وسخ السياسة وصراع الأسطوانات

وسخ السياسة وصراع الأسطوانات
الأحد 16 غشت 2015 - 22:49

مهما استلذ المرء الإقامة في كرسي السلطة واستطابه طولا وعرضا لابد له يوما مثل شمس النهار من الغياب والرحيل.وما ينطبق على النهاية الحتمية للأفراد والكائنات ينطبق كذلك وبوجه آخر على الحكومات .فعندما يكتمل نصاب الأيام ضدك عليك أن تجمع قشك وأوراقك بلا ضجيج أو غضب نواح . فالسياسة هكذا لا كبد لها ولا قلب . تقبل عليك يوم تحتاجك بالود والعناق والأبواق تشد فيك بألف يد ، ويوم تشعر بالإستغناء عن خدماتك وتشبع من طلعتك، ( وتتطلع لها فالراس مثل لعبة الأطفال ) تبدأ في التلميح إليك ( افهم راسك آمْعَلمْ. ) قبل أن تضعك جانبا بالقواعد كما وضعت آخرين قبلك.

الإحساس بفاجعة الرحيل أو الترحيل عن دائرة السلطة ولذتها ووشائج العلاقة التي تكونت معها حد الوله والجنون الذي يحرك أوتار العشاق يشبه بمنطقه القاسي أحيانا إلى حد ما أغنية راحلة التي أمتعنا بأحاسيسها الحزينة وصورها الرومانسية وألحانها الجميلة الثلاثي الرائع المطرب محمد الحياني و الملحن عبد السلام عامر رحمهما الله والشاعر الفذ أطال الله في عمره الأستاذ عبد الرفيع الجواهري، والتي قد يسري مفعولها وشكلها وقصتها كمثال على نهاية المسار الذي ينتظر كل حكومة بعد كل إنتخابات : وأنت قريبة أحن إليك ..وحين تغيبين يغرق قلبي في دمعاتي ويرحل صبحي تضيع حياتي..

فهل يمكن التنبؤ انطلاقا من عدة مؤشرات داخلية وإقليمية برحيل حزب العدالة والتنمية وبانتهاء صلاحية ورقته السياسية بعدما لعب دوره ،وما عليه الآن سوى أن يطوي شراعه بكل هدوء ويدخل جواه إلى ربيع أو خريف آخر ؟ ثم كيف له أن يقفز على هذه السلسلة من العارضات والكمائن التي نصبها لنفسه مكرها أمام الناخبين نذكر منها : الضربات المتتابعة والقاسية التي وجهت للقدرة الشرائية للمواطن والمرشحة للتصعيد في الأيام المقبلة ( رفع الدعم عن الدقيق والبوطاغاز .والسكر…) الحسم في ملف التقاعد – التدبدب في الإنتخابات المهنية الأخيرة .-إضافة إلى .التحولات الدراماتيكية لأهداف الثورات الربيعية ……… فهل لديه عصا الزانة السحرية والقدرة الكافية كي يتخطى هذه الحواجز والعقبات بنجاح ويخلق الحدث أم أنه سيتعرض لا محالة للسقوط مثل فاكهة فات موسمها ففقدت رونقها وطعمها فالعين بصيرة والزانة قصيرة؟

ألا يمكن القول أن مهندسي السياسة مازالوا يرون في هذا الحزب المعطاء المنضبط للتعليمات الداخلية والخارجية الولد النجيب والشكل السياسي الأنسب لتمرير المزيد من الملفات الثقيلة والشائكة على ظهره درءا أو تحسبا لكل التقلبات والطوارئ المهددة للمناخ العام بالإحتباس السياسي ،وأن الحاجة إلى هذا الحزب ستزداد خاصة وأن أعضاءه قد أزالوا عنهم دهشة الحكم وغشاوة الإرتباك الرسمي وتمرسوا وتدربوا واطلعوا على بعض الخبايا وبدؤوا يعرفون قواعد اللعب و حدود المربعات التي عليهم عدم تجاوزها داخل رقعة الملعب ، وشرعوا شيئا فشيئا في التخلص من عوائدهم الجاهلية (ليس بالمعنى القدحي) فأغلقوا ديوان الحماسة الذي كانوا ينهلون منه قاموسهم السياسي ، بلا قياس أيام المعارضة وبداية تحمل المسؤولية (سنحارب الفساد في البر والبحر والجو دونكيشوت زمانه وحرب الطواحين .. ) وفتحوا مقابله ديوان الكياسة للتمكن من فك ألغاز علبة السياسة إلى أن نزلت على رأس رئيسهم تحت ضغط ما سماهم بجماعة التيار المعاكس العفاريت وشياطين الدولة العميقة آية “عفا الله عما سلف”التي دافع عنها البعض لأنها كانت في نظرهم مفتاح خير وبركة على الخزينة العامة . ( استعادة كمشة مليارات ).؟

