7 أكتوبر ومعركة العدس

7 أكتوبر ومعركة العدس
الجمعة 21 أكتوبر 2016 - 22:56

كان من المفروض إعلان يوم 7 أكتوبر عيدا وطنيا.

ولا مبالغة في الأمر، فهذا اليوم لا يقل في تأثيره عن 6 و18 نوفمبر.. لأنه يؤرخ للحظة التي انتصرت فيها الإرادة على الإدارة لأول مرة في تاريخ الانتخابات بالمغرب المستقل، وكما يؤرخ عيدا المسيرة والاستقلال لانتصار إرادة الشعب على التسلط الخارجي، فسيرتبط 7 أكتوبر بانتصار هذه الإرادة على التسلط الداخلي .

لقد أكد هذا اليوم كثيرا من الحقائق التي سعى البعض للقفز عليها، وكشف كثيرا من التطورات التي بُذلت جهود كبيرة للتعتيم عليها..

انتصار إرادة الشعب على إدارة الضبط -“التحكم”-، ليس حدثا عاديا يمكن أن يتكرر أكثر من مرة في تاريخ أي شعب من الشعوب، بل هي فجوة تفتح مرة واحدة وإذا لم يتم استغلالها واستثمارها فإنها تؤدي حتما إلى كارثة.. لأن اختلاف زمن الشعب عن زمن “الإدارة” يؤدي دائما إلى الصدام الحتمي الذي يصعب التنبؤ بمآلاته.. وفي محيطنا القريب والبعيد عبرة..

بشهادة كثير من الملاحظين والمتابعين الموضوعيين والمحايدين، فإن “الإدارة” -وربما جزء منها فقط- تعاملت مع موعد 7 أكتوبر كمعركة وجودية.. مسألة حياة أو موت، ولذلك تم تسجيل ممارسات لم تعهد حتى في زمن الرصاص، حيث لم تضع اليد الخشنة للإدارة القفاز الحريري المعهود، بل أزاحت كل الستائر ومارست تدخلها بشكل مكشوف.. ولم تكتف بتحريك الخيوط من بعيد بل تحولت إلى لاعب مشارك في “المباراة” رغم أنه كان مفروضا ان تكتفي بدور الحكم.. أو حتى “المتفرج” تحت ما عرف في أدبيات الانتخابات المغربية بـ” الحياد السلبي”.

إن أهمية نتيجة هذه المعركة تتجلى أساسا في السعي بداية للالتفاف على نتائجها.. ثم في محاولة التعتيم عليها..

الالتفاف على نتائجها، حيث منذ بداية اتضاح معالم الخريطة السياسية، تحركت الأيادي الخفية لمحاولة الانقلاب على حكم صناديق الاقتراع، فتم تجييش “شلة” المحللين والاساتذة الجامعيين والباحثين الذي يشتغلون بمنطق “ما يطلبه المستمعون”، حتى لا أقول بطريقة الأجواق الشعبية في الأعراس حيث يخضع البرنامج الغنائي لرغبات أصحاب “الغرامة”..

فهؤلاء انشغلوا مبكرا بتقديم تبريرات وتخريجات “تدستر” خرق نصوص الدستور الصريحة، وتطرح سيناريوهات سوريالية، واحتمالات لا يتسع لها لا الواقع ولا لغة النص الدستوري الواضحة ولا “المذكرات التوضيحية” التي يفترض أنها رافقت صياغة دستور 2011.

بينما تجلت محاولة التعتيم على نتائج هذه المعركة غير المسبوقة في تاريخ الانتخابات المغربية على مدى ستة عقود، في تسخير بعض الأبواق التي فقدت كل مصداقية وتأثير في الرأي العام، للتقليل من “وزن” الإرادة الشعبية التي أسقطت مشروعا لا تخفى معالمه وغاياته..

فتصدت الصحافة إياها، التي أصبحت أدنى كثيرا من وصف “الصفراء”، بل لم يعد حتى “الرصيف” يقبل أن يحتضنها، لتبخيس اختيارات مئات الآلاف من المواطنين، رغم غياب معطيات دقيقة حول توجهات الناخبين، بل ورغم أن كل المؤشرات تؤكد أن الطبقات المتوسطة والفئات المتنورة هي التي أسقطت المشروع الذي كان قيد التشكيل.

بل إن بعض الأقلام لم تتوان عن إطلاق أوصاف قدحية في حق جزء من الكتلة الناخبة بشكل أكد حجم المرارة وهول المفاجأة التي تمخضت عنها صناديق الاقتراع، والتي لم يكن أحد يتوقعها، خاصة من المتواجدين في ضفة صناع القرار، الماسكين بالخيوط.. ممن ظنوا أنه في استطاعتهم طي صفحة وفتح أخرى.. مع أن كتابة التاريخ ليست في متناول المتسللين والمتسلقين.

