وتــَسـقُـــط الأقْــنــعــة تِــبـــاعًــــا..

وتــَسـقُـــط الأقْــنــعــة تِــبـــاعًــــا..
السبت 18 ماي 2013 - 12:21

في تقديري أهم إنجاز حققته ثورات الربيع العربي ليس هو إسقاط حكام مستبدين، إنما هو إسقاط الأقنعة عن النخب السياسية والمثقفة العربية من جهة، حيث أظهرت من هم مع الشعوب، ومن هم مع الاستبداد، ومن جهة أخرى كشفت نفاق الغرب ودعمه للاستبداد خدمة لمصالحه، وأسوء مثال على ذلك المذابح اليومية التي تقع في سوريا، دون أن يتحرك العالم لنجدة شعب يقتل لأنه يريد الحرية.

فهناك من النخب السياسية والثقافية العربية من انحاز بشكل لا لبس فيه إلى جانب الأنظمة المستبدة، إما لارتباط مصالحهم الذاتية بهذه الأنظمة أو لولائهم الإيديولوجي لها، فلاحظنا في عدد من دول الربيع العربي، كيف تحالف عدد منهم مع رموز الاستبداد لمواجهة النخبة السياسية الحاكمة، سواء في تونس أو مصر أو ليبيا..

والمغرب ليس ببعيد عن هذا السياق العربي، حيث نجد نخبا يسارية وعلمانية وقومية اختارت التخندق في صف “المخزن”، والتموقع داخل مربع السلطة لتحقيق مكاسب سياسية، وتوظيف هذه السلطة في معاركها مع الخصوم السياسيين.

أغرب ما قرأته مؤخرا في موضوع متعلق بالمأساة السورية، هو الموقف الذي عبّر عنه أحد المثقفين المغاربة البارزين – الذي نقدر إسهاماته الفكرية والأدبية – حيث ذهب في تحليله بعيدا عن المزاج العربي والإسلامي، المتعاطف مع الشعب السوري في محنته، وقدّم تصورا مجانبا للحقيقة الماثلة أمامنا بالصوت والصورة، وهو موقف ينتصر للعصابة الحاكمة، على حساب دماء الأبرياء السوريين، فقد اعتبر أن الإدارة الأمريكية خلال الشهور الماضية فعلت ما تستطيع لإسقاط النظام في سوريا “خدمة لمصالحها وللكيان الصهيوني”، لأنها لا تقدر على التدخل عسكريا كما فعلت في أفغانستان والعراق.. لذلك فضلت العودة إلى “بيان جنيف” لتسوية “النزاع” سلميا..

وهذه القراءة بعيدة كليا عن ما يجري من وقائع على الأرض، ولا أجد من تفسيرلها إلا غلبة الخلفية الإيديولوجية القومية البعثية على العقل والمنطق، فكثير من مثقفينا تطغى على تحليلتهم المعتقد الإيديولوجي في مثل هذه القضايا، لذلك تأتي مواقفهم وقراءاتهم غريبة.

والحقيقة الواضحة والجلية، هي أن القوى الغربية بقيادة الولايات المتحدة لو كانت جادة في عزمها على إسقاط عصابة القتل في سوريا، لما تراجعت قيد أُنملة، لكن للأسف مصالحها مع العصابة الحاكمة – الحامية للكيان الصهيوني- لذلك فإن الشعب السوري يؤدي فاتورة هذا المكيال الغربي المختل.
لقد مرت أكثر من سنتين على الثورة السورية، والشعب يقاوم حرب إبادة تقودها عصابة إرهابية استولت على السلطة بالقوة، أمام أنظار ما يسمى “العالم الحر”، الذي ما فتئ يعطينا الدروس في مجال حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ليتأكد بالملموس أن هذا العالم المنافق لا يتحرك إلا خلف مصالحه، أما المبادئ التي ينادي بها أمام وسائل الإعلام وفي المنتديات والمؤتمرات الدولية، ما هي إلا شعارات فارغة يوظفها ضد الدول الضعيفة لابتزازها.

لغة المصالح هي التي تحكم الدول الكبرى، لذلك رأينا كيف تكيل بمكيالين في تعاملها مع الثورة الليبية والثورة السورية، حيث تدخلت على استعجال وبكل ثقلها لحماية مصالحها في ليبيا، وتراجعت في سوريا حماية لمصالحها المرتبطة بالكيان الصهيوني في المنطقة.

قد يكون المتتبع لما يجري في سوريا قد صدّق في البداية ما يصدر من تصريحات زعماء الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان الأمر يبدو وكأن هذه الدول مع حق الشعب السوري في الحرية والكرامة، لكن بعد تراجع مواقف القوى الكبرى بشكل واضح أمام المجازر اليومية، وتبريرها بالفيتو الروسي مرة، وبرفض تسليح المعارضة مرات عديدة، بدأ يظهر نفاق هذا الغرب وسقط القناع عنه عندما اتضح أنه يضحي بالمبادئ والقيم في سبيل المصالح.

وما يزيد من تأكيد هذه الحقيقة، هو أنه بعد تصاعد وتيرة المجازر اليومية، واستخدام العصابة الحاكمة في سوريا لجميع أنواع الأسلحة الثقيلة، ولاحتواء الانتقادات الخارجية للموقف الغربي المتواطؤ، خرج الرئيس الأمريكي باراك أوباما، لكي يصرح بأن استخدام الأسلحة الكيماوية خط أحمر، وأنها ستكون مبررا لتدخل عسكري دولي في سوريا.

وقبل أسابيع قليلة فقط، تأكد لدى الولايات المتحدة بالأدلة الموثقة أن هذه العصابة الحاكمة استخدمت عدة مرات الأسلحة الكيماوية المحظورة دوليا ضد الثوار، ومع ذلك نكث أوباما العهد، وظل يراوغ ويطلق في التبريرات الواهية، واستمر القتل والدمار في سوريا بشكل يومي، وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على ما سبق وقلناه أن الدول الغربية لا تريد التدخل في سوريا حفاظا على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، ولم يعد خافيا أن الكيان الصهيوني يضغط على القوى الكبرى لكي يبقى الطاغية وعصابته في السلطة، لأنه ظل لعقود الحامي الأمين لهذا الكيان، ويمثّل علينا دور الزعيم المقاوم، الذي لم يطلق ولو رصاصة لتحرير الجولان المحتل، وهوما تؤكده تصريحات بعض المسؤولين الإسرائليين الذين عبّروا صراحة عن رفضهم التدخل العسكري في سوريا، بل وعارضوا حتى تسليح المعارضة.

إن ما يحدث في سوريا من مآسي إنسانية، يندى له جبين العالم، الذي يتفرج على شعب يتعرض لحرب عرقية طائفية، وهو ما يكشف ازدواجية المعايير والخطاب داخل ما يسمى المجتمع الدولي، فهناك تصريحات إعلامية تناقضها مواقف على الأرض.. في البداية كنا نسمع بين الحين والآخر أصواتا لقادة سياسيين تستنكر وتدين ما يحدث من مذابح في حق مدنيين عزل، وتطالب رئيس العصابة على استحياء بالتنحي حقنا للدماء، أما اليوم وبعدما تجاوز عدد الشهداء 100 ألف قتيل، أصبحت مشاهد الإبادة والقتل والدمار مألوفة عند قادة وزعماء الدول، بما فيهم قادة الدول العربية والإسلامية، ولم نعد نسمع حتى إدانة أو شجب شفوي لما يحدث، بل وحتى الشعوب العربية تعودت على تلك المشاهد الأليمة، لدرجة لم تعد تخرج في مظاهرات شعبية دعما وتضامنا مع سوريا، كما كانت تفعل في السابق مع فلسطين والعراق.

