24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

18/02/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:4008:0613:4616:4919:1820:33
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل أنت متفائل بمستقبل المغرب سنة 2019؟

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | فن وثقافة | التراث والحداثة بين الجابري وأركون

التراث والحداثة بين الجابري وأركون

التراث والحداثة بين الجابري وأركون

نقاط التقاطع والاختلاف

تجسد الباحثة نايلة ابي نادر في كتابها «التراث والمنهج بين أركون والجابري» ان الفكر العربي يعاند التغيير، مخالفا بذلك ابسط قواعد الطبيعة، وترى ان كل ما ينبض بالحياة معرض بفعل مرور الزمن للتبدل، ملاحظة ان الاشكالية التي شغلت الفكر منذ زمن ليس بقريب، والمتمحورة حول العلاقة بين العقل والنقل، لم تفعل فيها الايام الدائرة امرا يذكر. فهذه القضايا المحورية من وجهة نظرها بقيت على حالها مع تبديل طاول الالفاظ فقط.

وتسجل في هذا السياق انه بدلا من الاشكالية التي طرحها الزوج العقل/ والنقل، صار هناك اشكالية التراث/ والحداثة. أو الشرق والغرب، أو اللامعقول/ والعقل. وكأن في عملية استبدال المصطلحات هذه حماية من الوقوع في التكرار والاكتفاء بالاجترار. وهذا يعني من وجهة نظر الباحثة ان كل الانهمام الفكري والقلق المعرفي منصبان عبر الاجيال في اطار ايجاد حل لمشكل مستعص يفوق القدرات الذهنية لدى البشر!

لقد برزت في خضم المعارك المستعرة والمواجهات الملتهبة ، جهود ارادت ان تكسر طوق التكرار، وتحد من صلاحية القياس على «انموذج السلف»، ساعية قدماً نحو اعادة قراءة الماضي من منظور مغاير، ومحاولة الابتعاد عن الايديولوجي في اتجاه المعرفي. لقد عمل كل من محمد أركون ومحمد عابد الجابري في سبيل الكشف عن جذور التراث العربي الاسلامي في طبقاته المتراكمة وعن آلية اشتغال العقل الذي انتجه.

وتقرر الدكتورة نايلة ابي نادر ان كل واحد سعى على حدة، من خلال اعتماد المنهج النقدي، الى تحديد مواضع الخلل في التعاطي مع هذا التراث، وابراز مكامن القوة والابداع فيه، مع الوعي بالفارق الزمني الذي يفصل اليوم عن الامس.

من خلال هذه المقارنة تبين للباحثة ان الرابط الاساس الذي يجمع بين مفكرينا يكمن في هذين المصطلحين: التراث والمنهج. معتبرة ان مشكلة المنهج في قراءة التراث لدى أركون والجابري... انهما معا ارادا العمل في حقل التراث تنقيبا، وحددا الدخول في الحداثة هدفا. لكن بدا للباحثة في نهاية المطاف، ان ما جمع بينهما بالتحديد هو الذي فرق بينهما.

فالاول، اي أركون، لم يضع حدا يؤطر حقل عمله داخل التراث، اذ اعتبر ان كل ما انتجه العقل العربي - الاسلامي شفهياً أو كتابيا، فلسفيا أو دينيا، يجب التوقف عنده والبحث في اسسه، مع الانتباه الى المسكوت عنه، واللامفكر فيه. اما الجابري فقد حصر عمله بالثقافة العالمة، كما انه وضع منذ البداية خطا احمر منع قلمه من تجاوزه، حاصراً بذلك اطار بحثه بالعقل العربي وحده وبما انتجه في اطار البيان والعرفان والبرهان، اذ ان العقل اللاهوتي لا يعنيه، وهو يعفي نفسه من اي مهمة تطاول الاصلاح الديني الذي لديه اربابه.

هذا على صعيد التراث، اما على صعيد المنهج، أو الاداة التي استخدمها كل منهما لانجاز مشروعه فتسجل الباحثة ان الاختلاف فيه واضح. اذ ان قارئ نصوص أركون يبدو له ان المؤلف يعمل ويستكشف تباعاً ادوات حفره محاولا توظيفها في المكان المناسب، عندما تدعو الحاجة. وتؤكد ابي نادر في هذا المنحى ان المنهج يتبلور تباعاً عند أركون، وان الخطوة الاولى هي التي توجه الثانية أو تغير مسارها. بينما قارئ نصوص الجابري يشعر وكأن الخطوط العريضة قد رسمت مسبقا، والنتيجة قد حددت سلفا، لان الهف واضح في ذهن المؤلف منذ البداية.

