هل يعتز المغاربة بخصوصيتهم الدينية؟

هل يعتز المغاربة بخصوصيتهم الدينية؟
الخميس 4 يونيو 2015 - 23:20

يختلف الناس كثيرا حول مفهوم الدين وأهميته بالنسبة للإنسان والحياة، ويختلف من اتفق منهم على أهمية الدين حول بعض معانيه وصور تطبيقه، أما المتفقون على عدم أهميته فيختلفون كذلك حول المواقف المتخذة منه، هل يسالمونه ويتعايشون معه؟ أم يعادونه ويستأصلونه؟ هذا الاختلاف حول كل ما له علاقة بالدين فهما وتطبيقا، سلبا وإيجابا، وإن كان موجودا بين كل الجنسيات وفي كل المجتمعات، إلا أنه في الحالة المغربية أكثر شيوعا. فلا يكاد يخلو تيار فكري أو ديني من التيارات البارزة في العالم من وجود مغاربة ضمن أتباعه، ابتداء من أقصى التنظيمات تطرفا في جهة اليمين إلى أقصاها تطرفا في جهة اليسار. فمن المغاربة سلفيون من شتى أنواع التيارات، وصوفيون من مختلف الطرق الصوفية، وإسلاميون من معظم أطياف الحركات الإسلامية، وشيعة أيضا من أكثر من مذهب، وتقليديون على ما وجدوا عليه آباءهم…

وفي الجهة المقابلة، من المغاربة علمانيون معتدلون وعلمانيون متطرفون، بل ومن المغاربة ملحدون وعبدة الشيطان!

إقبال المغاربة بهذه السرعة وبهذا الشكل الكبير على كل ما يفد إليهم فيما له علاقة بالدين، يطرح تساؤلا كبيرا: هل الأمر مجرد انفتاح لدى الشخصية المغربية أفضى إلى هذا التنوع الذي لا مشكلة ولا حرج فيه؟ أم أن المغاربة يعيشون فراغا هوياتيا جعلهم يتشربون كل ما حولهم كما تتشرب قطع الإسفنج ما حولها من زيت؟ ثم، لماذا يحدث هذا مع المغاربة أكثر من غيرهم؟

إن اعتناق الشخص لتوجه جديد لا بد أن يكون على حساب توجهه القديم! فالمغربي الملحد مثلا، كان مسلما، و الشيعي كان سنيا، واللا مذهبي كان مذهبيا، والسلفي ربما كان أشعريا أو صوفيا… فما الذي جعل الكثير من المغاربة يتحولون عن ما كان مألوفا لديهم ويرتمون في أحضان كل وافد جديد؟ هل هو انبهار بهذا الجديد؟ أم تذمر وسخط عن المألوف القديم؟

الذي يبدو أن هذا الأخير هو الصحيح، أي: التذمر وعدم الاقتناع بهذا المألوف، بدليل أن الكثيرين من هؤلاء غالبا ما يعتنقون فكرا جديدا يكون معارضا ومناقضا تماما لفكرهم القديم! وبالتالي، لا يكتفي هذا المتحول بترك فكره والتخلي عنه، وإنما ينبري لمهاجمته وانتقاده ومعاداته! وكون الأمر يتعدى في الكثير من الأحيان مجرد الترك ليتحول إلى المعادات والتهجم – مع ما نعانيه من قصور في مسألة تدبير الخلاف- ينذر بأمور قد تهدد تماسك المجتمع المغربي عاجلا أو آجلا (لا قدر الله).

فهل من سبيل إذا لترسيخ الخصوصية الدينية بين المغاربة بدل هذا الضياع وهذه الإمعية التي أصبحت تميز الكثير منهم؟

إن المغاربة يفتخرون بدينهم ولا شك، ويفتخرون بوطنهم كذلك. لكنهم يفتخرون في الغالب بدينهم بمفهومه وشكله العام، وليس بالخصوصية التي يضفيها عليه الانتماء الوطني، أي الإسلام العام الذي يشاركهم فيه كل مسلم. لكن، أليس لهذا الوطن الذي نفتخر به نموذج وشخصية قد ترسخت عبر القرون في ما يخص الهوية الدينيةّ؟ أليس للتدين المغربي خصوصية؟ طبعا، لا يفهم من كلامي الدعوة إلى “إسلام مغربي”، فالإسلام في كلياته ومقاصده ومصادره واحد، الذي أعنيه هو الاختيارات المذهبية فيما يخص مناهج الفهم في العقيدة والفقه والسياسة والتصور.