أليس غريبا أن يتداول الاستوديو التحليلي في القناة الثانية على هامش الإعلان عن النتائج الاولية في مصير حزب المصباح بعد “وفاة” ابن كيران”، بدل تقديم قراءة واعية في حقيقة ما جرى في تلك الليلة؟

أليس عيبا ان يصف أستاذ جامعي ورجل قانون المواطنين بأنهم “زبناء” لأنهم صوتوا لهذا الحزب وليس ذاك؟

أليس غريبا أن تجتهد جهات وأفراد في إجراء عمليات حسابية معقدة للبرهنة على أن نسبة المشاركة “المتدنية” تفرغ نتائج الانتخابات من أي تعبير سياسي، فقط من أجل مصادرة فرحة فصيل سياسي بنصره الواضح؟

وهل 43 في المائة نسبة متدنية، خاصة إذا استحضرنا الممارسات التي حرمت آلاف المواطنين من الإدلاء بأصواتهم إما بسبب إبعاد مراكز الاقتراع أو بفعل عدم استلام الإشعار الذي يحدد مكان التصويت، فضلا عن حرمان مغاربة العالم -وهم بالملايين- من حقهم هذا، لسبب رئيسي -غير معلن- وهو أنهم خارج السيطرة والتوجيه؟

على سبيل المقارنة..في آخر انتخابات لاختيار أعضاء البرلمان الأوروبي التي جرت سنة 2014، وفي ظل الصراع الذي يدور بين أنصار استمرار الاتحاد ودعاة تفكيكه، تراوحت نسبة المشاركة بين 13 في المائة و47 في المائة في 20 دولة عضو بالاتحاد ضمنها ألمانيا وفرنسا وهولندا والنمسا، ولم تتجاوز نسبة 50 في المائة سوى في ثماني دول منها إيرلندا واليونان ومالطا..

فهل تحدث أحد عن عدم أهلية ممثلي سلوفاكيا في البرلمان الاوروبي لأن نسبة المشاركة في هذا البلد لم تتعد 13 في المائة؟ وهل بادر أحد لتنصيب نفسه ناطقا باسم الـ 87 في المائة من المقاطعين؟

إن قنابل الدخان التي أطلقها البعض للتشويش على حدث 7 أكتوبر، لم تغير من الواقع شيئا، حيث فرضت نتائج الاقتراع احترام نصوص الدستور حرفيا، ولم ينتج قصف الفصل 47 سوى مزيد من الحسرة في قلوب الذي كانوا يعتبرون الموعد الانتخابي لحظة إغلاق القوس الذي فتحه حراك 20 فبراير.. بل إن إصرار بعض الجهات على الاستمرار في التشبث بـ”أمل كاذب” يدفع إلى التساؤل حول منسوب الواقعية السياسية لدى من يعتبرون انفسهم صناع قرار..

فحتى قبل إعلان النتائج النهائية، تم الشروع في تسويق سيناريوهات عجيبة، فمن الحديث عن “التوسع” في تفسير الفصل 47 المشار إليه، بحيث يمكن إسناد رئاسة الحكومة إلى حزب آخر في حال عجز الحزب المتصدر عن تحصيل الاغلبية، إلى محاولة اختطاف رئاسة مجلس النواب مبكرا، إلى الحديث عن حكومة سيتم إسقاطها خلال سنة بملتمس رقابة يدعمه التجمع والحركة، إلى حكومة لن تعمر أكثر من ثلاث سنوات بإجراء انتخابات سابقة لأوانها تعيد تشكيل الخريطة السياسية.. إلى الحديث عن حكومة “وحدة وطنية” هدفها الوحيد تعديل الدستور للتخلص من الفصل 47 وغيره من الإضافات التي جاء بها الربيع المغربي…

إن هذا النوع من اللحظات الفارقة في تاريخ الأمم والشعوب، يكون عادة مفصليا وكاشفا..

مفصليا، لأنه يضع صانع القرار أمام المسؤولية التاريخية التي تفرضها معادلة : إما احترام إرادة الشعب أو الإبحار نحو المجهول.. وقد اتضح مع الاسف أن المنتصرين للخيار الثاني كثيرون.. رغم “أقنعتهم” الديموقراطية..

وكاشفا، لأنه أسقط آخر أوراق التوت عن تجار الشعارات وأصحاب اللافتات المضللة .. فالديموقراطي الحقيقي هو الذي يرفع سماعة الهاتف مباشرة بعد اتضاح معالم الخريطة الانتخابية ليهنئ قيادة الحزب الفائز، بكل روح رياضية، لا الذي يشرع في الكولسة مبكرا ويعقد الاجتماعات السرية لنسج الدسائس تمهيدا للانقلاب على حكم صناديق الاقتراع.

