هل ما زلنا صغارا في مواجهة العيد الكبير؟

هل ما زلنا صغارا في مواجهة العيد الكبير؟
الجمعة 18 أكتوبر 2013 - 12:46

يعتبر عيد الأضحى المبارك ضمن الأعياد الهامة عند المسلمين، بالنظر لرمزيته المرتبطة بالتضحية، بحيث ومن باب الذكرى والتفكر، فقد أراد سيدنا إبراهيم الامتثال لأمر الله بالتضحية بابنه البكر إسماعيل لما رأى في المنام أن الله يأمره بذبح ولده، فلما هم بالقيام بذلك والاستجابة لأمر ربه فداه الله بكبش عظيم، فما كان من المسلمين ومن باب تفعيل مبادئ السنة النبوية الشريفة، إلا تعظيم هذا اليوم والاحتفاء به إعلاء لتلكم “اللحظة القوية” في تاريخ المسلمين، عند انتهاء وقفة يوم عرفة عن كل موسم من مواسم الحج والتي توافق للعاشر من ذي الحجة من كل سنة.

يفترض، انسجاما مع عمق الرؤية التي جاء بها العيد، أن يساهم هذا الأخير في تعزيز العلاقة بين المرء وخالقه، من حيث قمة الامتثال والتضحية بالنفس والمال، وعن طريق تثمين أواصر الأخوة والتضامن والتآزر سواء فيما بين أفراد الأسرة الواحدة أو فيما بين مكونات المجتمع، والشعور بالآخر من خلال محاولة تعميم وإدخال الفرح على الجميع، خاصة ما تعلق منه بنوع من الإحساس النبيل تجاه الفقراء والمحتاجين ومحاولة إرجاع البسمة والفرحة إليهم، في انتظار أن تقوم الدولة بدورها تجاههم، إذ لا يعقل أن يبقى جزء من أفراد المجتمع هكذا عرضة للضياع وبجانب الطريق في انتظار صدقات غير منتظمة، ويعيشوا في مكابدة ومجابهة أيام عصيبة للتمكن هم أيضا من مسايرة الوضع وشراء الأضحية، لأن البعد الثقافي الذي أخذته أضحية العيد بدأت تتجاوز بكثير المنظور الديني لهذا الأمر، حيث أن يسر الدين قد جعل من شراء الأضحية مقترنا بالاستطاعة والاقتدار. في وقتنا الحالي أخذ الأمر بعدا آخر وأصبح المنظور السائد هو منطق المكابدة والمكابرة. فالذي ليس لديه المال يجاهد من أجل الحصول عليه لشراء الأضحية، والذي يمتلكه يجاهد أيضا فوق طاقته لكي يشتري أضحية عادة ما تكون في مستوى أكبر من طاقته، وبهذا ندخل بعضنا البعض في “دوامة من القلق والتوتر” غيرنا فيها مع كامل الأسف منطق الأشياء، فعوض أن يكون العيد عنصر تلاق وتلاحم وتفاني أصبح في بعض الأحيان عنصر تفريق وتمزق ونفاق.

من جهة أخرى تأخذ المناسبات والأعياد الدينية للمسلمين طابعا خاصا، فإذا كان لشهر الفضيل رمضان ميزة خاصة من حيث إجماع المسلمين على الصيام من الفجر إلى غروب الشمس، فإن لعيد الأضحى المبارك ميزة أخرى مغايرة مرتبطة بشراء الأضحية، مع كل التحول المجتمعي الذي يصاحب هذا الأمر، فالأسواق تتعزز بكم هائل من الأكباش والأبقار والماعز وإلى جانبها تعرض العديد من المنتوجات التي لها علاقة بأساليب تسهيل مأمورية التعامل مع “اللحم والراس” من حيث التقطيع والتحفيظ، بالإضافة إلى ما يلذ ويطيب من سائر الخضروات والفواكه والمشروبات، بالإضافة إلى تعدد وتنوع وسائل النقل التي تنشط بالمناسبة سواء لتقريب الأفراد إلى أسرهم عبر زيادة أعداد رحلات السفر، وهي مناسبة لكي يتم تثمين سلوك الإدارة المغربية القاضي بإعطاء يوم الجمعة كيوم عطلة إضافي حتى تتم عملية تسهيل مهمة تجميع الأسر والتخفيف عنهم جزء من الأعباء الناتجة عن هذا الأمر سيما وأن يوم الجمعة جاء يوما فاصلا بينه وبين عطلة نهاية الأسبوع، وحبذا لو يتم التعامل التفضيلي مع هذا العيد من حيث إعطائه أكثر من “مجرد يومان” لأن فيه من العناصر والمقومات ما يجعل منه عنصر تجميع وتلاق بين أفراد المجتمع وبين الأسر بامتياز، دون أن ننسى الحلة الجميلة التي تكون عليها المصليات وهي تستعد لاستقبال وفود المسلمين الذين يتزينون بأحلى الثياب والأزياء المغربية التقليدية استعدادا لتأدية صلاة العيد المعظمة.

