وظائف الحمار في كازابلانكا

وظائف الحمار في كازابلانكا
الإثنين 24 فبراير 2014 - 17:00

تعطلت حركة المرور في شارع رئيسي في كازابلانكا، وقفت عشرات السيارات تنتظر دون أن يعرف احد ما المشكل. بعد لحظة ضجرْ مرّ حمار يجر عربة محملة بالكارتون… مر دون أن يزعجه أحد لأن حتى سيارة تزيد قوة محركها عن مائة حصان تخاف الاصطدام به. وهو مستمر في أداء واحدة من وظائفه الاقتصادية.

يوميا تجوب آلاف الحمير العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية. بعض الحمير قاطن في الأحياء الصفيحية للمدينة. والبعض الآخر يأتيها بخضر الموسم طازجة من الضواحي الفلاحية المحيطة. كل يوم يوزع الحمار وصاحبه البطاطس والبصل والطماطم والدجاج الحي… الحمار هو الرّجْل اليمنى للفلاح، بفضله يبيع مباشرة للمستهلكين فلا يستغله الوسطاء.

وبذلك ينافس الفلاح السوبر ماركت: يجلب السلعة حتى باب الزبون فيسهل مهمة ربات البيوت، يبيع بسعر أقل، يقدم سلعة مكشوفة دون غلاف مُضلل. في المساء يكون الفلاح مضطرا لإنهاء سلعته بأي ثمن لأنه لا يملك مكان تخزين وهذا مفيد للفقراء الذين يشترون الأرخص والضروري…
هذا بالنسبة للحمير البدوية، أما الحمير المدينيّة فهي تساعد في تنظيف المدينة بجمع كل البقايا القابلة للتدوير…

يقف الحمار في المزبلة، يعمل ويأكل دفعة واحدة بينما يملأ صاحبه العربة بكارتون وبلاستيك وزجاج وقشور خضر للماشية. هذا تدوير لاتدفع الدولة ثمنه. هكذا يخدم الحمار المجتمع وهو يستمد طاقته من المزابل لذا فهو ليس رهينة لتقلبات أسعار النفط. معفي من الضريبة، ليس له رقم لتراقبه الدولة. صبور لا يهرب لا يحتج.

بذلك فالحمار متعاون كثيرا مع صاحبه. وهو يناسب الذين يعانون من الهشاشة الاقتصادية الناتجة عن ضعف المهارة المهنية وغياب الرأسمال لبدء مشروع ما. يتقدم الحمار في طريقه في كل الوضعيات، يصعد الدرج، يمشي في سكة الترامواي، معفي من الوقوف في إشارة الضوء الأحمر، يسير في الاتجاه المعاكس… طبعا لا يُلام الحمار على خرق قانون السير، الخطير أنه ليس وحده من يفعل ذلك. وظهره رادع للمخالفين. ففي شوارع كازابلانكا مآت ظهور الحمير (les dots d’ânes) على شكل محدبات إسمنتية لتهشيم سيارات السائقين المسرعين.

و”الحمار” هو الشتيمة رقم واحد في العنف اللفظي الموجه للذكور في المجتمع المغربي. للإشارة دجن الانسان الحيوانات التي تقدم له أكثر مما تستهلك. الكلب والحمار. لصبرهما الشديد صارا شتيمة. ولجعل الشتيمة تعكس حالة الغضب وتكون موجعة يتم تشديد نطق الحاء لأكثر من عشر ثواني أو الإشارة إلى أن الحمار هو والد البغل.

وبعد الشتم يسترخي الغاضب. ويقال أن الحمار مفيد حتى في الحلم. فمن رأى حمارا في منامه حصل له خير. وحتى حين يشيخ الحمار يصير مفيدا. وقد عثرت الشرطة على رأس حمار وعظامه فأدركت أن لحمه صار مفروما ووجبات سريعة.

رغم كل هذه الخدمات الشاملة لا يحظى الحمار بالاحترام لأنه يمارس مهنة يستطيع الجميع القيام بها وهي حمل الأثقال. وكل المهن التي يستطيع أيا كان القيام بها تكون غير مربحة. يزعم الناس أن مشكلة الحمار هي الغباء. والغباء حسب ألبيرت أنشتاين هو “فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة”. من حسن الحظ ليس الحمار وحده من لا يتعلم من أخطائه.

