وإن لكم في الألمان لعبرة

وإن لكم في الألمان لعبرة
الأربعاء 25 شتنبر 2013 - 13:54

عاشت ألمانيا ولأسابيع مضت فوق صفيح ساخن, و ما زالت. و السبب هو حدث الإنتخابات البرلمانية الأخيرة و نتائجها التي أزيح الستار عنها نهاية الأسبوع الماضي. قد يتساءل البعض, و ما الجديد في هذا؟ فألمانيا لها تقاليد عريقة في ممارسة الديموقراطية و تسير على هذا المنوال لعقود مضت, كما أن هذا شأنها و ما دخلنا نحن. أقول, بحكم أننا ـ أي نحن المغاربة ـ اتفقنا على جميع المستويات {سياسية و إجتماعية, حكومية و غير حكومية} على أن الديموقراطية هو الخيار الذي ابتغناه و تعاقدنا عليه, فإن أي إضافة أو تجربة في ممارستها يهمنا. خصوصا و أن ديمقراطيتنا الناشئة ما زالت في مراحلها الأولية و أن الجراحة القيصرية لولادتها طال أمدها بما يهدد حياة الوطن و مؤسساته

إن جميع المتغيرات التي حصلت على الساحة السياسية في المغرب و تسارعت وثيرتها بعد الثورات العربية لم تكن في الأصل مفترقا للطريق و ثم إجتيازه و الحمد لله كما يتصور البعض. فما طرأ من حركات إحتجاجية, متبوعة بدستور معدل {و ليس جديد} ثم إنتخابات مبكرة فأزمة حكومية, أوصلتنا إلى مفترق الطريق الحقيقي و المفصلي و إلى مرحلة في غاية الحساسية. و السبب هو إفلاس كامل و شامل للعملية السياسية برمتها لا تخطؤه عين. كما أن الإستمرار في هذه العملية, و لو بإدخال تعديلات هنا و هناك, لن يجدي نفعا. و هذا يعلمه القاصي و الداني.

المطلوب إذن هو إعادة هيكلة العملية السياسية بكل حيثياتها, تماما كما تفعل الشركات الربحية عندما تعلن إفلاسها. و من هنا تستمد التجربة الإنتخابية الأخيرة في ألمانيا أهميتها بالنسبة لنا. إذ أنها تمدنا بالعديد من الدروس الفعالة و الحقائق الدامغة. أنا لا أنادي إلى إستنساخ التجربة الألمانية في المغرب لأنها مقاربة غير موضوعية و ستبوء في حال العمل بها بالفشل الذريع و السريع, لأن الأرضية مغايرة تماما. فتلك ألمانيا و هذا المغرب, هي فيدرالية و نحن ملكية, هي مصنعة و نحن لسنا كذلك, هي لا مسيحية و لا علمانية و نحن إسلامية مالكية. بكل بساطة, هي شيء و نحن شيء آخر. لكن هناك شيء يجمعنا, فهي طاعنة في الديموقراطية و نحن طامعين فيها. و بالتالي أخد العبرة من ألمانيا شيء مرغوب فيه بل و موصى به أكثر من فرنسا في حد ذاتها. ففرنسا نظام جمهوري بحث و بالتالي نظام غير قابل للتطبيق بل و غير قابل حتى للنقاش في المغرب. في حين النظام الألماني نظام برلماني. و النظام البرلماني كما هو معلوم قابل للحياة بجوار نظام الملكي كما هو الحال في العديد من الديموقراطيات الأوروبية. حتى التوجه العام الذي ينهجه المغرب لسنوات يكرس مبادئ النظام البرلماني و يضع أسسه الاولى. فالجهوية المتقدمة و الحكم الذاتي و غيره تعتبر أرضية خصبة لتفعيل نظام شبه برلماني.

