هل تصمد المواطنة أمام عوامل التعرية؟

هل تصمد المواطنة أمام عوامل التعرية؟
الجمعة 25 أكتوبر 2013 - 20:40

تعرضت المواطنة في المغرب لعوامل تعرية كثيرة يصعب حصرها، وبالإضافة إلى دور السياسات العمومية في تلك التعرية عبر عدة عقود، نجد لتلك التعرية الممنهجة تجلياتها في كثير من مجالات الحياة اليومية حيث يتحول المواطن إلى كائن لا “قيمة جوهرية” له، وتنحصر “القيمة الفعالة” في التعامل معه بما يمكن استخلاصه منه، طوعا أو كرها، حين قيامه بـ”الواجب” دون تمتيعه بالحقوق المقابلة لذلك الواجب، سواء كانت تلك “الواجبات” مالية كأداء الضرائب مثلا والتي يقابلها الحق في الطرقات المناسبة والإنارة العمومية والنظافة وغير ذلك. أو كانت تلك “الواجبات” معنوية كاحترام القوانين و أحيانا إعلان التأييد والإذعان وغيرها من أشكال المساندة السياسية أو الإيديولوجية لهذا الطرف أو ذاك، والتي يقابل الحق في المشاركة والحق في التعبير وغير ذلك من الحقوق.

ولا غرو أن نجد جميع الواجبات التي يطلب من المواطنين أداؤها في آجالها ووفق شروطها تقابلها حقوق لا يتمكنون في الغالب من التمتع بها، وإذا تم ذلك فعلى شكل “هبات” أو في ظروف مشوبة أو ماسة بالكرامة

وهناك أمثلة كثيرة لصور يتم فيها قتل المواطنة وإذلال المواطنين، ولعل ظاهرة الانتظار القاتلة والمنتشرة في الإدارات إحدى تلك الصور الجلية، والتي تخفي في وجهها الآخر مرض اللامسؤولية حيث يتحول من يوصفون ب”مسؤولين” إلى “آلات آدمية” لا تقيم وزنا للمواطن فردا كان أم جماعة قد تعد بمئات الأشخاص.

ومن الصور المفارقة لهتك المواطنة وإذلال المواطنين ما يتعلق بتذاكر السفر. فالتذكرة من الناحية القانونية دليل أداء حاملها للمقابل المالي لمقعد في وسيلة النقل المعنية، من جهة أولى، وضامنة حيازة ذلك المقعد من جهة ثانية. غير أن واقع الحال في وسائل النقل العمومية والخاصة معا يعمل وفق منطق “ويل للمصلين”. حيث أن التذكرة ليست في الغالب سوى تأكيد أداء الواجب المالي لولوج وسيلة النقل وليس لحيازة مقعد فيها. ويسقط الشعار التقليدي المعروف “لي عندو ورقة عندو بلاصة” ليبقى الشق الثاني منه فقط والذي يقول “لي ماعندو ورقة ما عندو بلاصة” (بالطبع “ما عندو بلاصة” لا تعني المقعد بقدر ما تعني ولوج وسيلة النقل) وتبقى حالة “لي عندو ورقة و ملقاش بلاصة” هي المنتشرة. والغريب في الأمر أن الظاهرة لا يمكن تبريرها بنقص في وسائل النقل التي يمكن تعبئتها في مناسبات خاصة كالأعياد مثلا، حيث أنه في هذه المناسبات لا يقف الاستخفاف بالمواطنين فقط عند عدم تمكينهم من مقاعد أدوا واجبات حيازتها مدة سفرهم، بل يتجاوزه إلى الزيادة في سعر التذاكر بذل خفضه وإلى حشر المواطنين في ظروف غير مقبولة حتى في نقل البهائم ولساعات طوال.

غير أن المفارقة الأكثر فجاعة أن هذه الظاهرة تنتشر فقط في وسائل النقل التي يرتادها المواطنون من الطبقة الفقيرة والمتوسطة، أما السفر عبر الطائرات مثلا، وفي الدرجة الأولى في القطار أو عبر الحافلات الممتازة فلا وجود لمثل تلك الظواهر مطلقا. والغريب أن حيازة تذكرة الدرجة الأولى في القطار مثلا تكون وفق المتوفر من المقاعد، بمعنى في احترام تام لقاعدة “لي عندو ورقة عندو بلاصة”، وتتم حماية المقطورات الخاصة بالدرجة الأولى كي لا يلجها إلا حاملو التذاكر الخاصة بها، وفي نفس القطار يعيش باقي المواطنين هدرا لحقهم في مقاعد وظروف تحفظ كرامتهم، ويتم اعتماد الشطر الأول فقط من القاعدة السالفة بتحريفها لتصبح:” لي ما عندو ورقة ما يحط رجليه في القطار” ولكن بدون احترام القاعدة: “إلى ماكينة بلاصة ما تقطع الورقة للمسافر”.

إذ أن الأمر هنا لا يتعلق برضا الموطنين بتلك الظروف، بل بنوع من الإيقاع بهم، فالتذاكر يتم شراؤها في الشبابيك ولا يعلم المواطنون بحالة وفرة المقاعد من عدمها سوى كأمر واقع بعد صعودهم القطار. وكثيرا ما تثار نزاعات مع المراقبين في القطار الباحثين عن الذين امتطوه بدون تذكرة، وتكون مذبحة المواطنة أكثر دموية حين يطالب المواطن بالمقعد مقابل امتلاكه تذكرة أو أداء واجب التذكرة، فيأتيه الجواب وبعنف المحمي بـ”القانون”: “سير شكي”.

نفس الصورة تنتشر تقريبا في الحافلات العادية، غير أنها وللمفارقة أيضا تمنع من نقل فوق طاقتها الاستيعابية في غير مناسبات خاصة، ولا يطبق نفس التعامل في القطار مثلا، حتى لا نقول الطائرات حيث تتدخل سياسة “المعايير الدولية” فقط !

مثل هذه المجالات التي يتم فيها هذر المواطنة يوميا وعلى نطاق واسع، والتي توقفنا عند مثال النقل فيها، لا تخرج عن سياسة التنشئة على “الحكرة” والتي تقضي بأن يموت الحس المواطني لدى المواطن و”تأهيله” للاستعداد الدائم للتخلي ليس فقط عن حقوقه الأساسية بل بأم الحقوق جميعا والمتعلق بالكرامة.

إننا جميعا نعيش على وقع “الآلية الضخمة” لهدر المواطنة في كل مناحي الحياة، فالمواطن بالنسبة للمسؤول، كيف ما كان هذا المسؤول، ليس سوى كائن مطلوب منه “الامتثال، والتنفيذ، والقيام بالواجب” وليس له الحق مقابل ذلك في كثير من الحقوق وخاصة حقه في الكرامة.

إن الأخطر في هذه الظاهرة أنها لا تقتصر على مؤسسات الدولة و مسؤوليها في مختلف المستويات، بل تطال النظام الاجتماعي والثقافي ككل، بل نجدها سلعة رائجة في الأوساط الحزبية و الجمعوية والنقابية وغيرها من الفضاءات. مما يعني أن التنشئة على قبول هدر المواطنة أصبح مرضا مزمنا لا يعرف تراجعا رغم كل الشعارات البراقة.

‫تعليقات الزوار

3
  • المغربي
    السبت 26 أكتوبر 2013 - 00:17

    الى صاحب التعليق رقم 1 sous M.D
    مللنا من مثل هذه التغريدات المريضة المبحوحة التي تشبه تنخيمات الزكام في الليالي الباردة . تبا لكل عنصري مكبوت سواء كان أمازيغانيا أو عروبيا !!!!
    أقول هذا الكلام و انا امازيغي أبا عن جد . و انا اشك في انك لا تتقن أي لغة و تواصلك بالامازيغية يشبه العادة السرية في غرفة مظلمة لا يسمع منها سوى الصوت الذي يحدثه احتكاك الاصابع و التنخيمة .تفو على كل العنصريين اينما كانوا خارج المغرب الحبيب او داخله ، على جباله الطاهرة او في سهوله الشاسعة.ستبقى دائما تحت …sous مستوى المغربي الاصيل .

  • من نصدق ؟
    السبت 26 أكتوبر 2013 - 14:03

    شكرا على هذه الإلتفاتة نحو دور الوطن / المواطن في قتل الهوية الثقافية للوطن / المواطن. كل يتحمل مسؤوليته في كيفية هدم أو بناء ثقافته . عندما تعترف إسرائيل بأن لديها أياد خفية في معظم دول العالم فمن نصدق ؟

  • اغلياس
    الأحد 27 أكتوبر 2013 - 13:08

    الجبال هي اكثر تضاريس الارض مستعصية على التعرية و جبال الاطلس مثال حي على ذلك و لكن مع الاسف الدولة المغربية بغبائها تركت لغة الجبال التي صمدت ضد كل عوامل التعرية منذ 7000 سنة و ذهبت تراهن على لغة الرمال و الصحراء.
    و وصل غباء الدولة عندما تخلت عن الفرنسية و الانجليزية و حصرتها في معاهد الاغنياء و ابناء الاقطاعيين.

    الى الرقم 2 : دائما الذي يشك هو الذي يصر على الاثبات دون ان يطلب منه , و اصرارك على تذكير القراء بانك امازيغي قح دليل على ذلك .
    و للتذكير العادة السرية سلوك ينصح به الاطباء, عكس الاغتصاب و وطؤ السبايا فهو سلوك همجي لانه يؤدي الى ولادات غير طبيعية ينتج عنها لقطاء يحتاجون لاثبات نسبهم لكافلهم حتى و ان لم يطلب منهم ذلك و لانهم يعرفون مسبقا ان ملامحهم لا تشبه الاب المزعوم .
    و مع هذا اقول لك لا حرج عليك فالامومة و الابوة بالحضانة و الارض و ليس بالنسب .

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 6

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 6

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 1

رسالة الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
العروسي والفن وكرة القدم
الجمعة 15 يناير 2021 - 15:30

العروسي والفن وكرة القدم

صوت وصورة
أوحال وحفر بعين حرودة
الجمعة 15 يناير 2021 - 13:30 3

أوحال وحفر بعين حرودة