ولم يبدأ اتهامه بذلك اليوم فقط. فمنذ أكثر من ألف عام حكى ابن المقفع في كليلة ودمنة عن أسد أصيب بالجرب فقيل “كلْ أذني حمار وقلبه لتشفى”. وبفضل الثعلب جاء الحمار لزيارة الأسد المريض فوثب لافتراسه فأفلت. وتمكن الثعلب من إقناع الحمار بالرجوع لتقبيل الأسد فوثب عليه وقتله. وحين غسل الأسد جاء ليأكل فلم يجد مراده فقال له الثعلب “لو كان له قلب وأذنان لما رجع إليك”.

تحكي قصة لمحمد زفزاف – وهو كاتب عاش طويلا في كازابلانكا – عن حمّال عجوز تعب من جر عربته فعرض على شاب جرها مقابل تقاسم الأرباح. هكذا حصل الشاب على دَخل فتزوج. أما الحمال العجوز فكان يجمع نصيبه من الربح حتى اشترى حمارا. استعاد العربة من الشاب وجعل الحمار يجرها. حين شعر الشاب بقساوة البطالة وجد حلا أحولا: قرر قتل الحمار.

للحمار قيمة كبيرة في الأدب العالمي، فهو أول شخصية روائية في رواية “تحولات الجحش الذهبي”. فحين ملّ لوكيوس من كونه إنسانا بحث عن التغيير، وقد توجه إلى معبد دلف ليحصل على مرهم يحوله إلى عصفور، لكن كاهنة المعبد أخطأت فأعطته مرهما حوله إلى حمار… فبدأ البحث عن مرهم يصلح الخطأ، وأثناء البحث عن المرهم جاء لصوص وسرقوا الحمار فباعوه فعمل لدى عسكري… و أثناء ذلك ينصت للمحاورات خاصة أن العسكري لا يخجل من كشف نفسه أمام “حمار”… هنا يعلب الحمار دور البصاص واصف الحياة الاجتماعية… وكان ذلك التجسس على الآخرين يساعده على معرفة نفسه.

ختاما، ففي مجتمع فلاحي لا يثير مشهد الحمار في المدينة أي استهجان، لقد ألف الناس خليط المدينة والريف. ومرور الحمار يوميا أمام فندق شيراتون في قلب كازابلانكا دليل على وزن الفلاحة في حياة المغاربة.

والحمار يؤثر في الحياة اليومية للسكان بشكل مباشر جدا أكثر من عدد كبير من الأحزاب التي لم تتخذه رمزا. ويحكى الخبثاء أن حمارا احتج لدى وزير الداخلية الأسبق قبيل الانتخابات لأن الأحزاب وضعت لها رموزا انتخابية مثل الأسد والحمامة والجمل والسمكة ولم تضعه معها. وقد أجاب الوزيرُ المحتجَّ: أنت ستصوّت.

‫تعليقات الزوار

10
  • Mostafa El amrani El khaldi
    الإثنين 24 فبراير 2014 - 19:13

    الحمار يؤثر في الحياة اليومية للسكان بشكل مباشر جدا أكثر من عدد كبير من الأحزاب التي لم تتخذه رمزا. ويحكى الخبثاء أن حمارا احتج لدى وزير الداخلية الأسبق قبيل الانتخابات لأن الأحزاب وضعت لها رموزا انتخابية مثل الأسد والحمامة والجمل والسمكة ولم تضعه معها. وقد أجاب الوزيرُ المحتجَّ: أنت ستصوّت

  • salhi
    الإثنين 24 فبراير 2014 - 19:20

    رغم كل ما يقدمه الحمار من خدمات الا انه لم ينل حقوقه المهضومة ،

  • الرفق بالحيوان
    الإثنين 24 فبراير 2014 - 19:32

    أروع ما في هذا الموضوع خاتمته ،والله نوّرت العقول والبصائر ووضعت خريطة الطريق للاستحقاقات المقبلة ألف شكرلك ياذكي!!!؟

  • هشام
    الإثنين 24 فبراير 2014 - 20:33

    مقالك في بعض فقراته منقول أو مسروق بنفس العبارات من مقال للكاتب الكبير خالص جلبي عن الحمار في فاس ودروبها
    لا يمكن ان يكون الامر توارد خواطر ومقال جلبي نشر قبل اربع سنوات في مدونته
    الاتستحي يا صاح .واش بقات ف كزابلانكا

  • Axel hyper good
    الثلاثاء 25 فبراير 2014 - 12:00

    وجود الحمار داخل المدن المغربية دليل على تغلب البدائية على المدنية.

    لقد اصبحنا نحن اهل المدينة قلة داخل مدننا بسبب توافد اصحاب الحمير وثقافتهم وحتى طريقة كلامهم.

    الله يدير لينا نحن المدينيين شي تاويل ديال الخير.