وأنا أتابع العملية الإنتخابية الأخيرة في ألمانيا, مطعمة بنظيرتها النمساوية التي وصلت إلى أوجها هذا الأسبوع, تكونت لذي ـ و أنا أقارنها بالوضع في المغرب ـ صورة واضحة عن العاهات التي تعاني منها السياسة عندنا. هاته العاهات سأتطرق إليها على شكل دروس مستقاة من ألمانيا و وريثها الأكبر النمسا. و هي دروس تهم الناخب أكثر منه السياسي

الدرس الاول: لا للتغيير من أجل التغيير

عرفت ألمانيا في الفترة الأخيرة نشوء أحزاب جديدة ـ أبرزها حزب القراصنة و حزب البديل ـ بجوار الأحزاب التقليدية التي تعاقبت على الحكم سواء بشكل فردي أو على شكل تحالفات حكومية. و كانت الدعوة لخلقها ناتج عن إدراك كامل بالحاجة إلى التغيير في نفوس المواطنيين بكل أطيافه,أقرته الدراسات و الأحصاءات المنجزة. لكن بالرغم من كل هذا غابت هاته الأحزاب الجديدة عن سبورة النتائج. الواضح أن المناداة إلى التغيير غير كافي لتحقيق التغيير عند الناخب الألماني. إذ تقديم تصور كامل و برنامج متكامل عن البديل, بما يساعد الناخب عن تقييم نجاعته, هو الكفيل بأخد قرار التغيير. فغياب هذا البرنامج, أو بالاحرى عدم نضوجه بعد, دفع الناخب الألماني إلى التصويت للحزب المسيحي الديموقراطي الحاكم, بالرغم أنه يعلم أن الأمور ستسير على سابق عهدها. يبدو أن الناخب الألماني ليس له متعة في التجارب كما قال أحد معلقيي القنوات التلفزيونية

الدرس الثاني: لا ولاء إلا للإنجازات

أظهرت نتائج الإنتخابات الأخيرة في ألمانيا أن حجم الإنجازات و فعاليتها كانت نقطة الحسم و الكلمة الفصل عند الناخب. فالحزب الحاكم راكم قدر لا بأس به من الإنجازات في السنوات الاخيرة, خصوصا على المستوى الإقتصادي. و لعل أبرزها, إخراج ألمانيا من الركود الإقتصادي و خفض نسبة البطالة إلى أقل من 5 في المائة رغم الازمة المالية و الرياح العاتية القادمة من جنوب القارة العجوز. كما أن النسبة العالية التي حققها حزب “ميركل” أكد قدرته على إستمالة الناخب الذي إعتاد التصويت لحزب “شرودر” سابقا, بما لا يدعو للشك أن الناخب الألماني يقيم الأحزاب بناءا على منجزاتها الملموسة لا عن إسماءها أو من يتربع رآستها أو أصله أو فصله

الدرس الثالث: العقاب الإنتخابي

الصدمة الكبرى التي أفرزتها نتائج الإنتخابات في ألمانيا مؤخرا هي خروج الحزب الديموقراطي الحر من “البوندستاغ” و هو حزب له وزن كبير على الساحة السياسية الألمانية, كما أنه يدير مجموعة من الفيدراليات و كان إلى وقت قريب شريكا في الحكم بجانب “أنجي”. الصفعة الإنتخابية الجماعية التي تلقاها هذا الحزب تعتبر رسالة قوية من الناخب الألماني مفادها أن الاخطاء غير مسموح بها بالمرة, لا كتلك التي إرتكبها الحزب الأصفر على مستوى تسيير الشأن المحلي, و لا على المستوى الفردي لبعض مسؤولي هذا الحزب. المفارقة العجيبة هنا هو أنه في المغرب نفس الكتل الحزبية أدارت و تدير الشأن العام منذ فجر الإستقلال مع أنها لم تراكم إلا الإخفاقات. إذا راجعت تاريخ السياسة في المغرب يتولد لذيك إنطباع مفاده أن الناخب عوض أن يعاقب إنتخابيا على الإخفاقات, يعطي الفرصة تلو الأخرى في تسامح و تساهل يصل إلى درجة التهور و إنعدام المسؤولية تجاه الوطن و تجاه الأجيال القادمة

