وإنّ السّيسي لداهِية

وإنّ السّيسي لداهِية
الثلاثاء 17 شتنبر 2013 - 14:16

مباركٌ يومَ خُلِعتَ، ويومَ سُجنتَ، ويوم أُخْرِجتَ حيّا.

لقد كنتَ في كلّ هذه الأيام “مبارك”، ونحن متأكدون. لكن، هل أنت مباركٌ حقّا يومَ طلعتَ صوتاً في التسجيل الأخير؟ هل كانَ الصوتُ صوتَك ذاك الذي يكشفُ صاحبُه أن الإخوانَ لَأشرارٌ، وأنّ السيسي لداهيةٌ، وأنك الأشرفُ والأفْطنُ والأصلبُ عودا في مواجهة الأمريكان؟

أشكّ في أن يكونَ الصوتُ صوتَك. لقد بدوتَ على غيرِ عادتك مستعدّا لتقبَل أحداً سواكَ يحكمُ البلد، وأنت الذي كنتَ وحتى آخر يومٍ لك في القصرِ أو في السجنِ حريصاً على أنْ تُشعرَ المصريين بأنك فوق المصريين جميعا. لا مصريّ ـ من غير آل بيتك ـ كنتَ تراه جديرا بأن يحكم.

ألستَ صاحبَ العبارة الخالدة “أنا أو الفوضى”؟ فما بالك اليومَ ـ إن كان الصوتُ صوتَك ـ تمدّ يدك مبايعاً رجلاً مصريّا اسمه السيسي؟ لعلّه يستحقّ. لكنّك سمّيتَه “الداهية” إذ اعترفتَ بأنك كنتَ مخدوعاً فيه ـ كما انخدع فيه الإخوانُ ـ حين ظننتَه من الإخوان. فمن يضمنُ أن لا يكونَ الآنَ هذا الوجهُ الطيبُ الوطنيُّ جدا حدّ البكاء، المناصرُ للثورة حدّ التضحية بالأرواح، مجرّد قناعٍ آخر لم يحن وقتُ سقوطه؟ من يضمن ألا يأتي زمنٌ ـ كمثل هذا الزمن ـ يكتشفُ فيه الثوارُ متأخرين بأنهم كانوا مخدوعين في “الداهية” حين حسبوه منهم، تماما كما اكتشف الإخوانُ بأنهم فيه انخدعوا بعد فوات الأوان!

أشكّ يا مبارك في أن يكونَ الصوتُ صوتَك، لأننا خبِرْناكَ دوماً في الطليعة، تتقدّمُ الصفوف وحدَك، وخلفَك يقفُ الإعلام في حالة تأهب. هي العادةُ ـ كانتْ ـ أن تعطي أنتَ الإشارةَ، فتنطلقُ جوقةُ الإعلاميين خلفَها فوراً بالتمجيد والتّهليل، حتى ولو كانت الإشارةُ خاطئةً! فما بالك ـ إن كان الصوتُ صوتَك ـ تخلّفْتَ الصفوفَ هذه المرّة، وانتظرتَ جوقةَ الإعلاميين يطلقون إشارة البدءِ، وراقبتَهم من محبسِك ينطلقون، ثم التحقْتَ بهم بعد أكثر من عامٍ تباركُ خطواتهم كما كانوا لخطواتك مبارِكين؟ أتيتَ إليهم متأخّراً بشهادتك، مصدّقا لما بين أيديهم من الادعاءات. كأنّك شئتَ أن تكونَ الدليلَ/ الشاهدَ أنّ إرهابَ حماس حقٌّ، وأنّ إرهاب الإخوانِ حقٌّ، وأن السيسي حقٌّ، وأن توفيقَ عكاشة وزملاءَه على حقٍّ، ، وأن لميس الحديدي لا ريبَ فيها.

