يزعمون أنها ثورة

يزعمون أنها ثورة
الخميس 19 شتنبر 2013 - 15:15

كان من عادة عبد الحميد أن يجلس كل مساء في مقهاه المفضل وحيدا أو رفقة شلة الأصدقاء، و ذلك حسب الظروف و الأحوال.

كان يستمتع بتلك اللحظات التي يقضيها في المقهى، و لو لسويعة قصيرة، فإذا اتخذ مجلسه المعتاد، و بسط فوق الطاولة جريدته اليومية أو كتابه الشهري، كان سريعا ما يشعر بالألفة و الحميمية و يجد ألف سبب و سبب ليطيل قدر الامكان موعده الأثيرمع هذا المكان السماع للأسرار، اللماع بالأضواء، و الطافح بمودة الأقران أو خلوة الإنسان بنفسه، بعيدا عن ضغوط يوم كامل، و كانت هذه الخلوة هي ما يرومه الآن صديقنا عبد الحميد.

و كانت تستبد بفكره عاصفة من الأفكار و التأملات…

هل ضاعف من حدتها نزعته الفطرية إلى الرومانسية ؟ هل لأنه ولد و سكن دائما في هذه المدينة البحرية الرابضة عند أقدام المحيط ؟ هل لأن البحر معناه حرية و انفتاح و شجاعة و انطلاق و سبر لأغوار المجهول ؟

العرائش… هنا بحر و نهر، و سمك و مد و جزر و حنين الى زمن لم يخلق بعد، و فن و شعر و عيون دافئة، و قرص شمس حزين و أمواج متلاطمة… هنا احتفالية النوارس و عطر البحر و بسمة الدراويش…

“يزعمون أنها ثورة، و تتناقل وسائل الاعلام كل يوم أنها ثورة، بل أكثر من ذلك، فهي في نظرهم ثورات مباركة تندرج في ربيع عربي، كله حراك و تغيير و نضال وتوزيع جديد لأوراق الكوتشينة السياسية.”

غير أني – يا أعزائي القراء – لا اتفق بتاتا مع كل ذلك. كيف لها أن تكون ثورة و الثورة على رأي القذافي مؤنث الثور ؟ ها ها ها… كيف لها أن تكون ثورة و الثورة الحقيقية تشترط رؤية إستراتيجية و برنامج عمل واضح و إصلاح سياسي منهجي يتم تطبيقه على مراحل، و، و، و… بدون تصفية للحسابات، أو تحريك عنيف لطاحونة الانتقام من أصدقاء الأمس أو رغبة في استبدال دكتاتورية بأخرى أو جبروت فردي بآخر جماعي ؟؟

متى كانت الفوضى، و التكسير و التقتيل و التخوين والتجريم من طرق الاصلاح والقضاء على الظلم ؟

متى كان الانقلاب على شرعية صناديق الانتخاب و رفض تسمية الجرائم بأسمائها من باب المداهنة و استغباء الرأي العام و كسب ود الغرب على حساب الشعب و سحق الآخر باسم الدين أو النظام أو حب الوطن أو الديمقراطية أو البحث عن المصلحة المشتركة…

متى كان كل ذلك إنسانيا أو مثمرا أو مجديا ؟؟؟

إن الذي يحدث فوضى في فوضى، و لا معنى لكثير من الصراعات و النزاعات و السجالات… لم نعد نفهم من المحق وسط كل هذا، من الجاني؟ من المجني عليه ؟ من الجلاد و من الضحية ؟ أين يبدأ الحق و أين ينتهي الباطل ؟ ما هي الحدود بين الواقع و الوهم ؟ هل ينقلب السحر على دعاة الفتنة و صناع الأكاذيب ؟

ما معنى كل ما يحدث يا إلهي؟؟؟

دوامة اللامعنى…

توقف عبد الحميد برهة عن التفكير، و جال بعيدا ببصره حيث يتقاطع حد المحيط العميق اللانهائي مع صفحة السماء في عناق أزلي لا مثيل لسحره. وضاعف من سريالية المشهد وقت الغروب الذي لف الدنيا بغلالة من الحزن والأسى.

لم يحتج عبد الحميد الى تكوين سياسي متخصص أو المام بأحدث النظريات الحضارية و الجيوستراتيجية حتى يدلي بدلوه و يكون أفكارا شخصية عما يدور هذه الأيام من وقائع جسام ينقبض لها القلب… عما يدور من “ثورة” أم “ما بعد ثورة” في سورية و مصر و تونس و ليبيا. حتى مصطلح الثورة لم يكن متفقا معه بتاتا.