الجهات الرسمية في البلاد تعلن أن المدرسة الأشعرية في العقيدة، والمذهب المالكي في الفقه، وإمارة المؤمنين في الحكم، والوسطية والاعتدال في التصور هي اختيارات وثوابت المغرب. لكن، هناك أسئلة لا بد من الإجابة عليها قبل وأثناء وبعد اعتماد هذه الاختيارات:

أولا: من له الحق في تحديد هذه الاختيارات؟ هل هي السلطة ومن يدور في فلكها؟ أم النخب الدينية؟ أم عموم الناس؟

ثانيا: على أي أساس اعتمدت هذه الاختيارات؟ هل فقط لأننا وجدنا عليها آباءنا؟ أم لأنها تخدم مصالح فئة معينة؟ أم لأنها تخدم مصالح الأمة؟ أم لأنها الأرجح والأصح؟

ثالثا: ما هي السبل الفعالة لترسيخ هذه الاختيارات بين عموم المغاربة؟ هل الناس على بينة من هذه الأمور؟ هل يميز عموم المغاربة بين هذه الاختيارات وغيرها؟

رابعا: ماهي المخاطر المحتملة التي تهدد هذه الخصوصية؟ وما هي المخاطر التي تترتب على الخروج عنها؟

خامسا: كيف يتعامل مع من يخالف هذه الاختيارات من المغاربة؟ هل للجهات الرسمية الحق في إلزام الناس بما اختارته؟ أم أن زمن الإلزام قد ولى، وبالتالي لكل المواطنين أفرادا ومجموعات الحق في أن يختاروا التوجه والمذهب الذي يرتضون؟

أسئلة لا بد من الإجابة عليها لتحديد: ماذا نريد؟ ولماذا نريد ذلك؟ وكيف نصل إلى هذا الذي نريد؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة أمر لا بد منه في نظري، وبقدر ما تكون الإجابات على هذه التساؤلات واضحة ومقنعة، بقدر ما تترسخ وتتميز الخصوصية الدينية في أذهان ووجدان المغاربة، وآنذاك سيعتز المغاربة بخصوصيتهم وستتميز شخصيتهم وسنتخلص من عبء هذين السؤالين المحرجين:

“علاش حنا المغاربة اللي جا يعمر بنا شكارتو؟ وعلاش حنا المغاربة الريح اللي جا يدينا؟”

[email protected]

‫تعليقات الزوار

9
  • Freethinker
    الجمعة 5 يونيو 2015 - 10:20

    الملحد لم يكن أبدا مسلما كما تقول، وإنما وجد نفسه مكرها بحد السيف لأن والديه المكرهين بدوريهما كانا "مسلمين". العقيدة ليست بالوراثة، بل هي بالاقتناع والدراسة والتمحيص

  • Adil
    الجمعة 5 يونيو 2015 - 14:50

    مع الأسف ، كل أمة تفتخر وتتمسك بخصوصيتها ، إلا نحن النغاربة، نحتقر لغتنا ولهجاتنا وتقاليدناط وحتى علماءنا! لدينا انبهار بالآخر غير مبرر، مع أن لدينا ما ليس للآخرين في جميع المجالات، خاصة المجال العلمي والديني ، لكننا نحتقر ما عندنا ونعظم ما عند الغير! الذي درس في المدينة أو الأزهر أو دمشق أعلى مرتبة من الذي درس في وجدة أو طنجة!
    وعلماء نجد أعلم من علماء القرويين! ومذهب أحمد أصخ من مذهب مالك… وهكذا، دون دليل ولا تمحيص نحتقر ما عندنا. شكرا جزيلل للكاتب على هذا الموضوغ

  • الراضي
    الجمعة 5 يونيو 2015 - 14:51

    أي خصوصية؟!
    أخي السليماني أجاب على أصل أسئلتك هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يترك لأحد بعده جوابا"فإنه من يعش منكم يرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ".[رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه
    يقول الرسول – عليه الصلاة والسلام – : ( إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها). و(يأرز), ومعنى (يأرز) يرجع ويثبت في المدينة كما أن الحية إذا خرجت من جحرها رجعت إليه , وهذا إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن هذا الدين سوف يرجع إلى المدينة بعد أن تفسد البلدان الأخرى كما أن الحية تخرج وتنتشر في الأرض ثم بعد ذلك ترجع إلى جحرها.
    وفيه أيضاً إشارة إلى أن الإسلام كما انطلق من المدينة فإنه يرجع إليها أيضا ً, فإن الإسلام بقوته وسلطته لم ينتشر إلا من المدينة وإن كان أصله نابعاً في مكة , ومكة هي المهبط الأول للوحي لكن لم يكن للمسلمين دولة وسلطان وجهاد إلا بعد هاجروا إلى المدينة , فلهذا كان الإسلام بسلطته ونفوذه وقوته منتشراً من المدينة وسيرجع إليها في آخر الزمان .