صحيح ان أركون والجابري توجها نحو التراث بحثاً، وحفرا، وتفكيكا، لكن من موقعين مختلفين، وبأدوات متباينة. لذلك، كان من البديهي ان تاتي النتائج مغايرة. فما يراه اركون ضروريا واساسا، اذ لا يجوز البدء بأي مشروع قبل انجازه - كنقد الفكر الديني على وجه التحديد - لا يجد الجابري نفسه ملزما به، بل ويقصيه من دائرة اشتغاله، مكتفيا بالجانب المعرفي.

من هنا برز الخلاف على نقد العقل العربي ام العقل العربي الاسلامي.

وترى الباحثة ابي نادر ان ما يضعه أركون في خانة الاتقاء والابداع والخروج من الاطر الضيقة،، يصفه الجابري بالظلامية والتخلف والانصياع الى احكام اللاعقل.

فما يسميه أركون بـ«المخيلة الابداعية العرفانية»، وما نتج منها من خطاب مميز، أفرز معجما لغويا وتقنيا خاصا، يحط الجابري من شأنه، ويضعه في اطار «العقل المستقيل» الذي تخلى عن مهامه خاضعا لألاعيب الرمز والخيال والمجاز.

الباحثة ابي نادر تذهب الى ان ما يصوره أركون تجليا للانسية العربية في القرن الرابع الهجري، وللعقلانية المعبرة عن عطش الروح الى المعرفة والفهم، مع السجستاني ومسكويه والتوحيدي والعامري وغيرهم، يعتبره الجابري انتقاصا من مستوى التفكر العقلي، والتجريد الفلسفي لمصلحة المقابسات والأدبيات الشائعة. هذا التدهور في الانتاج الفكري قد اوقفه لاحقاً مفكرو المغرب العربي، وخصوصا كل من ابن رشد وابن خلدون.

لقد ارادت الباحثة بعد ان قدمت لموضوعها بتحديد مفهوم النقد، لدى أركون والجابري، ان تفرد قسما لكل مفكر على حدة، عرضت فيه ابرز المفاصل النقدية التي تميز به مشروع كل منهما، وعمدت بعد ذلك إلى تحليل المسار النقدي الذي اتبعاه في مقاربة الفكر العربي الاسلامي، وكرست في القسم الثالث دراسة مقارنة، ابرزت فيها مكامن الفصل والوصل، وعملت على استخلاص النتائج التي توصلت اليها من خلال البحث. من دون ان تنسى الاشارة الى ان مشروع نقد الفكر العربي الاسلامي، ومسألة البحث في الخطاب الديني وفي كيفية تأويله شغلا حيزا كبيرا من الانتاج الفكري العربي المعاصر.

نعم هناك العديد من المفكرين الذين انخرطوا في مشاريع نقدية طاولت العقل العربي المعاصر. وهناك العديد من المفكرين الذين انخرطوا في مشاريع نقدية طاولت العقل العربي كما النص الديني. وتذكر ابي نادر على سبيل المثال المحاولات التأويلية التي قام بها نصر حامد ابو زيد للخطاب الديني، والطروحات التي قدمها حسن حنفي من اجل بلورة موقف جديد من التراث القديم. كما اشارت الى العمل على تجديد المنهج في قراءة التراث «وتجديد العقل» لدى طه عبد الرحمن. ولم تغفل الجهود التي بذلها عبدالله العروي في مقاربة لايديولوجيا العربية المعاصرة/ وتسليط الضوء على العرب والفكر التاريخي. وذكرتنا ايضا بالمحاولة التي قام بها صادق جلال العظم في نقد الفكر الديني، وايضا بالقراءات التي قدمها عبد الهادي عبد الرحمن «في توظيف النص الديني» من خلال البحث في سلطة النص، وفي عرش المقدس. كما ذكرتنا بسؤال هشام غصيب النقدي «هل هناك عقل عربي»، ولفتت انتباهنا الى مشروع الرؤية الجديدة للفكر العربي في العصر الوسيط الذي قدمه طيب تيزيني، والى دراسة الظاهرة القرآنية، والبحث في شروط النهضة اللذين أنجزهما مالك بن نبي.