على أن الصورة حقيقة ليست كلها على نفس القدر من الجمال، إذ لازالت مناسبة العيد تعرف العديد من الاختلالات في العديد من الجوانب، لعل أبرزها غياب أو قلة وسائل النقل، فمنظر المحطات الطرقية يدعو صراحة وحقيقة إلى التقزز مع انعدام النظام في هذا الأمر، حيث يكون الجري والركض هو سيد الموقف ويفسح المجال لكي يأكل القوي الضعيف، من خلال تحصيل تذاكر السفر ناهيك عن السمسرة التي تعرفها هذه العملية. إذا ما نحن انتقلنا إلى الأسواق ومع نوع من التنظيم الظاهري الفوقي المعزز ببعض رجالات الأمن، يخاف المرء على نفسه وعلى الأموال التي تكون بحوزته ويزداد الخوف مع شراء الأضحية، حيث يصبح الفرد “ضحية”” للعديد من “قطاع الطرق” والذين يفرضون عليك منطقهم سواء في حمل الكبش أو في اختيار وسيلة النقل وحتى في ثمن “تنقالها” في بعض الأوقات.

وقد يزيد “الحولي” مشاكل إضافية إلى المشاكل المتراكمة على العمارات بحكم انتشار السكن الاقتصادي، في غياب أماكن واضحة للذبيحة، عدم التعامل بعقلانية مع مشاكل النظافة، سوء التعامل مع قنوات الصرف الصحي ورمي النفايات، إذ غالبا ما تنفجر هذه القنوات على أحد ساكني العمارة. وحتى إذا ما تم الخروج من المساكن نجد المشاكل المرتبطة بطرق انتصاب الخيام “خيام لحريق نتاع راس الحولي” “خيام بيع أعلاف الحولي”، “خيام لتمضية السكاكين”. المشاكل الناتجة عن الطريقة التي يظهر بها جزء من “الكزارة” وهم يحملون “السكاكين والشواقر” المليئة بالدماء وطريقة اللبس أمام أعين بعض الأطفال البريئة التي تحس وكأنها قد فقدت الخيط الناظم ولم تعد تفهم شيئا. الطريقة التي يتم بها التعامل مع “الريوس والأقران والبطانات”، الطريقة التي يتم التعامل بها مع النظافة ومع الفضاء العام داخل الحي، الطريقة والطريقة…

وإذا ما تم تجميع كل هذه الصور في لحظة واحدة وفي قياس زمني لا يتعدى تقريبا خمس إلى ست ساعات، وفي غياب مقاربات ورؤية اضحة لشكل التعاطي مع كل واحدة من هذه الإشكاليات، نفهم كيف تكون عليه أحوالنا في لحظة العيد، وكيف ندير فيه أمورنا بطرق تقليدية وبدائية، وكأننا لم نفلح في تحقيق نوع من التراكم في هذا الأمر ولا نفكر في أمورنا بشكل استباقي، إذ تجدنا وكأننا في كل سنة نعيد تكرار نفس الأخطاء، والأدهى من ذلك أن تجد هاجس البعض منا يكمن في رغبته من التخلص و”الفكاك” من مجمل الإكراهات التي تنتصب أمامه في تلكم اللحظة “لحظة العيد” في غياب بعض الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها السلطات والجماعات المحلية، أو وسائل الإعلام و المجتمع المدني والذي من المفترض في أمر ديني واجتماعي بهذا القدر أن تتعبأ فيه جميع الهيئات والمؤسسات لإنجاح مهمة نبيلة من هذا الحجم، حتى تكتمل علينا فرحة العيد ونحافظ أيضا على بيئتنا وعلى سلامتنا.