  • الحسن لشهاب
    الجمعة 5 يونيو 2015 - 21:08

    في راي ان خصوصيتنا الدينية المتميزة بالقناعات الروحية اكثر مما هي مادية ملموسة ،او بمعنى اوضح ان يعلق المسلم المؤمن امله و مستقبله في قوة الله الغير الملمسوة ،و التحلي بالصبر و التعلق بافكار متوارثة تقيد المسلم بالافعال و الاقوال و الممارسات الحسنة ، هي السبب الرئيسي في تثقيف و تنازل المسلم عن حقوقه المادية ،بحيث من جهة سيكون المؤمن متفرغا لما بين يده من تربية و تعليم وسلوك حسن ومن جهة اخرى سيستغفله الانسان المادي و يسلب له حقوقه ،لان المؤمن غالبا ما يلجئ امره الى الله ،وهدا الاختلاف الثقافي و العقائدي في مجتمعنا هو سبب التحايل و الاستغفال هو السائد في وقتنا الراهن ،بحيث منا من يجمع الحسنات ليلقى بها ربه ،ومنا من يجمع الاموال ليلقى بها اسياده و يطمئن عن مستقبله .

  • المعتز
    السبت 6 يونيو 2015 - 01:45

    "علاش حنا المغاربة اللي جا يعمر بنا شكارتو؟ وعلاش حنا المغاربة الريح اللي جا يدينا؟"

    هذا هو السؤال الملخص لكل الاسئلة السابقة. رسالة الاسلام واضحة وضوح الشمس عند عموم المغاربة. لدينا علماء دين جد متنورين يشهد لهم العالم الاسلامي في كل بقاع الارض كذلك المدارس والمعاهد الدينية التي يتم الاستشهاد والاعتراف بها عالميا. لكن بعض المغاربة يعتقدون بان كل ما ياتي من الشرق فهو الصحيح وكل ما ياتي من الشرق يبطل ما في المغرب حتى الموسيقى وعلم الكذب والنفاق والاحتقار. فبمجرد ان يحتك هذا النوع من المغاربة مع مشرقي تراهم يتنكرون لهويتهم الدينية والثقافية والوطنية ليتجردوا من مغربيتهم ويقلدوا المشرقي في صوته ومشيته ومظهره حتى صاروا مجرد غربان جمع غراب يغردون غاه غاه غاه غاه غاه غاه ويمشون مشية الغراب كذلك. هؤلاء بمجرد ان يتحولوا الى غربان يشرعون في نقد كل ما هو مخالف لمظهرهم ونفاقهم فيبداون بتكفير الصغير والكبير والذكر والانثى. هؤلاء اغلبهم الساحقة لم يحفظوا القران ولم يعرفوا الا الف باء في الامور الدينية وتجدهم يخضون في الكبائر والصغائر ويجادلون ويكفرون ويملكون مفاتيح الاخرة كما يملكها اسيادهم.

  • المعتز بدينه
    السبت 6 يونيو 2015 - 07:25

    أن ننبهر بعلماء الأزهر أو علماء نجد يعارض الخصوصية الدينية المغربية
    وأما استقدام شذاذ العلمانية الغربية فهو سعة أفق واستفادة من حضارات الامم الأخرى وتعزيز لمغرب الثقافات
    من المفارقات العجيبة الغريبة أن يسحب مصحف حفص قبل سنوات من بعض المعارض بالدار البيضاء بدعوى دعم الخصوصية
    وتشرع الأبواب في موازين لمجموعات العري والشذوذ بزعم تعزيز مغرب الثقافات
    صدقت حينما قلت على أي أساس اعتمدت هذه الاختيارات؟ هل ….