فإذا كنتَ تريدُ بشهادتِك في الإخوان وغزة، في سيناء والسيسي، أن تؤكد المزاعمَ التي ظل يُطلقها الإعلاميون كي يعزلوا مرسي، فلقد نجحْتَ. لكنْ إن كنت أيضاً تريدُ بها أن تبرّر التنكيلَ بأنصاره وحرّياتهم، وتمنحَ لهذا التنكيل بعضَ الشرعية، فلقد فشلتَ.

لا يمكن لرجلٍ مثلك لا يصدّقه الشعبُ، أو لم يعدِ الشعبُ يصدّقُه، أن يمنحَ الشرعية لشيء أو لأحد. فأنتَ الرجل نفسُه الذي سمّاه شعبُه في ثورتين؛ الفاسدَ المرتشي السارقَ الغاصبَ القاتلَ الأفّاقَ العميلَ المجرمَ الكذابَ الطاغيةَ الديكتاتورَ الغدّارَ الطمّاعَ الخائنَ السافلَ المنحطّ…

وأسماءً أخرى هي صفات تجعلُ شهادتَك بالتأكيد مجروحة. ومن المدهش حقّا أن يهلّل الإعلاميون “الثوار” اليوم لشهادتك؛ “شهادةِ الرئيس السابق”، بل ويرفعونها حجّة من نور لما كانوا عن الإخوان يقولون.

مؤسف، ألا تطلعَ ـ إن كان الصوتُ صوتَك ـ باعتذار إلى شعب مصر. ليتك اعتذرْتَ يا مبارك ـ وأنت في أيامك الأخيرةِ ـ عن أخطاءٍ كنتَ ـ ربما ـ لا تقصدها، وعن جرائمَ سياسية واقتصادية أدتْ إلى انهيار فظيع للأمة التي قادت العالم العربي إلى عصر الأنوار. كان عليك أن تعتذرَ عن كل الألم الذي سبّبته لملايين المصريين، اعتذاراً عن الذلّ الذي تجرّعوه في عهدك، واعتذارا عن القهر الذي كنتَ تراه يلتهمُ أحلامَهم، ولم تفعلْ ما في وسعك لتمنعَه.

مؤسفٌ يا مبارك أن يبقى أكبرَ همّك، حتى في هذه المرحلة المتأخرة من الحياة، أن تبرر ما لا يستحقّ التبرير. أي مبرّر شرعي لهذا الهجوم الأمني و”الأهلي” على أنصار جماعةٍ ارتكب قادتُها أو متطرفوها أخطاءً قد تصل إلى حد الجرائم التي يستحقون عليها المحاكمة، لكنها لا تصل أبداً إلى حدّ اللعنة التي تجعل كلّ أبناء الجماعةِ منبوذين يستحقون الدّهْس. أيُّ مبرر لهذا الهجوم الإعلامي الذي تُنصبُ خلاله المسالخُ لفكرٍ عاشَ منسجماً مع مجتمعه لمدة ثمانين سنة؟ وأما الهجوم العسكري في سيناء، فتلك فتنةٌ سلِمَت منها دماؤنا، فلتسلمْ منها أقلامُنا.

[email protected]

‫تعليقات الزوار

8
  • CHOUKR
    الثلاثاء 17 شتنبر 2013 - 17:42

    reveillez vous oh arabes.ne pas etre comme la queue du corps qui suit les diections du vent.si sissi reussit on applaudit si el ikhouanes reussissent on applaudit..mine ayna nahnou mine ay itijah.il est impereatif d'avoir une opinion libre et un cachet qui soit à sa personne et non comme des ecervelés on ne connait pas une opinion à soi libre et liberale.alors que ce doit une opinion à soi loin de toute influence et autre.marak est venu et c'est sa fin,moursi est venu puis un coup de force.qui paie les pots casses evidemment les pauvres les lus demunis.oulak aladinas courent derriere essarab.lah yahfad el bilad ouibad malikouna oua chaabolas mine koli dayr amine oussalam

  • الامام المتغلب
    الثلاثاء 17 شتنبر 2013 - 20:39

    حسب ادبيات " الاسلام السياسي" الدي تامن به جماعة اخوان والدي يجمع عليه العلماء اصول.
    مبدأ "يجب اطاعة الامام المتغلب ومن خرج عليه ومات فهو مات كافر".
    لدالك امر جماعة بطاعة امام سيسي حفضه الله!
    رغم انه يمتل هدا الفكر الرعاع و قبلية و البلطجة اصلا لاكن يجب علي الجماعة ان تلتزم بما ألزمت به نفسها من " فكرسياسي اسلامي ".