  • elyoussi
    الثلاثاء 25 فبراير 2014 - 15:37

    ورغم ما يتعرض له من قِبل بعض أمناء الأحزاب الإستغلالية بإقحامه في مظاهرات سياسوية، فإن صديقنا الحمار :
    ــ لا يسرق مقالاتِ غيرِه و ينسبها لنفسه .
    ــ لم يدَّعِ العلم أبداً فيقفز فوق منصة ليلقي خطابا ملتهبا .
    ــ لم يترشح لأية انتخابات، محلية كانت أم برلمانية،مدعيا تمثيل السكان في المجالس .
    ــ لم يأخذ الكلمة أبدا للإفتاء في أمر مُجادَل حوله كجَواز استعمال الجزرة من قِبَل المرأة .
    …أفَلا يستحق هذا المخلوق اللطيف التقدير والإحترام ؟!

  • bernoussi
    الثلاثاء 25 فبراير 2014 - 21:46

    هذا مجرد تفسير على ان المغرب تقدم في حقوق الحيوان فالحمار في سطوب بجانب السيارة الفخمة وكذا في الازقة مع الشعب او المغرب لا يريد ان يتقدم ولو بازالة المقدم

  • البيضاوي
    الأربعاء 26 فبراير 2014 - 18:29

    ا كبر حزب في العالم الديمقراطي رمزيته الحمار,ثم ان اسمه ذكر في القران مرات عديدة ووجوده قديم بقدم الحضارات التي سبقتنا في المدنية وبالتالي من يود ان يعرف قيمته ودوره الانتاجي فعليه ان يزور بعض المدن الكبرى كفاس و مكناس و زرهون و طنجة و مراكش ووزاكورة و ورزازات شفشاون اكدز..فعلينا ان نقيم ثقافتنا اتجاه هذا الحيوان البيئ بامتياز..

  • سيفاو المحروﮜ
    الأربعاء 26 فبراير 2014 - 18:46

    … طبعا لا يُلام الحمار على خرق قانون السير، الخطير أنه ليس وحده من يفعل ذلك. وظهره رادع للمخالفين. ففي شوارع كازابلانكا مآت ظهور الحمير (les dots d’ânes) على شكل محدبات إسمنتية لتهشيم سيارات السائقين المسرعين.
    الصحيح هو :Les dos-d’ânes وليس les dots d’ânes
    وبه وجب التذكير وشكرا.

  • FXAY
    الخميس 27 فبراير 2014 - 09:29

    يحكي في قديم الزمان أن فلاحا كان يبيع منتوجاته في المدينة دون حاجة إلى دراسته فن التسويق أو أو معرفة خدع الاشهار. مرت الأيام والسنون وشاخ الحمار المسكين ،وذات يوم لما كان الفلاح راجعا إلى منزله في القرية وتجاوز مرتفعا أنهك الحمار وارتفعت روحه إلى السماء .جلس الفلاح يندب حضه التعيس ، ولكثرة محبته وإخلاصه لحماره النافق دفنه في حفرة واضعا رأسه جهة الجنوب وذيلة جهة الشمال ووجهة في اتجاه لبنان كما فعل الفنيقيون قبله لما استوطنوا تنجيس ولكسوس في غابر الازمان.
    مرت الأعوام وطال عمر صاحبنا وتذكر قبر المرحوم وجاء للترحم عليه في يوم جمعة ،يالها من دهشة حيث صار القبر ضريحا وللضريح مريدون وزوارا يتبركون منه ، والفكر الجمعي الجبار ،كما يقول المرحوم أركون ،جعل بركة هذا الولي الصالح تصل أصقاع بعيدة .وصار للضريح قيما يتلقى الهدايا ويوزعها على سلالة الولي الصالح ،وأترك للقراء الكرام تصور رد فعل صاحبنا داخل الضريح وهو يتذكر حماره ويوم دفنه ….

صوت وصورة
ركود منتجات الصناعة التقليدية
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 16:33 1

ركود منتجات الصناعة التقليدية

صوت وصورة
تحديات الطفل عبد السلام
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 12:30 10

تحديات الطفل عبد السلام

صوت وصورة
"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد
الإثنين 18 يناير 2021 - 18:40 115

"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد

صوت وصورة
ساكنة تطلب التزود بالكهرباء
الإثنين 18 يناير 2021 - 16:50 1

ساكنة تطلب التزود بالكهرباء

صوت وصورة
الاستثمار في إنتاج الحوامض
الإثنين 18 يناير 2021 - 15:50 4

الاستثمار في إنتاج الحوامض

صوت وصورة
فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع
الإثنين 18 يناير 2021 - 13:49

فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع