هل تمثل الديكتاتورية مرضا؟

هل تمثل الديكتاتورية مرضا؟
الخميس 26 نونبر 2020 - 22:21

أدى ارتقاء الأنظمة الفاشية والديكتاتورية السلطة، بعد الحرب العالمية الأولى، إلى تبلور أدب جدير بالاهتمام، وأعمال ذات قيمة نوعية في غاية الأهمية، على مستوى العلوم الإنسانية وكذا الفلسفة. ولا يزال الإشكال بعيدا عن استنفاد مضمونه.

لذلك، قارب بدوره الكاتب المصري علاء الأسواني هذه القضية، من خلال دراسة موجهة إلى الجمهور الغربي ما دام أنها كُتِبت باللغة الإنجليزية، ضمت مجموع حالات الاستبداد، يشخصها مصطلح ”الديكتاتورية'”.

قارب علاء الأسواني، المتخصص أصلا في طب الأسنان، موضوع الديكتاتورية، التي اختبر تجربتها بشكل مباشر، باعتبارها مرضا، تتجلى أعراضه بنفس الكيفية لدى مختلف الأنظمة السلطوية. باختصار: ”تمثل الديكتاتورية تلك العلاقة العليلة بين حاكم وشعبه”.

علاء الأسواني ديمقراطي مقتنع. لم يتوقف عن إثبات ذلك عبر بوابة تنظيم حركة “كفاية”، خلال انتفاضة يناير 2011، ثم بين طيات مختلف كتاباته، لاسيما روايته “أركض وجهة النيل” (2018)، التي نجح نظام الماريشال السيسي في حظر إصدارها داخل البلدان العربية- باستثناء المغرب، تونس، لبنان؛ لأنها أماطت اللثام بمصطلحات واقعية جدا، إلى حد ما، عن أسس نظام يتمنى الكثيرون ألا ينكشف وجهه الحقيقي.

في دراسته عن الديكتاتورية، نجد ثانية مميزاته كراوٍ، بفضل تلك الذكريات الشخصية والحكايات الصغيرة التي يعج بها نصه. هكذا، ينتابنا إحساس مفاده أننا نسمع نقاشا يتداوله أصدقاء، حول طاولة داخل مقهى. تهزنا مشاهد عديدة، وبعضها يثير السخرية. هكذا حينما توخى الأسواني تفسير حيثيات تأميم الصحافة من طرف جمال عبد الناصر، سنة 1960، استحضر حكاية تنتمي إلى تاريخ الخداع الزوجي، تأويل يشعرنا بالارتباك. في هذا الإطار، يعود سبب غضب عبد الناصر إلى تركيز الصحافة واهتمامها بمحبي وعشاق تاتا زاكي، عارضة أزياء سابقة، اعتبرت كأجمل امرأة في مصر، وقد قررت الهرب من بيت زوجها حينما رفض الأخير الاستجابة لرغبتها في الطلاق، كي تلتقي ثانية عشيقها الشاب، ثم إبان ذلك تحولت نحو صحافي مشهور كي تخبره بمعطيات حول تفاصيل وضعيتها، فجعل منها مادة لسلسلة مقالات حققت نجاحا.

تساءل الأسواني، إبان طفولته، لماذا خرج المصريون إلى الشارع للتظاهر بكثافة كي يطلبوا من عبد الناصر البقاء زعيما لمصر، جراء تقديم استقالته بعد الهزيمة العسكرية أمام إسرائيل خلال حرب 1967. سؤال لاحقه، ثم تيقن بأنه عثر على جواب، حينما صادف كتاب إيتيان دولا بويسي:”خطاب في العبودية الاختيارية”.

بخصوص هذا النص البليغ، الذي شرحه كتّاب كبار، يقترح قراءة قد نصفها بالأحرى تبسيطية قارن وفقها ”الأشخاص الذين تحكمهم الديكتاتورية بالمرضى العقلانيين”. ثم يزداد الارتباك عندما قارب الأسواني بين تخمينات بويسي الخاطفة ثم ما طرحه باعتباره تجربة علمية حول القردة، مع أنها ليست في الواقع سوى حكاية، عرفت تحت اسم : ”نظرية القردة'”.

إننا بعيدون عن تفكيك لغز: ”الخوف من الحرية”، على حد وصف إيريك فروم ثم كارلو ليفي، ولا يزال الإشكال يستحق أن نطرحه ثانية؛ لكن قضية توطيد وكذا تأبيد الأنظمة السلطوية، المختلفة عن بعضها البعض، تبعا لسياقات ليست بالضرورة نفسها، لا يمكن اختزالها إلى مجرد أن هذا الشعب أو ذاك “يبدي حاجته إلى ديكتاتور”؛ فالديكتاتور يتدبر أمره فيما بعد: ”كي يصل إلى السلطة ثم يركزها بين يديه”.

قد يبدو، مثلا، مدهشا جدا، عدم التفات الأسواني، حين حديثه عن الأعراض المَرَضية للديكتاتورية، لأبعاد العلاقات الدولية وكذا لعبة القوى الكبرى، بحيث من المعلوم جدا أنها تقدم غالبا دعمها لأنظمة سلطوية عندما تتداخل مصالحها السياسية والاقتصادية.

يستخلص علاء الأسواني، من خلال دعوته إلى تطوير ”نزعة شكية محمودة”، الوسيلة الأكثر فعالية قصد التصدي للديكتاتورية، مع إقراره بأن الطريق ما زالت طويلة قبل: ”استمتاع الإنسانية بزمان لا يعرف حضورا للديكتاتوريين”.

الكثير منا يتعقبه على خطى هذا المسار، ونعترف له بشجاعته وجرأته، كما نتطلع أيضا إلى أن يمنحنا خلال فرصة جديد متعة قراءة رواية جميلة مثلما يدرك فعل ذلك.

*مرجع المقالة : في انتظار نادو، مجلة الأدب، والأفكار، والفنون: 30 شتنبر 2020

‫تعليقات الزوار

6
  • aleph
    الخميس 26 نونبر 2020 - 22:47

    الديموقراطية ليست خيرا مطلقا والديكتاتورية ليست شرا مطلقا.
    ديكتاتورية الصين جعلت منها دولة عظمى.
    وديموقراطية الهند لم تخرجها من الفقر والتخلف وإهانة كرامة الإنسان.
    ديموقراطية مالي مزقت الدولة. وديكتاتورية النيجر حافظت على تماسك الدولة.
    ديكتاتورية سنغفورة وكوريا الجنوبية جعلت منها نمورا آقتصادية وديموقراطية پاكستان صنعت منها دولة تكاد تكون فاشلة.
    كلامي ليس تغنيا بمحاسن الديكتاتورية، هو فقط للتذكير بأن الواقع ليس أبيضا وأسودا وإنما ملون بكل ألوان قوس قزح. وأن التسلح بالعقل النقدي في التعامل مع ما نظنه بديهيات قد يكون مفيدا.

  • السبب و النتيجة
    الخميس 26 نونبر 2020 - 23:31

    النظام السياسي هو تابع للنظام الثقافي كما يقال فالنظام المنفتح من الثقافة المنفتحة و النظام المستبد من الثقافة المستبدة ، حينما تكون ثقافة الأفراد ديمقراطية متحررة فإن نظامهم السياسي سيكون ديمقراطياً متحررا و العكس صحيح . في عدد لا بأس به من الثقافات الإسلامية ما يزال مفهوم الفرد فيها ناقصا على خلاف ثقافات الأمم المتحضرة في هذا العصر أليس من العيب الاعتراض على حرية التدين في العام 2020 مثلاً؟ أحببنا أو كرهنا الديمقراطية تنطلق من الفرد "الحر سيد نفسه و مصيره" من يرفض هذا المبدأ يضيع وقته لاغير

  • Amaghrabi
    الجمعة 27 نونبر 2020 - 20:33

    المعلق المحترم رقم 2 في اعتقادي اصاب الحقيقة بحيث لا يمكن ان تنجح الديموقراطية في بلد يسوده الجهل والفقر والاعتقاد بالخرافات والسحرة والشيئ الوحيد الذي يتغير في هذه المجتمعات هو غلاف الاستبداد بحيث زعماء الاشتراكية كجمال والقذافي ووو غلفوا الاستبداد بالاشتراكية ووضعوا سرابا كهدف للطبقة العاملة الذي لن يتحقق ابدا ونفس الشيئ يقوم به الاسلاميون بحيث يعادون الديموقراطية الغربية والحريات الغربية ويسوقون الخلافة الراشدة والاسلام السياسي على انه صناعة الاهية وبالتالي لاشيئ يساوي فوق الارض الحكم الالاهي وهم في الحقيقة وضعوا غلافا اسلامياللاستبداد .وليس لهم بديل لان المجتمعات المتخلفة لا تقبل المعاصرة

  • ابراهيم
    السبت 28 نونبر 2020 - 11:00

    قال صلى الله عليه وسلم :كيف ما تكونوا يولى عليكم.

  • الغفاري
    السبت 28 نونبر 2020 - 19:17

    لو حكمت السويد بنظام دكتاتوري ستبقى متحضرة و ترجع إلى نظامها المعهود.
    و لو حكمت مصر بنظام ديمقراطي ستبقى متخلفة و سترجع إلى نظامها المعهود.
    الأنظمة تحصيل ثقافي بالأساس و ليس سياسي اختياري

  • الامس القريب
    السبت 28 نونبر 2020 - 22:20

    لا تنكر عزيزي سعيد انك كنت مولعا حد الثمالة بفيديل كاسترو و ماو وحتى

    تشاوسيكو و تيتو و لا انا غلطان

    تحياتي

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 5

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 9

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 7

مع نوال المتوكل