الشباب -)

ألم تدعو الأحزاب الاسلامية وامتدادات الحركة الاخوانية في المغرب العربي إلى تأسيس دولة الخلافة، وإلى اعتماد القرآن دستورا لكل المسلمين، وإلى استبدال البرلمانات بمجالس للشورى، ناهيك عن الحركة السلفية وتجلياتها المختلفة التي وصلت إلى حدود التكفير وتشريع العنف في محاربة الديموقراطية.

أحفاد حسن البنا والسيد قطب يجلسون اليوم في قصر الرئاسة بمصر ويتهمون خصومهم من اللبراليين والعلمانيين بمحاولة الانقلاب على الديموقراطية، ويستميتون في الدفاع عن شرعية الصناديق التي حملتهم إلى السلطة، لا شك أن دفاعهم اليوم عن ديموقراطية حاربوها بالأمس هو دفاع عن السلطة التي عجزوا عن الوصول إليها عبر الدعوة لله أو استعمال العنف، وقد تكون مواقف بعضهم اليوم مناورة للاستمرار في السلطة وأن لهم أجندة خفية تهدف تفكيك الدولة الحالية واستبدالها بدولة الخلافة وغيرها من الاتهامات التي يكيلها لهم خصومهم، لكن الصراع على السلطة والانخراط فيها يجعل من الديموقراطية سيدة الموقف أولا وأخيرا ، وتدبير المعيشي والمستعجل والإنهاك الذي تُحدثه ممارسة السلطة فيمن يزاولها يُنهك مُمارسها والمُعارض لها ويجعل من الاستثناء قاعدة ومن المؤقت والانتقالي دائم ومستمر حفاظا على الاستقرار والتعايش والأمن الذي ينشده المواطن.

تجليات الاسلام السياسي في تونس وفي المغرب والأردن وغيرها لا تختلف كثيرا عن تجربة الاخوان المسلمين في مصر من حيث مبدأ المشاركة والانصهار التدريجي في ديموقراطية كان هؤلاء ينعتها إلى غاية أمس قريب بأنها من صنع الغرب الكافر وأنها تتعارض مع الاسلام وأنها من بقايا الاستعمار، وهي نفس المبررات التي برّر بها اليسار الجذري في أوروبا وفي أمريكا اللاتينية رفضه المشاركة في تجارب الانتقال الديموقراطي، واختار العنف الثوري كبديل للوصول إلى السلطة باسم الكادحين والعمال والفلاحين، وبمجرد ما أتاحت بعض النمادح الديموقراطية لبعض الحركات اليسارية الوصول إلى السلطة حتى تغيرت المواقف وانتهت بالانخراط والدفاع عن الديموقراطية كوسيلة للتداول على السلطة بداية بنيكارغوا وفننزويلا والبرازيل وبوليفيا وغيرها.

هل يعيش العالم العربي وشمال إفريقيا بداية مثل هذا التحول بعد عاصفة ربيع الشعوب وتداعياتها المؤلمة في النمودج الليبي والسوري؟ هل يمكن اعتبار بعض الاجتهادات من طرفي الصراع الفكري بداية لما يشبه عصر نهضة جديدة في جنوب المتوسط ومن خلاله؟ هل احتكاك الاسلام بالغرب من خلال الهجرة وأجيالها الجديدة وبروز نخب مفكرة منهم تساهم في مثل هذه التحولات؟

في انتظار أن يُجيب الزمن عن مثل هذه الأسئلة تبقى الديموقراطية المتعارف عليها اليوم أهون الشرور، وتبقى ممارستها من تصهر مُزاولها والمُنخرط في دواليبها وتُطبّع تداولها كأحسن وسيلة لتدبير شؤون البشر في انتظار أن تهتدي الإنسانية إلى نمودج أكثر عدلا.

*كاتب ومحلل سياسي مُقيم في أوروبا

‫تعليقات الزوار

10
  • انسان عقلاني
    الخميس 16 ماي 2013 - 14:14

    الإسلاميون لم يؤمنوا و لا يؤمنون و لن يؤمنوا بالديمقراطية . و هذا ما قاله أردوغان أكثرهم 'اعتدالا ' عنها "الديمقراطية مثل الباص حين تصل إلى وجهتك ، تهبط منها " .