الدرس الرابع: إقصاء الضبابي

و أنا أتطفل على لافتات الدعاية الإنتخابية من وراء نوافذ حافلات “فيينا” رأيت من العبارات “الجارحة” و الكلام “الغير الائق” ما لم يقله مالك في الخمر. فهذا حزب يهاجم عمدة “فيينا” بالإسم, و هذا حزب ينعت دول جنوب أوروبا بأبشع الألقاب, و هذا حزب آخر يتهكم على قرارات سابقة للحزب الحاكم بوحشية و هجوم لاذغ. الأمر ليس فيه لا قلة آداب و لا سقوط في الأخلاق كما إنتابني لأول وهلة. كل ما في الامر هو أن الوضوح في الرأي يسهل تعريف الحزب عند الناخب, إدراكا منه أن الناخب النمساوي {ونفس الشيء ينطبق على الناخب الألماني} ينهج خطة الإقصاء كمرحلة أولى لحصر الإختيارات في حزبين أو ثلاث, ثم ينتقل إلى مرحلة التحليل العلمي و المقارنة الموضوعية لحسم الإختيار في حزب واحد. فأول ما يقصيه الناخب هي تلك الأحزاب التي لم توفق في رسم صورة واضحة لها و لآراءها و لمبادءها. و هي غالبا أحزاب تلعب على أكثر من وتر و مستعدة للتحالف مع الشياطين و الملائكة في نفس الوقت, حيث تستعمل مفردات فضفاضة و جمل عامة تعبر عن مواقف متضاربة

في المغرب إصطف الناخب خلف حزب العدالة و التنمية لمناداته بمحاربة الفساد, مع أنه لم يقم يوما بتعريفه أو تقديم أمثلة حية و ملموسة عنه, لا قبل الإستحقاق الإنتخابي و لا بعده. بل الطامة الكبرى هو أن المثال الوحيد الذي قدمه للمواطن على أنه حالة فساد لم ينجح في فتح تحقيق فيه بل و يبدل قصارى جهده للتحالف معه. أي نعم, للتحالف مع الفساد و لو كره الناخبون

لقد فكرت مليا في عجز حكومة بنكيران و كل الحكومات السابقة التي تعاقبت عن تعريف حقيقي للفساد و ذكره بالإسم. و الحقيقة أني لم أتوصل إلى الإجابة الشافية و لكن توصلت إلى أربع تفسيرات لا خامس لهن. فلأمر إما يتعلق بجهل الفساد و خيوطه, أو حمايته, أو الإستسلام له, أو التحالف معه. ليس المهم أي التفسيرات الأربع قريب إلى الصواب, و لكن الأكيد أن كلها دليل على إخفاق الحكومات السابقة و الحالية في أبرز عناوين برامجها الإنتخابية. فماذا سيكون يا ترى موقف الناخب المغربي في الإستحقاق القادم؟ هل سيعاقب إنتخابيا إقتداءا بالناخب الألماني هذه المرة؟ أم أنه سيستمر بإعطاء فرصة تلو الاخرى لإنجاز منشود… عفوا, لإخفاق معهود

‫تعليقات الزوار

6
  • marokko
    الأربعاء 25 شتنبر 2013 - 19:52

    اين نحن فعلا من الديمقراطية الالمانية, لقد سمحت لي الفرصة ان اتابع الانتخابات الالمانية من قلب البوندستاغ الالماني, و ان ااعيش في اجواء الحملات الانتخابية هنا في المانيا . لا مجال للمقارنة