و رشف عبد الحميد رشفة أخيرة من فنجانه، لقد كان قلبه باردا مثل هذه القهوة، وكان مستقبل العالم العربي بالنسبة له على كف عفريت، كان مجهولا غامضا لن تنجح حتى أمهر العرافات و قارئات الفناجين في استطلاعه و تبين ملامحه !

و كانت الأفكار تزدحم وتغلي كالمرجل في ذهنه :

” مصر وسورية وليبيا و تونس لم تشهد في واقع الأمر ثورة، ما حصل هو مجرد انتفاضة شعبية على نطاق واسع ضد جيوش الظلم و الفقر والجوع و الاحتقار و الطبقية الصارخة، قبل أن يلبسها بعض السياسيين رداء المطالب السياسية الذي تفوح منه رائحة كريهة عطنة لنفاق سياسي لا حدود له.

المسلسل بدأ بصفعة بوليسية لذات بوعزيزية، و كان ما كان : إضرام للنار في الجسد، وغضب شعبي في تونس، و انتفاضة و انتشار للنار في هشيم دول أخرى…

أكره الثورات، أكره نفاق السياسيين، و تضليل الاعلاميين و تحريض المحللين و انتهازية آخرين. ماذا تحتاج الثورة الحقيقية ؟ التركيز على التنمية الاقتصادية، هذا لأن الشعوب و بكل بساطة تريد أولا الخبز و العيش الكريم…”

نظر عبد الحميد إلى ساعته. انها العاشرة مساء و العتمة مطبقة، غير أن السماء الملتحفة بين ستائر الظلام ، تبدو و كأنها تبتسم.

*أديب و أستاذ جامعي
[email protected]

‫تعليقات الزوار

5
  • التورة ام إصلاح
    الجمعة 20 شتنبر 2013 - 10:04

    يقولون ان التورات تأكل روادها وفي الحقيقة البعض منهم فقط ،علميا هناك فرق بين التورة والإصلاح بين التطور او التقدم وبين الإنماء ،بين لامارك ودروين الأول يتحدث عن تغيرات غير جوهرية في بنية أشكال الحياة ودروين يتحدث عن تحولات جوهرية او طفرات وقطيعات مثل ان تصبح السمكة اكثر من سلحفاة ولكن طائر يطير ،لا احد يجادل ان إسقاط مبارك كان نتيجة تورة اجتماعية وسياسية حداثية المنشىء قبل التحاق الفيالق الإسلامية ،سنترك أخلاقيات الانتخابات إبان الصراع بين مرسي وشفيق ،تغيير طبيعة ووظيفة المؤسسات الى أداة للسلطة لن يكون الا عبر تهميش كفاءتها وضرب استقلاليتها وهو نهج المالكي في العراق ،لمادا استهدف ادن مرسي المؤسسات ?لان للجماعة برنامج سياسي داتي تريد إحقاقه عبر المؤسسات ،وهل باسم صناديق الاقتراع يمكن للجماعة ان تغير برنامج التورة الأصلي ?هدا ما تقولونه ،رفض الحداتيون دولة الإخوان ،ويعتبر توفيق عكاشة هو الاول الدي نادى وظل يطالبه بر قناته، بالتحالف مع المؤسسات الأمنية ،مند تولي الإخوان سدة الحكم،اي طيلة سنة، فغزوة المؤسسات التي شنها الإخوان بدأت نيرانها تصل الى المؤسسات الأمنية وليس فقط المدنية ،،،،،