  • بوجدي
    الخميس 16 ماي 2013 - 15:21

    الرسول صلى الله عليه وسلم أول من نادى بفصل الدين عن الدولة:
    في رواية عن أنس وعائشة رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال: "لو لم تفعلوا لصلُح" قال: فخرج شيصاً، فمر بهم فقال: "ما لنخلكم؟" قالوا: قلت كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
    وفي رواية أخرى : ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن يحيى ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عفان ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حماد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ثابت ‏ ‏عن ‏ ‏أنس بن مالك ‏ ‏وهشام بن عروة ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏
    ‏أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏سمع أصواتا فقال ما هذا الصوت قالوا النخل ‏ ‏يؤبرونها ‏ ‏فقال لو لم يفعلوا لصلح فلم ‏ ‏يؤبروا ‏ ‏عامئذ فصار ‏ ‏شيصا ‏ ‏فذكروا للنبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال ‏ ‏إن كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به وإن كان من أمور دينكم فإلي ‏.
    ولماذا يقولون بأن الإسلام دين ودولة؟

  • achibane
    الخميس 16 ماي 2013 - 16:01

    أيديولوجية العروبة والاسلام لا تتناسب مع الديموقراطية لانها لا تهيئ الا رضية ولا تؤسس للعقل الذي وحده القادر على بناء الثقافة الدمق.الدمق تقوم على أساس دفن الماضي الفاسد والماضي الفاسد هنا هو أيديولوجية العروبة والاسلام ولكن هل للعروبيين والاسلاميين القدرة على التخلص من هذه الايديولوجية الفاسدة والمخربة من أجل العقل والتنوير .أكيد لا.العوبة والاسلام طوائف ومذاهب ,اذن خزان من الأحقاد والكراهية والعنصرية.ألا ترون ماذا حصل ويحصل في الشرق عبر التاريخ.العرب والمسلمون لايفهمون حتى واقعهم ومعيشهم وبالاحرى أن يفهموا التاريخ العميق لأنهم لا يملكون العقل لان العروبة والاسلام ضد الغقل والتاريخ. انشر ياهسبرس من فضلكم لهذا الماركسي العلماني العنيد من الجيل القديم والكاشف لخبايا الفكر والسياسة والدين

  • صفية ( فرنسا ).
    الخميس 16 ماي 2013 - 17:08

    الثورات العربية والاسلامية دائما مصيرها الفشل عبر التاريخ بدا بالثورة الايرانية ..مرورا بالثورة المصرية وانتهئ بالثورة السورية وماتشهده من صراع مذهبي..
    والسر وراء كل هذا الفشل هو الاسلام واتحدى من يقول العكس ..
    هذه الشعوب قدر لها ان تعيش لعقود اخرى عديدة من الاستبداد والقمع والدكتاتورية لاكن هذه المرة تحت مسمى جديد الا وهو تطبيق (شرع الله)
    وهذا للاسف مالم يستوعبه معظم المسلمين حتى اليوم انتم مسلمون مستسلمون سلمتم عقولكم لشيوخ الدجل والقتل لاضير ان تقبلوا بالقمع والاستبداد.. في بلادكم لاكن باشراف ديني هذه المرة..!
    الديمقراطية غير موجودة اصلا في الاسلام ولا يمكن لها ان توجد في محيط ضيق تسود فيه روح التبعية المطلقة للفرد فالمسافة مابين العبودية والتبعية لاتسمح بوجود ديمقراطية….
    الديمقراطية ليست من الاسلام في شيئ الديمقراطية تاخد العبرة بالاكثرية والاسلام لايعترف بالاكترية بل فقط من اهل الحل والعقد من كل قبيلة وكفى ولو لم يبايع الاكثرا فاذا بايع واحد من القبيلة او اتنين او ثلاثة يكفي هذا اضافة الى عدم اقرار الاسلام للمراة بحق المشاركة لاعتبارها مخلوق غير مكتمل عقليا !.

    وتحية للهسبريس

  • زكرياء
    الخميس 16 ماي 2013 - 19:23

    أنا شخصيا مع الديمقراطية ما لم تتعارض مبادئها مع تعاليم الإسلام.