لقد أخلف “الديموقراطيون” المغاربة أكثر من موعد، خاصة خلال الحملة الانتخابية عندما سكتوا على التضييق الذي تعرض له حزب “معين”، بل لم ينطقوا ببنت شفة رغم كل الشواهد والمؤشرات التي كانت تتواتر مشاهدها من مختلف الأقاليم حول “التدخل الخشن” للتأثير على شفافية ونزاهة العملية الانتخابية.. ظنا منهم أن التضييق على منافس سيكون له انعكاس إيجابي على الحصيلة الانتخابية قبل أن تقرر صناديق 7 أكتوبر العكس..

كان “الديموقراطيون” سيحققون اختراقا كبيرا لو انهم أوقفوا حملاتهم الانتخابية يوما أو بعض يوم في كل موقع انتخابي تعرض فيه الحزب المعلوم للتضييق، لكنهم لم يفعلوا مع أن خطوة كهذه كانت ستساهم في ترقيع “بكارة” كثير منهم..

بل حتى مجلس اليزمي سقط مبكرا في الامتحان عندما بادر ساعات قليلة بعد إقفال صناديق الاقتراع لإضفاء الشفافية المطلقة على هذه العملية..

أقول مجلس اليزمي لأن هذه هي التسمية الصحيحة واقعيا.. لأننا أمام “مؤسسة دستورية” تعكس فقط الرأي الشخصي لرئيسها وشلته..

وحتى تستحق هذه المؤسسة وصف “الوطني” لابد أن تعكس أصلا موازين القوى في الشارع وتحترم رأي الأغلبية، لا أن تتحول إلى “كيان مواز” مهمته معاكسة الرأي العام ومعاندة ومعارضة الحكومة والبرلمان..

وحتى تؤتمن هذه المؤسسة على “حقوق الإنسان” لابد أن يقتنع القابعون على رأسها بهذا المفهوم الكوني ويطبقوه في حياتهم اليومية.. وهو ما يصعب تصوره في ظل عدم احترامهم أصلا لحق المواطن في انتخاب من يمثله..

***

خلاصة..

إن 7 أكتوبر ليس يوما عاديا، بل هو يوم من “أيام الشعب”. أقل إنجازاته، تأكيد كون المغرب بلدا “مختلفا”، وأن الوصفات التي نجحت في المشرق ليست مناسبة بالضرورة للحالة المغربية، والأهم من ذلك، أن المغرب الذي خط إحدى أكبر الملاحم، سواء من خلال حرب التحرير أو من خلال المسيرة الخضراء، نجا بفضل تصويت جزء من ناخبيه ووعيهم، من أن يتحول إلى حديقة خلفية لدويلة خليجية صدقت أنها قادرة بفضل المال وحده -الذي بدأ يتناقص على كل حال-، على التحكم وتحديد مصائر الدول الشعوب.. وهذا تحديدا ما يجعل 7 أكتوبر يوما استثنائيا بكل المقاييس.. لا يمكن أن تغطي عليه حتى معركة “العدس” التي تتصاعد هذه الأيام..

https://www.facebook.com/my.bahtat

‫تعليقات الزوار

2
  • امزوغ
    السبت 22 أكتوبر 2016 - 00:07

    لا فض فوك
    متألق كالعادة
    أحسن ما كتب حول انتخابات 7 اكتوبر
    ننتظر المزيد

  • عبد المجيد
    السبت 22 أكتوبر 2016 - 09:56

    أحسنت، أحسن الله إليك.
    استمر في كتابة مقالاتك، التي تساهم – و لا شك – في توعية القراء. تحياتي إليك

صوت وصورة
أوجار  يرد على وهبي
الخميس 22 أبريل 2021 - 23:21 137

أوجار يرد على وهبي

صوت وصورة
طريقة الانخراط في التغطية الصحية
الخميس 22 أبريل 2021 - 22:30 5

طريقة الانخراط في التغطية الصحية

صوت وصورة
لقمة العيش بكرامة
الخميس 22 أبريل 2021 - 20:11

لقمة العيش بكرامة

صوت وصورة
علاش تسمات حلوى الغريبة
الخميس 22 أبريل 2021 - 18:00 5

علاش تسمات حلوى الغريبة

صوت وصورة
منازل الروح: علاقة التوكل على الله بالهمة
الخميس 22 أبريل 2021 - 17:00 1

منازل الروح: علاقة التوكل على الله بالهمة

صوت وصورة
عظام حيوانات في الهراويين
الخميس 22 أبريل 2021 - 15:51 12

عظام حيوانات في الهراويين