‫تعليقات الزوار

5
  • باليماكو
    السبت 18 ماي 2013 - 16:38

    لا ارى اي موضوعية في تحليلك ايها الكاتب فكلة كلام عاطفي يغلب عليه الطابع الايديولوجي الاسلاموي فالذي فجر الربيع العربي هم اليساريون والثوريون في مصر وتونس وفي المغرب ومن تحالف مع الاستبداد هم الاخوان في مصر (تحالف مع المشير )ضد ارادة الشعب في دستور جديد ومحاكم ثورية ضد مبارك واعوانه ومن تحالف مع المخزن في المغرب هم الاعدالة والتنمية والسلفيين (التصويت على الدستور الممنوح )كل ذلك من اجل نصف سلطة عوض كل السلطة التي نادى بها الشباب اليساري والاسلامي اما سوريا فعندما ارى امريكا ودويلة قطر الديمقراطة الشعبية والسعودية التي ينعم رعاياها بالحرية وفرنسا وبريطانيا التان تحترمان حق الشعوب وجبهة النصرة التي ياكل اعضاؤها احشاء الجثث كل هؤلاء مجتمعون فانا اجزم انهم لا يجتمعون لاجل تحرير الانسان السوري رغم حقدي على النظام الديكتاتوري في سوريا اما انت ايها الكاتب فقد اعمتك الايديولوجيا فلم تعد تر في اراء المخالفين لرايك الا انهم يساريون وعلمانيون ولعلمك فالبوطي ومفتي الديار السورية ليسا علمانيين وقد وقفوا الى جانب الدولة السورية في مواجهة امريكا وعملائها الخليجيين والوهابيين

  • moha
    السبت 18 ماي 2013 - 20:44

    cher amazigh, vous n'êtes pas concernés ce monsieur parle de printemps arabe et des problèmes arabe et non de printemps démocratique ni de printemps des peuple de l'Afrique de nord

  • محتسب
    السبت 18 ماي 2013 - 20:56

    بعض الأغبياء من أهل السنة لم يفهموا بعد أن الشيعة حليف كبير لليهود والكفار ولو تمكنوا من المسلمين لأعملوا فيهم السيف ، فأفيقوا من سباتكم أيها المسلمون فلا فرق بين بشار النصيري ونجاد الإيراني وأوباما الكافر واليهود الملاعين هدفهم واحد القضاء على الإسلام أفيقوا ……..

  • حديدان
    السبت 18 ماي 2013 - 23:03

    وا سيدي ليس هناك ثوات عربية كل شئ تم حبكه بين الثلاثي الشيطاني, قطر و الولايات المتحدة و اسرائيل. الثورة ليس بحمل السلاح ضد المستبد فالثورة الفرنسية كانت ثورة فكرية قبل ان تطالب بالاخوة والمساوات. اما في عالما العربي فما حصل هي ثورة مضاضد ضد الفكر و الحرية و حقوق الانسان, فاول. ما نظق به فلول الحرب الاعلية عند سقوط القذافي هو اسقلظ القانون الذي كان يمنع تعدد الزوجات. اذا كانت هذه ثورتظم فطز فيها

  • بنحمو
    السبت 18 ماي 2013 - 23:14

    ٍ"والمغرب ليس ببعيد عن هذا السياق العربي، حيث نجد نخبا يسارية وعلمانية وقومية اختارت التخندق في صف "المخزن"
    وأنت سيدي الباحث بقولك هذا الكلام ألا تنطلق من "خلفية الإيديولوجية" ؟بل حزبية ظاهرة للعيان ؟
    ولنرجع إلى سوريا,لقد كنا جميعا مع شباب سوريا و يناشد الحرية و الكرامة,لكن بعد أن قفز على مطالبهم جماعات بكل الأسماء من الغرب والشرق مدججين بسلاح لم نراه في أي ثورة في العالم,اللهم إذا رجعنا إلى أمريكا اللاثينية في القرن السابق.الثورة السورة فقدت مصداقيتها لما أصبحت تنادي وتهدف إلى أشياء أخرى غير الإطاحة بالنظام.
    ولنكن موضوعيين ولا نسائل الغرب أن يحمينا من أشياء نحن نخلقها ونرتكبها ثم نذهب نستنجده أمام سفراته أونفجرها كما جرى في ليبيا .
    نحن المسلمين نخلق الأزمات بأنفسنا ولا نعرف كيف نتصرف مع بعضنا البعض ولا مع الآخر.
    سوريا لعلمك أصبحت رقعة يتحارب فيها الشرق والغرب.إنها الحرب الباردة الثانية: روسيا من جهة وأمريكا من جهة أخرى.اليوم أعلن أن روسيا أمدت النظام السوري بصواريخ,إذن على العالم الغربي ومن معه أن يتعقل قبل أي تدخل.
    أماسوريا لم تطلق أي رصاصة من الجولان فلنقم نحن بذلك من أجل سبتة و..

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 2

جولة ببحيرة الكاطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 6

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 3

رسالة الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
العروسي والفن وكرة القدم
الجمعة 15 يناير 2021 - 15:30

العروسي والفن وكرة القدم