  • الريفي
    السبت 6 يونيو 2015 - 12:13

    مقال متميز بنبرة محايدة كالعادة .الذي يستحق التضحية بتعزيزه هو اتباع السنة والإعتزاز بالخصوصية الدينية المغربية تجاه الخصوصية الثقافية الغربية العلمانية وأما تعزيزها تجاه ما يفد من الشرق لمجرد أنه شرقي فيصعب فيه تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود في كثير من الأحيان خاصة ما كان داخلا في مفهوم أهل السنةوالجماعة بمفهومه العام ولم يخل المغرب في تاريخه كله من التأثر بالشرق فادريس الأول مشرقي والأسرة العلوية الشريفة مشرقية والمدرسة الأشعرية كبار أساتذتها مشرقيين بل إنك تجدقدماء المالكية على النقيض منها والمذهب المالكي وافد منالمشرق وإن كان للمغاربة مدرستهم التي نشأت تلقائيا وكثير من أئمة العلم المغاربة درسوا في الشرق وتأثروا به والحديث عن الخصوصية الدينية لا يخلوا من استغلال باستثناء الطيبين الذين يفعلون ذلك خوفا على البلاد من الفوضىوالإنقسام فإنك ترى من العلمانيين من يتحدث عنها لتضييق القاعدة الإنتخابيةلإسلاميي السياسة ومن غلاة الصوفية خوفا على الدعم المادي الذي يأتيهم من الدولة لكن علىأرض الواقع يبقى التأثير لأهل القرار السياسي الفعلي ولأدوات العولمة والجادين في الدعوة إلى ما يعتقدونه

  • جلول
    الأحد 7 يونيو 2015 - 12:46

    المساجد بأوروبا هي التي فرقت الجالية المغربية ، كما هو يعرف الخاص والعام داخل المساجد فهي لعبة سياسي ومادي ، وهنا بعض أناس يستغلون المصلين ومن جملتهم شباب المغاربة . سؤال مطروح من هو مسؤول عن تشجيع ذهابا الى سوريا والعراق ؟
    يا عجبا نحد بعض الائمة يتكلمون باسم الدين وهم يقولون اتقوا الله ، وفي نفس الوقت هم من يخرصون عن ذلك الإرهابيين.

  • awsim
    الأحد 7 يونيو 2015 - 17:55

    -نعم نعتزبخصوصيتنا الدينية وبخصوصيتنا الثقافية واللغوية وهما سرتميزنا..
    لكن رجالات المغرب الذين حافظوا على هذا التميزمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر..بينما تنكرمن تبعهم لهذه الخصوصية واعتنقوا خصوصية غيرهم ويا ليتها كانت الافضل..كنا نجد في اولئك الافذاذ الرحمة والغفران لانهم استوعبوا قول رب العزة:"فبما رحمة من الله لنت لهم ولوكنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك"وقوله"واخفض جناحك لمن اتبعك من المومنين" يتجاوزون عن زلاتنا واخطائنا لايميزون بيننا بلون اولغة اوعلومنزلة..الخ اما الآن فقد"خلف من بعدهم خلف" تشددوا علينا وضيقوا..ولارحمة فيهم
    فهم مشرئبون لتطبيق الحد والقصاص كهدف وكانها هدف الدين وهي وسيلة لهدف اسمى يمكن الوصول اليه بالادنى..ونسوا ان الحدود تدرأ بالشبهات..
    بل ارادوا التشدد على الناس في الملبس والمأكل واللغة ..والمظهرالعام بطريقة منمطة لاقبل لنا بها لانهم يعتبرون ذلك من صميم الدين..وهو في الحقيقة خصوصية مجتمعات بعيدة عن خصوصيتنا التي نريد الحفاظ عليها لان "الاصل في الاشياء الاباحة ما لم تحرم بنص"فقد علمنا اولئك الافذاذ ان الدين لله وان الثقافة للجميع وهي تختلف من مجتمع الى آخر..

صوت وصورة
التأمين الإجباري عن المرض
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 08:21

التأمين الإجباري عن المرض

صوت وصورة
تطويق مسجد بفاس
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 00:00

تطويق مسجد بفاس

صوت وصورة
مع هيثم مفتاح
الإثنين 19 أبريل 2021 - 21:30

مع هيثم مفتاح

صوت وصورة
بين اليقين وحب العطاء
الإثنين 19 أبريل 2021 - 17:00

بين اليقين وحب العطاء

صوت وصورة
مبادرة "حوت بثمن معقول"
الإثنين 19 أبريل 2021 - 15:32

مبادرة "حوت بثمن معقول"

صوت وصورة
حماية الطفولة بالمغرب
الإثنين 19 أبريل 2021 - 12:10

حماية الطفولة بالمغرب