واذا عدنا الى ما كتبه أركون حول الازدهار الفكري والنمو الثقافي اللذين عرفهما القرن الرابع الهجري، نجد انه يشدد على الدور الذي ادته الطبقة البرجوازية في ذلك الحين، ما اسهم في توفير الاجواء الملائمة للنهوض والابداع. وهو يعلق اليوم على هذا الدور في حال اراد المسلمون اليوم دخول مرحل التقدم، والخروج من الركود والاكتفاء بالاستهلاك.

لكن ايضا ان من يتابع احاديث أركون في الوسائل الاعلامية العربية ومحاضراته العديدة يجد انه يدعو على صعيد التطبيق الى العمل في سبيل التحرير كضرورة اولى ومهمة من اجل الدخول في الحداثة، فمن وجهة نظره ان تحرير الارض والشعب وخصوصا الارادة من شأنه ان يقود الفاعلين الاجتماعيين نحو بناء مجتمع حديث. لذلك يرى انه على الكفاح السياسي ان يأتي اولا لكي يتحقق في ما بعد النهوض الاجتماعي والاقتصادي. لكنه يرى انه لا سبيل الى البناء من دون الاعداد لارضية فكرية صلبة، والتأسيس لفكر نقدي يرتكز على الابحاث التاريخية التي تكشف جذور المأساة المسيطرة على المجتمعات العربية الاسلامية منذ زمن.

من هنا نجده خلال الفترة الاخيرة يتحدث عن «الجهل المؤسس» الذي يعلم في المدارس الرسمية بعناية من قبل الدولة. انه ينتقد بشدة طرق التعليم أو التلقين غير المبني على اسس مغرفية متينة، ويرى في المقابل ان علوم الانسان والمجتمع من شأنها ان تسهم في محاربة «الجهل المؤسس» والحد من التعليم الجاهل الذي يفرض على التلاميذ.

وفي هذا السياق ترى ابي نادر ان المسألة التربوية هي اليوم من ابرز ما يجب التصدي اليه من قبل المفكرين والباحثين وخصوصا المنشغلين بأمور التعليم والتربية، علمية كانت ام مدنية ام دينية.

اذا كان هذا ما يدعو اليه أركون، فان الجابري يشدد من اجل الدخول في الحداثة على النهوض الاقتصادي، ويدعو في خاتمة نقده العقل السياسي العرب الى انشاء سوق عربية مشتركة تفتح الدول العربية على بعضها وتشهم في انعاش الوضع الاقتصادي. فمن وجهة نظره الاهتمام بالاقتصاد بامكانه ان يؤسس للنهضة المرجوة.

الجابري يعتبر ان الوحدة الثقافية قائمة وذلك على خلاف الوحدة السياسية التي يجب العمل على تحقيقها عبر جهات وطنية وأنظمة حكم فدرالي او كونفدرالي. لكنه يعتبر ان الخطوة الاولى في سبيل تحقيق الوحدة العربية هي، «تصحيح الوعي بالوحدة»، والتفكير فيها من خلال وضع الدولة القطرية الواقعية، وما توصلت اليه من فشل، لكي يصار فيما بعد الى نفيها عن طريق تحقيق الديمقراطية. الباحثة ابي نادر تخلص الى القول انه تعددت الابحاث والمشاريع الفكرية الرصينة التي عملت على ادخال الفكر العربي الاسلامي المعاصر في الحداثة. كما كثرت الدعوات المنادية بتطبيق الديمقراطية وحقوق الانسان، وتنوعت السبل التي اقترحت انماطا من السلوكيات التحديثية، ناهيك بالخطابات السياسية التي تحمل في طياتها كما من المخططات الخمسية والعشرية التي تهدف الى النهوض الاقتصادي والاجتماعي ولكن...

بعد كل هذا من البديهي ان نسأل لماذا لم ندخل بعد في الحداثة؟

ما هو تكوين هذه المملكة التي لا يتسع بابها للحضارة العربية الاسلامية المعاصرة، بينما نجده واسعا رحبا يستقبل العديد من الحضارات والامم؟ ماذا لو انه كان العكس هو المطلوب تحققه؟ لم لا تعمل هذه الحداثة على الدخول في باب الحضارة العربية الاسلامية المبنية على اسس معرفية وعلمية متينة.

«التراث والمنهج بين أركون والجابري» صدر حديثاً عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر في بيروت.