على أنه وإذا كان مسموحا لنا ببعض الأخطاء المرتبطة بأدائنا الجماعي حين كنا من دون الزجاج الرقمي والفضائيات ما دمنا كنا نعالج أمورنا بيننا فقط، إلا أنه حقيقة وفي زمن العولمة الحالي لم يعد مسموحا لنا أن نتعامل بنوع من الاستخفاف في أمور جد هامة من هذا القبيل، لأن نظرة الآخرين لنا قد تجعل منا قبائل بدائية وقد تنقلب طقوسنا علينا وبالا إذا ما نحن لم نحسن التعامل معها، فلقد حان الوقت لكي نأخذ أمورنا بالجدية اللازمة وندمج بعض الأبعاد التنظيمية والبيئية في مقاربة عيد كبير كالعيد الكبير،كما ترجع إلينا من جهة أخرى مسؤولية إبراز جانب من خصوصياتنا المرتبطة بهذا العيد للمنتظم الدولي، أو ليست من مهام التكنولوجيات الحديثة تلاحق الأفكار والثقافات أيضا؟

مهتم إعلامي

‫تعليقات الزوار

2
  • Free Thinker
    الجمعة 18 أكتوبر 2013 - 15:28

    "لأن نظرة الآخرين لنا قد تجعل منا قبائل بدائية"
    علاه نتا اسي تتصحاب راسكم قبائل معاصرة? lol. انتم فعلا قبائل بدائية و قد احسنت الوصف. تقديم قرابين للالهة عادة بدائية لا يزاولها الا المسلمون.
    هذه العاداة ليست من "الخصوصيات الثقافية" و انما من مظاهر التخلف الفكري الذي يعانيه معظم المسلمون. و الغريب هو استماتة البعض في الدفاع عن هذا التخلف, تحت غطاء معاصر.

  • sifao
    الإثنين 21 أكتوبر 2013 - 23:06

    القربان كانت تقدم للالهة اما لخوف يتقى ، مثل اتقاء شرالزلازل والفياضانات والعواصف ، واما لفائدة ترتجى مثل التوسل الى الله لحملية المحصول من الجفاف، وهذه الامور كانت تحدث عندما كان الانسان يعتقد ان الرعد هو قصف الهي للاشرار والفيضانات تعبير عن توتر الاهي بسبب رغبته في الجنس فيختار الوصي على الجماعة اجمل النساء ويلقى بها في النهر ليعود الله الى هدوءه ، اما في القرن الواحد العشرين فلم يعد هناك من يجهل سبب حدوث الرعد او الفيضان او الزلزال، الاسباب التي كانت تدفع الانسان الى تقديم القربان لله قد انتفت ، فلماذا لا يتم توقيف هذه المهزلة الاقتصادية والبيئية ، لماذا لا يتخذ الاحتفال شكلا آخر ، كما عودنا المرحوم الحسن 2 عندما كان يضحي نيابة عنا ويعفي الأخرين وينقذ ملايين المواشي من مجزرة محققة ، لماذا لا يجتهد الفقهاء في هذا الاتجاه ، والعقيدة توفر هذه الامكانية ، فالعيد سنة وليس فرضا ، لماذا لانتكيف مع الزمان ؟اما الاضرار البيئية لهذا الاحتفال ، كانتشار الازبال الحيوانية والآدمية فلا يشكل اية مشكلة ، عندما رأيت ما يخلفه الحجاج من ازبال وراءهم في شوارع مكة ، فهمت لماذا قال لهم نبيهم تيمموا.

صوت وصورة
قتيلة في انهيار منزل ببني ملال
الجمعة 5 مارس 2021 - 00:40

قتيلة في انهيار منزل ببني ملال

صوت وصورة
حياة بلا نبض
الخميس 4 مارس 2021 - 22:35 5

حياة بلا نبض

صوت وصورة
ارتفاع أسعار النحاس
الخميس 4 مارس 2021 - 20:35 7

ارتفاع أسعار النحاس

صوت وصورة
تفكيك شبكة دولية للمخدرات
الخميس 4 مارس 2021 - 19:31 8

تفكيك شبكة دولية للمخدرات

صوت وصورة
سلمات أبو البنات 2
الخميس 4 مارس 2021 - 18:40 5

سلمات أبو البنات 2

صوت وصورة
كلمة وزير خارجية الأردن
الخميس 4 مارس 2021 - 17:52 8

كلمة وزير خارجية الأردن