في الحقيقة لا أحد يستطيع الآن أن يُخرج أو يُدخل أحدا من و إلى قفص الحكومة بالتخمين ورجم الغيب ،فالمعركة الإنتخابية المؤدية إليه أو المخرجة منه قانونيا كما هو مسطر لا مقدر ،لا يستطيع أحد أن يتنبأ بنتائجها ، ثم إن عنصر المفاجأة حاضر في سياق المرحلة لا محالة ،قد يقلب المعادلات البسيطة المتداولة بين الناس ،عنصر المفاجأة هو الذي يجعل الناس يفهمون أن السياسة سياسات ، سياسة للعامة أي هريد الناب في المجالس والمقاهي بدون قواعد علمية ولا مقدمات و لا أسباب ، وسياسة الخاصة المبنية على المعطيات و الخريطة والضبط والحساب . و الذي يعتقد أن الحملة الإنتخابية لم تنطلق إلا مع حلول هذا الصيف أو قبله بقليل ،فهو غافل مغفل يقرأ سيرورة الفكر السياسي المغربي مجزءة منفصلة لا متسلسلة متصلة مترابطة .

لقد انطلقت أولى شرارات الحملة الإنتخابية في نظرنا على شكل ردود أفعال وتكهنات وحسابات منذ أول يوم نصبت فيه هذه الحكومة ، وازداد فتيل هذه الشرارة اشتعالا عند خروج حزب الإستقلال منها إضافة إلى التعديل الحكومي الذي عمل على خلط الأوراق بتغيير قطعة غيار بأخرى بمنطق اللي عندو باب وحدة الله يسدها عليه ،لعل عربة الحكومة تبقى صامدة في الطريق ، وظلت وتيرة الحملة تتصاعد عبر البرامج السياسية الحوارية في سائل الإعلام والجرائد الورقية والإلكترونية وعند المناسبات والتجمعات بين ممثلي المعارضة والناطقين باسم الحكومة والأغلبية، ومازالت هذه الحملة مستمرة، إلا أنها الآن بدأت تدخل منعطف الجدية والندية والحسم وضبط الأمور وقراءة الذات واستشراف المستقبل القريب والبعيد أي من سيرحل ومن سيبقى بين بين ومن سيأخذ بزمام المرحلة .

كل يبحث عن أنجع الوسائل والأسطوانات لبز الخصوم وإقناع الناخبين المحتملين واستمالتهم والتأثير على عواطفهم ، المعارضة تنعت الحكومة في أسطوانتها بالفشل والتقصير الكلي في الوفاء بعهودها حيث قضت كما أشرنا إلى ذلك سالفا ،على القدرة الشرائية للمواطن وأغرقت الخزينة بالديون وسياسة تزيار السمطة على حساب المستضعفين وتجميد الحوار الإجتماعي وتكفينه في ثلاجة الموتى ، والحكومة تعرض إنجازاتها الواحدة تلو الأخرى بالتسنطيح و بالفور يا شيفور كأسطوانة مضادة حيث تتباهى بكونها حكومة شجاعة حركت ما كان راقدا و ساكنا مسكونافي جوف الحكومات السابقة ،وأنها غامرت بمستقبلها السياسي لإخراجه إلى الوجود والعلن في سبيل المصلحة العامة .

الأسطوانتان جميلتان عجيبتان تعجان معا بمشاعر واحدة تتلخص في الطمع في الوصول إلى السلطة أو الطموح والإستماتة للبقاء فيها . المعارضة والأغلبية كلتاهما تتبادلان الأدوار والأقنعة من خلالهما ، كل يوظف أسطوانته المحملة بالألفاظ والكلمات المنتقاة بعناية وبغير عناية حسب تموقعه في السوق السياسي . فقاموس المعارضة ليس هو بالطبع والوظيفة قاموس الأغلبية وما كان حلالا بالأمس خارج الحكومة أصبح حراما داخلها ، وبوسع الأسطوانتين المتنافرتين معا أن يتسع لسانهما أو يضيق ذما ومدحا و عبثا حسب طبيعة الموضوع والشخص و المرحلة.لكن الأسطوانة الأكثر إثارة للجدل والدراماتيكية الآن هي تلك التي ماتنفك إيقاعاتها الحزينة تصاعد آهاتٍ من عمق الأعماق، وكأنه البكاء وكأنه العويل المثقل بهواجس الخوف من دنو زمن الرحيل والفراق وضياع ما بين اليد.