  • تورة حداثية
    الجمعة 20 شتنبر 2013 - 10:45

    لقد أشعل الإخوان حربا داخل المؤسسات صراع بين الموالين للاخوان والكفاءات،كل قرارت مرسي تجابه بالرفض والعرقلة فعن اي شرعية يتحدث الإخوان ?فالمعارضة تكون أقلية ولن تستطيع العرقلة بحكم حجمها،فاي ديموقراطية هده?تغلغل الإرهاب في سيناء،مشكل سد النهضة،الأزمة الاقتصادية وحرب باردة داخل المؤسسات وفي الشارع،يخرج الحداتيون من حرب ضد مبارك ،ويجدون انفسهم خاويي الوفاض بل مهددون ايضا في مكتسابتهم! بحكم الصراع العربي الإسرائيلي الجيش المصري مسيس والانقلابات العسكرية ولى زمانها،فلبد من سند شعبي لكل تغيير سياسي،وفعلا كان هناك تنسيق بين الحداثيين والمؤسسات الأمنية لإجهاض مشروع الإخوان،اي انها تورة او إصلاح غير عفوي بل مدروس ومخطط له،وهدا لا ينزع عنه المشروعية الديموقراطية ،فكونها مبرمجة هو الذي دفع الكثيرين الى اعتبارها مؤامرة ومن نسج مجموعة أشخاص مدنية و عسكرية،اغلب الدين نزلوا مع السيسي وضد مرسي هم حداتيون ،فتلك تورتهم ضد مشروع الإخوان للهيمنة على مفاصل الدولة المصرية،ان اعتبارها انقلاب عسكري وليس إنقلاب حداتي لهو احتقار للمصريين، واعتبارهم مجرد قطيع أغنام،يتبعون أيا كان السيسي او الإخوان اوغدا علان ،

  • ليث اطلس
    الجمعة 20 شتنبر 2013 - 11:56

    خويا العامري / هي ثورهـ .. نعم ثوره .. لكنها ليست ثوره كما قرأناها بجامعاتنا
    إنها ثورة ثيران .. ثيران هائجه / كان من الاولى ان نثور على انفسنا أولا
    ** دعنا هنا بالمغرب / نحن دائما ثائرون – ثيران هائجه ديمه ديمه ومنذ زمن
    _ ثائرون ضد الرشوه والرذيله والفساد وغياب العدل والعداله والقانون
    وكلنا فاسد ومرتشي ومعتدي وهارب من القانون
    أليس من الاولى ان نثور على انفسنا أولا ؟
    نقذف وننعت ونشتم الفرنسي والاسباني والبلجيكي والإيطالي
    وشقق كازا يوميا تؤجر 4 ساعات فقط / من الساعه 5 للساعه 9 << لـمــن ؟ 4ساعات
    ** نحن عضو فاعل وفعال في منظمات حقوق الانسان والمرأهـ والاسره والمجتمع
    ماهي حقوق الانسان ؟ واين هي ؟ بل اين هو الإنسان ؟
    _ أما المرأه إقرأ في الصباح والاحداث يوميا مغتصب وقاتل حكم عليه 6 أشهر
    ولا أمن ولا أمان
    ونصر على نشر الكره والتحقير والتهميش والاحقاد لجميع الامم والمجتمعات كي نهرب ونتبرأ
    ** وأخيرا / مؤذن وإمام مسجد في بن حمد >> يٌـسرق نصف راتبه سنويا
    وإن رفض أو إشتكى أو تـشكى وتظلم
    أحضروا بديلا له وتم طردهـ
    ** جنه .. جنا .. جنه / مغرب ياوطنا

  • ضرغام كازا
    السبت 21 شتنبر 2013 - 16:27

    لليت الاطلس يجب قبل ذكر مدينتي الغالية كزا وشققها العامرة بالفاجرات المهاجرات او الهاربات من مدن الجوار اتر فضيحة افتضاض او حمل عن حب او غلب.كان عليك ذكر بعض قرى الاطلس التي تسترزق من الرذيلة بصفة عامة .وهذا ليس قصص مروات بل مشاهدة العين وسمع الاذن .اما عن مقال الاستاد هي فوضى فقط انتهى.

  • عمار
    الأحد 22 شتنبر 2013 - 01:46

    مسجد ضرار صوت صوره فالافتراضي فما ذا عن الواقعي لو انيطت المهام لاهلها رغم علمنا بكفاءة العين الشريفه التي لا تنام لننام و كلنا فدا لوطن كاسك يا وطن من القيروان لتمبكتو منيييح TGV رمشة عين

    تحيه للحسنيه اغادير و مينورا

صوت وصورة
"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد
الإثنين 18 يناير 2021 - 18:40 3

"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد

صوت وصورة
ساكنة تطلب التزود بالكهرباء
الإثنين 18 يناير 2021 - 16:50

ساكنة تطلب التزود بالكهرباء

صوت وصورة
الاستثمار في إنتاج الحوامض
الإثنين 18 يناير 2021 - 15:50 2

الاستثمار في إنتاج الحوامض

صوت وصورة
فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع
الإثنين 18 يناير 2021 - 13:49

فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع

صوت وصورة
سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب
الإثنين 18 يناير 2021 - 12:55 9

سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 33

الفرعون الأمازيغي شيشنق