    اما ادا كان الغرض كرسي الحكم فلا باس من استمرار في تجارتها الدينة بئيسة.

  • AHMED ELBERKANI
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 01:17

    تعجبني طريقة اسلوبك في الكتابة بغض النظر عن الاختلاف والاتفاق معك اسلوب رائع يذكرني ببعض الاعلاميين المرموقين في العالم العربي

  • أبو سلمى
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 01:45

    كلام لا يستقيم لذي عقل ، فأنت لا تعرف ما تقول : فلا أنت تنتقد مبارك ،ولا أنت تعطي فكرة مسؤولة عن السيسي : الإخوان خربوا مصر ، والسيسي ينقذها من الوقوع في أيدي المتخلفين الإسلامويين الذين يعتنقون الدين لا للعبادة والخير للبشر ، وإنما للوصول إلى السلطة التي يعشقونها ؛ لينتقموا من كل فكر متحرر

  • محمد محمود أحمد
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 10:36

    لا أحب المدح او المجاملة ولكن حقيقة كتابتك التحليلة عن الشأن المصري لامست الكثير بداخلى، أشكرك على تحليلك وحيادتك وموضوعيتك.
    دمت طيباً أستاذ منير
    مصري حزين على بلده

  • mohamed kh
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 11:52

    مقال جيد..لكن الموضوع المصري استهلك كفاية و مصر بيننا و بينها آلاف الكيلومترات ، و للحقيقة فنحن نهتم بها و نكتب عنها تنفيسا و هروبا من مشاكلنا المغربية الحقيقية…الكتاب المغاربة يشبهون مواطنيهم من لاعبي كرة القدم ،يسجلون دائما اهدافا رائعة في الملاعب البعيدة ،لكن مع منتخبهم و على ارضهم يتكاسلون و يخافون على أقدامهم من الاصابة…باهي قلم جيد لكنه كأكثر الاقلام تعوزه الشجاعة ….و من ذا الذي يستطيع هذه الايام ان يغامر بشقته الهادئة و سيارته التي ما يزال يدفع أقساطها و زوجته الجميلة من اجل قضية خاسرة ….لا تتكلموا أبدا باسم شعب جاهل ….

  • محسن
    الأربعاء 18 شتنبر 2013 - 16:32

    في انتظار مقال بعنوان .. وان بنكيران لمغلوب على أمره ولكن أكثر التماسيح يستغلون هذا

  • Assia
    الأحد 22 شتنبر 2013 - 11:46

    كل التقدير و الاحترام لك ايها الكاتب والى اسلوبك الرائع و الراقي و شخصيا اتفق معك تماما

صوت وصورة
مشاريع تهيئة الداخلة
الأربعاء 27 يناير 2021 - 21:40 5

مشاريع تهيئة الداخلة

صوت وصورة
انفجار قنينات غاز بمراكش
الأربعاء 27 يناير 2021 - 20:24 16

انفجار قنينات غاز بمراكش

صوت وصورة
أشهر بائع نقانق بالرباط
الأربعاء 27 يناير 2021 - 13:54 24

أشهر بائع نقانق بالرباط

صوت وصورة
انهيار بناية في الدار البيضاء
الأربعاء 27 يناير 2021 - 13:30 5

انهيار بناية في الدار البيضاء

صوت وصورة
مع بطل مسلسل "داير البوز"
الأربعاء 27 يناير 2021 - 10:17 12

مع بطل مسلسل "داير البوز"

صوت وصورة
كفاح بائعة خضر
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 21:46 15

كفاح بائعة خضر