آهٍ منك أيتها السلطة أشكون يسخى بك: الأوامر وتنفيذها، الولائم وحفلات الغذاء والعشاء التي لا تنتهي طول السنة ، السيارات الفاخرة بسائقيها رهن الإشارة ، التعويضات والسفريات والحصانة والمواعيد المهمة والحماية والجاه ، فيصبح صاحب هذه الأسطوانة مهددا مرعوبا خائفا من جميع أنواع الإكتساح وضروب التعرية والشوهة بين الأهل والأصدقاء والجيران والعودة إلى نقطة الإنطلاق ، فيعمل كل ما في وسعه للحفاظ على الكرسي حبيبه ومعشوقه يلتصق بأهدابه أيما التصاق ، إلى أن يضربه اللحد للراس مُنكَر مُنكِر ونَكير فيسمع المرحوم سباطة الزجال المغربي وقد أيقظه من سبات أحلامه بما معناه بقوله البسيط والمعبر الموجه لكل المسؤولين الذين يحتضنون كراسي الحكومة والدولة وكأنها ملك شخصي لهم إلى الأبد من قصيدته “الموظف هذا حالو ..الكرسي ماشي ديالو ” :

الكرسي.. الكرسي..الكرسي..شي نهار غا دي يگوليك ..أتقلع السي ..!!!

فماذا نصدق إذن أسطوانة المعارضة الداعية كلماتها المباشرة إلى ضرورة رحيل أو ترحيل حزب العدالة والتنمية عن حقل تسيير الشأن العام ووجبت معاقبته انتخابيا لأنه تخلف عن موعده وأخلف وعده وكان لحنا نشازا في جوق غير متجانس في تكوينه إيقاعاته ومرجعياته اللحنية والإيقاعية ، أم نصدق أسطوانة حزب العدالة والتنمية التي تتغنى بالمنجزات الحكومية التي خف عددها وثقل وزنها فنشجعها على الإستمرار ؟

وختاما نقول عندما أطلق البعض أن وصول العدالة والتنمية إلى سدة “الحكم” بأنه تاريخي ، لم يجانبوا الحقيقة، لانهم كانوا يعتقدون أن هذا الوصول سيؤسس لمرحلة جديدة بدستور جديد أي لانفراج سياسي واسع تمارس فيه السياسة بالمعقول ، قبل أن تظهر في السوق مع مرور الوقت أسطوانة ثالثة أخرى لسان حالها الحاد والواضح يقول: أجْمِلْ بالسياسة أن تُهمَل في هذا البلد من أن تُتَّبع فهي تمعن في قدحك مهما سموت في تحقيقها نظيفة رفيعة فأنت بين يدها سواء كنت روحا منعما أم ماردا لعينا ، خبيث النوايا أم نبيلها ، منديل تمسح فيك دائما ومنذ قرون ما يعلق بأيديها من أوساخ.

‫تعليقات الزوار

5
  • saccco
    الإثنين 17 غشت 2015 - 19:23

    لنرقى بسياستنا وبديمقراطيتنا يجب ان ينهض المجتمع المدني كقوة حقيقية للتغيير لما يتوفر عليه من قدرات بشرية هائلة كما وكيفا وخصوصا وان تطور الاعلام ووساءل الاتصال والتواصل تلعب في صالحه
    فمثلا بالنسبة للإنتخابات المقبلة حتى لا تكون تهريجية وإطلاق الشعارات على عواهنها والدخول والخروج في الهضرة يجب على المجتمع المدني ان يطالب من كل حزب برنامجه مفصلا ومدققا وفق الزمن الذي يطمح الى إنجازه طيلة أربع سنوات ، مثلا ما هو برنامجه التقني الاجرائي في معالجة البطالة معززا بالارقام وكيفية التمويل الخ وكذلك كل القطاع الاخرى مثلا في الصحة كم سيتحقق نسبة عدد الاطباء بالنسبة للساكنة الحضرية و القروية وكم عدد المستشفيات والمدارس في المغرب العميق
    ما هي الاستراتيجية وقالوانين المبرمجة لمحاربة إقتصاد الريع والفساد الاداري
    ولعل هذا الشق الاخير إقتصاد الريع والفساد الاداري هو أم المعارك نظرا لإستنزافه ثروة البلد وإنتاج الفقر والظلم والعنف

  • anas
    الثلاثاء 18 غشت 2015 - 11:41

    الحكومة الحالية بممارستها علمت الشعب منهم الجاهل والمثقف بأن الثقة في السياسة غباء وسداجة,وهي كدب ونفاق وبهتان في الدول النامية ,لا مصداقية ولا أخلاقيات فيها,يتحالف الفاسق والصالح بدون شروط وهي ليست من الرياضيات والعلوم الحقة 1+1=2 السيا سي لايعطيك وعدا صادقا,اتحطاط المشهد السياسي وفتور في الخطاب وبأي وجه تواجه الأحزاب الناخبين وتؤطر حملاتها,