  • zarouali
    الخميس 26 شتنبر 2013 - 00:39

    لا النمودج الالماني ولاالنمودج الامريكي صالح للتجربة الديمقراطية المغربية لاننا لم نصل الى درجة الوعي و ا لنضج الكافية, زيادة على ذلك فنحن مازلنا في مرحلة البحت عن الذات وهذه الاخيرة اخدت منا اكثر من نصف قرن . هؤلاء الاحزاب لم ياتو من القمر فهم منا الينا وهم مرات المجتمع الذي نعيش فيه.في نظري الابواب مغلوقة

  • chevalier
    الخميس 26 شتنبر 2013 - 09:41

    المانيا دولة ديمقراطية الالمان دووا الدخل المرتفع اما الباقي يعيش حالة استغلال. والالمان دووا الاصول الاجنبية خاصة الاتراك و العرب والمسلمون يعانون التهميش والاقصاء والعنصرية مع تزايد ازمة منطقة الاورو الاقتصادية والنازيون الجدد وعلى العموم المانيا تعرف ضروف صعبة مع توسيع الاتحاد الاوروبي

  • ايوب من الجيل الصاعد
    الخميس 26 شتنبر 2013 - 12:47

    و لا ننسى المانيا دخلت في حربان خاسرتان في القرن الماضي ! وفرضت عليها اشد العقوبات عند نهاية الاولى لكنها سرعان ما تجاوزت الحرووب وبنت اقتصاد متكامل ! ولا ننسى ان المانيا تواجه حاليا الازمة لكنها خارجة منها لا محالة بفضل سياستهم الشفافة و العملية 

  • ARWA
    الخميس 26 شتنبر 2013 - 12:58

    ارى انه لا مجال للمقارنة بين التجربة الالمانية او الديمقراطية الالمانية عموما وبين ما يعيشه المغرب وحتى اخذ العبرة من هذا البلد ونهج سياسته ليس بالشئ الممكن على الاقل حاليا..فالمغرب بلد ينخره الفساد على كل المستويات ..سياسيا اقتصاديا..ولا يمكن تغيير حزب الا باسوا منه ولا بديل حاليا يمكن التفكير في اللجوء اليه..وتصدق فينا قولة "البحر امامكم والعدو وراءكم"

  • المانيا الدوتش كلميمة
    الخميس 26 شتنبر 2013 - 18:25

    الحلم جميل ولكن غير ممكن ألمانيا لم تكن ابدا حالمة بل واقعية فاعلة …
    السياسي الألماني يريد الخير لبلده وليس كالسياسي المغربي يريد الشر لبلده والخير لنفسه "انا ومن بعدي الطوفان"، الرئيس الألماني يقود سارة اجرة ويسأل المواطين عن المانيا والسياسة فقالوا له كيف انت رئيس وتقود سيارة أجرة؟ قال لهم" أنا رئيس ولكن مؤقت يجب أن أترك مكاني نظيفا ..وزير البيئة يركب دراجة هوائية للماسهمة في الحفاظ على البيئة …السياسيون في المانيا يلقنون دروسا في الشارع والفعل والممارسة أما المغاربة فالقول أكبر من عمرهم واكبر من معرفتهم وفعلهم…

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50 6

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية

صوت وصورة
منع لقاء بغرفة التجارة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 20:39 1

منع لقاء بغرفة التجارة

صوت وصورة
مستجدات قضية  "مون بيبي"
الأربعاء 20 يناير 2021 - 19:40 8

مستجدات قضية "مون بيبي"

صوت وصورة
قرار نقابة أرباب الحمامات
الأربعاء 20 يناير 2021 - 17:40 11

قرار نقابة أرباب الحمامات

صوت وصورة
معاناة نساء دوار قصيبة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 16:40 4

معاناة نساء دوار قصيبة

صوت وصورة
مطالب بفتح محطة ولاد زيان
الأربعاء 20 يناير 2021 - 15:33 9

مطالب بفتح محطة ولاد زيان