  • سقرااط
    الخميس 16 ماي 2013 - 19:50

    السياسه الشرعيه علم قاءم بذاته و يمكن اعتباره فرض كفايه نخبويه تجديديه متجدّده حسب زمكانية الإقامه. الإسلام يكفل الحقوق و الواجبات و الفلاحه و الصّناعه و و و الشخص المناسب في…..تخصّصا و اختصاصا.
    جامعة القرويين هي الحلّ . و إنشاء معاهد تكنلوجيه و جامعات فلسفيه ووووو،

  • Amghribi
    الخميس 16 ماي 2013 - 21:38

    الربيع العربي,المغرب العربي, الجامعة العربية,الوطن العربي,البطل العربي,البقرة العربية.لماذا أصبحت كلمت عَربِي كالتَّوابِل تُصاحِبنا في كل وجْبَةٍ وفي كل حين؟ متى كان المغرب بلدا عربيا؟هل خرج أهل الكهف من كَهْفِهم عارضين رسالة فَوقَ بشرية لخدمة الوهم الايديولوجي العروبي؟ أليس هذا تعبير واضح عن خَوف خُدّام العرب ببلاد الأمازيغ على فشل عروبتهم؟ هذا التعريب الإجباري يهدف فقط إلى تعريب الأمازيغ لأن لاَ أحداً يَفهَمُ ماَ مَعنى تعريب العَرب!!! أتظنون أنكم بتكرار لقب عَرَبِي، سيصبح بمثابة حقيقة ثابتة ومُسلَّمةٌ بديهية تشكّل الإطار المرجعي الذي صنعه وقام بحراسته القومجيون العرب حفدة أبو جهل.إن البريق الذي تحيطون به صُورَتكم لم يكن إلا محاولات فاشلة لإصلاح ما أفسدتموه بعصبيتكم.تعريب المجتمع والدولة والمؤسسات والفضاء العام وخنق الامازيغية يعتبر في قمة العنصرية.تبدؤون بتعريب اللسان لِتنْتهُو بتعريب الهوية والأرض.إنْتَبِهوا يا أمازيغ لهذه الحملة المَحمومَة من أعداء الأمازيغ تَزامُنا مع ذالك الترسيم الشكلي للغة البلاد الأصلية الأمازيغية.

  • RIF IDURAR
    الخميس 16 ماي 2013 - 21:55

    يتحدث عن الديموقراطية, ويستعمل مصطلع عنصري امبريالي واقصائي <عالمكم العربي> , الديموقراطية بعيدة عن عقول عششت فيها الاوهام…..

  • أحمد
    الخميس 16 ماي 2013 - 23:07

    حيرة الملحدين المختبئين وراء العلمانية تزداد يوما بعد يوم. لم يعودوا يفهموا أي شيء في تطور المجتمعات الإسلامية وأصبح كلامهم لا معنى له ولا طائل وراءه سوى تسكين وجع الهزيمة.

  • ايوب
    الخميس 16 ماي 2013 - 23:08

    الى الاخ المعلق رقم 2
    انني احذرك من الانجرار الى الاحاديث المنسوبة الى رسول الله وهو لم يقلها
    اخي العزيز الدين هو المعاملة والسياسة كلها معاملة . السياسة اتية من كلمة ساس يسوس . اي يسوس الرعية اي يسير الرعية وفق منهاج الكتاب والسنة التي تقتضي من القائم باعمال السياسة عدم الكذب على الشعب والمواطنين والكذب حرام ونهى عنه الشرع الحنيف . عدم السرقة من اموال الشعب والسرقة حرام في الدين الاسلامي .عدم الخيانة ونكث العهود وهي مطلوبة في الشرع الاسلامي ……
    فمن يطالب بفصل الدين عن السياسة فانما هو في قرارة نفسه متطلع وطامع في الاستلاء على خيرات البلاد وان يصبح اقطاعيا وظالما . فيا من يطالب ابفصل الدين عن السياسة تريد ان تكون في معزل من الدين حتى تستطيع فعل ما يحلو لك من اعمال تهريب الاموال الى الخارج، تفويت اراضي المواطنين ظلما وعدوانا الى مصالحكم … ولكن نسيتم ربك وخالقكم وهو مطلع عليكم فلاحيلة مع الله انتم تستخدمون فزاعة الاتجار في الدين لقضاء ماربكم ؟حق اريد به باطل ؟
    الله يعرف خدعكم ومكركم ودسائسكم وحيلكم .

صوت وصورة
"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد
الإثنين 18 يناير 2021 - 18:40 111

"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد

صوت وصورة
ساكنة تطلب التزود بالكهرباء
الإثنين 18 يناير 2021 - 16:50 1

ساكنة تطلب التزود بالكهرباء

صوت وصورة
الاستثمار في إنتاج الحوامض
الإثنين 18 يناير 2021 - 15:50 3

الاستثمار في إنتاج الحوامض

صوت وصورة
فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع
الإثنين 18 يناير 2021 - 13:49

فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع

صوت وصورة
سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب
الإثنين 18 يناير 2021 - 12:55 9

سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 43

الفرعون الأمازيغي شيشنق