  • saccco
    الثلاثاء 18 غشت 2015 - 12:05

    إقتصاد الريع والفساد الاداري يعد سمة في تاريخ المغرب ويعتبر احد الركائز المهمة في بسط السلطة السياسية والثبات عليها فإقتصاد الريع والفساد الاداري كان شبه مشرعن أ على الاقل يغمض طرف العين عنه ولايزال ،فطبقة إقتصاد الريع والفساد الاداري طبقة قوية إقتصاديا وماليا وإداريا ونفوذا وتملك جيوشا من الزبونيين والمحسوبيين وخصوصا القطاعات المذرة للأرباح ، ففي اليونان حاليا يأخد إقتصاد الريع والفساد الاداري 25 في 100 من الدخل القومي الخام ويعرف اليونانيون مند الاحتلال العثماني ل4 قرون بانهم كانوا يتهربون من أداء الضرائب والجبايات للعثمانيين كونها لا يستفيد منها الا البلاط العثماني ففي تاريخها الحديث مرت من دكتاتويات مدنية وعسكرية كرست إقتصاد تحت أرضي والفساد الاداري
    فإقتصاد الريع انهك الاقتصاد المشَكّل وحرمه من ملايير الدولارات التي تجنى في جنح الظلام
    محاربة إقتصاد الريع والفساد الاداري يبقى من اولويات بناء مجتمع مغربي عادل يتمتع أبناءه المكافحون بنصيبهم من الثروة والتي هي جد مهمة في المغرب

  • أبو أمل
    الثلاثاء 18 غشت 2015 - 19:03

    أفضل تعليق مقطع من قصيدة منشورة بالأنترنيت تحت عنوان: تقرير عن الانتخابات

    في كل الاستحقاقات، يتحول الدهماء إلى فاعلين..
    بقدرة قادر، وهم حقا، طوال حياتهم غير مٌعْتَبَرِين..
    باسم الحق والواجب، تحت ضغوط السياسيين..
    باستغلال المواطنين، بإغراءات ووعود المرشحين..
    لإكراهات الحياة، من عوز واحتياج المستضعفين..
    يلبون طواعية، نداء الوطن وهم للواجب منفذين..
    يتوجهون للتصويت على أشباح من المرشحين..
    في كل أربع سنوات، ربما أكثر، لمجرد جولتين..
    جولة للجهة وللجماعيين، وجولة للتشريعيين..
    ويظلون أبدا مفعولين به قهرا، لباقي السنين..
    ليتم التحكمُ في مصير حياتهم وهم صاغرين.
    مع نهاية الانتخاب، تنكشف اللعبة للمتتبعين..
    يتوزع الفائزون دوما على أغلبية ومعارضين..
    يظهرون حينا من الدهر، ليتغيبون لسنينَ..
    يتناوبون ظاهريا، على السلطة كخادمين..
    مُتَحكم فيهم عن بعد، بالخضوع للآمرين..
    لا حول ولا قوة لديهم أمام المحظوظين..
    من حكومة الظل، لمستشارين ومقربين.
    لخيْرات البلاد، بدون مراقبة، مستنزفين..
    بلا حسيب ولا رقيب، ولا لومة اللائمين..
    على رقاب الخلق، بلا موجب حق، جاثمين.

  • Samarkand
    الجمعة 21 غشت 2015 - 15:47

    شكرا لك اخي على هذا المقال التحليلي الموضوعي للاو ضاع السياسية البءيسة التي باتت اكثر من اي وقت مضى لا تثير الا كثيرا من القرف والقيء والتقزز .اما الوطن يمفهومه العميق والنبيل ما هو الا بقرة حلوب بالنسة لتلك الكاءنات السياسية التي دكرت في مقالك الجيد.شكرا لك مرة اخرى انك امتعتنا بقراءتة مدكرا بالحقيقة العبثية التي يتخبط االجميع.

صوت وصورة
منابع الإيمان: سؤال الروح
الخميس 22 أبريل 2021 - 14:00

منابع الإيمان: سؤال الروح

صوت وصورة
طريقة الانخراط في التغطية الصحية
الخميس 22 أبريل 2021 - 13:55 4

طريقة الانخراط في التغطية الصحية

صوت وصورة
المضاربة ترفع أثمان الأسماك
الخميس 22 أبريل 2021 - 13:54

المضاربة ترفع أثمان الأسماك

صوت وصورة
حياتي فالزنقة من وجدة
الخميس 22 أبريل 2021 - 13:00 6

حياتي فالزنقة من وجدة

صوت وصورة
تراويح في مراكش
الخميس 22 أبريل 2021 - 02:14 27

تراويح في مراكش

صوت وصورة
تمثيل سرقة وكالة بنكية
الأربعاء 21 أبريل 2021 - 22:47 11

تمثيل سرقة وكالة بنكية