الكفاح العربي


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (10)

1 - badri الجمعة 20 فبراير 2009 - 04:53
شكرا هسبريس,على آلرغم من الإختلاف الواضح في المنهج والمقاربة بين مفكرينا الكبيرين,والذي أسهبت الباحثة المقتدرة في تبيان أوجهه,أعتقد أن ثمة جانب أهم يعمق أزمة الفكر العربي أو الإسلامي.إنه تلك الهوة العميقة التي تفصل خطاب المثقف عن لغة الشارع.نعلم أن المفكر محكوم بالمنهجية العلمية الصارمة لكن مسألة خلق جسور التواصل مع لغة الشارع تبدو لي في غاية الأهمية,إن لم يكن من خلال الكتب فعلى الأقل عبر وسائل الإعلام.عدا ذالك فيستمر الفقيه و المتفقه في السيطرة على العقول.حاجتنا اليوم أكثر من أي وقت مضى الى المثقف العضوي المنخرط في قضايا أمته,المتشبث في الوقت عينه بمناهج البحث العلمي.
2 - الدكالي الجمعة 20 فبراير 2009 - 04:55
سؤال مامعنى نقد العقل الإسلامي ؟ أعتقد أنك متأثر جدا إلى حد التضامن مع المنهج الاستشراقي الحداثي أرجو الرد أيها الدكتور
3 - محمد ضريف الجمعة 20 فبراير 2009 - 04:57

يعتبر المفكر محمد أركون، صاحب أحد المشاريع الفكرية و المعرفية التي حاولت استنطاق الجذور
التاريخية «للعقل الإسلامي».وقبل الخوض في مشروعه ،سنحاول إعطاء نبذة عن حياته.
محمد أركون باحث ومؤرخ ومفكر جزائري، ولد عام 1928 في بلدة تاوريرت ن ميمون(آث يني) بمنطقة القبائل الكبرى الأمازيغية بالجزائر، ;و انتقل مع عائلته إلى بلدة عين الأربعاء(ولاية عين تموشنت) حيث درس دراسته الإبتدائية بها. وأكمل دراسته الثانوية في وهران، إبتدأ دراسته الجامعية بكلية الفلسفة في الجزائر ثم أتم دراسته في السوربون في باريس.عُين محمد أركون أستاذا لتاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة في جامعة السور بون عام 1968 بعد حصوله على درجة دكتوراه في الفلسفة منها، وعمل كباحث مرافق في برلين عام 1986 و 1987. يشغل ومنذ العام 1993 منصب عضو في مجلس إدارة معاهد الدراسات الإسلامية في لندن.
وقام بترجمة مشروعه الكاتب والمترجم السوري هاشم الصالح.
كما تطرقنا أنفا،أن مشروع محمد أركون يندرج ضمن المشاريع التي تسعى إلى سبر أغوار العقل الإسلامي في بعده التاريخي والانتروبولوجي.
يقول محمد أركون في كتابه قضايا في نقد العقل الديني« إن مشروعي في نقد العقل الإسلامي يتمايز عن كل معداه في ما يخص هذه النقطة الأخيرة.فأنا أهدف إلى نقده بطريقة تاريخية ،وليس بطريقة تأملية،تجريدية سكولاستيكية،إن مشروعي هنا ينخرط ابستمولوجيا في العمق، بل وفي عمق العمق،ويختلف بالتالي عن كل مشاريع تاريخ الفكر التي لا تشمل هذه النقطة الأخيرة».
يقصد محمد أركون ان العقل الإسلامي ليس إلا صيغة ما من صيغ العقل لزماني المحسوس، انه ليس عقلا أبديا أو أزليا وإنما عقل تاريخي له نقطة تشكل وبداية ونهاية، مثله مثل أي عقل يتشكل في التاريخ.
ويعتمد أركون في مشروعه هذا على ما يسمى« بالإسلاميات التطبيقية» وهي منهجية علمية معرفية متعددة المناهج تتوسل ترسانة من العلوم الاجتماعية والإنسانية مثل علم الاجتماع،علم النفس التاريخي،الانتروبولوجيا،علم اللغة الالسنيات ،ويتحدث محمد أركون حول منهجيته «الإسلاميات التطبيقية» يقول.....«إن الإسلاميات التطبيقية هي ممارسة علمية متعددة الاختصاصات.وهذا ناتج عن اهتماماتها المعاصرة،ومن جهة نظر ابستمولوجية،فان الإسلاميات التطبيقية تعلم بأنه ليس هناك من خطاب أو منهج بريء إنها في كل مساراتها تعددية المناهج الفاحصة من اجل تجنب أي اختزال للمادة المدروسة».
ومن خلال هذا التعريف الذي قدمه محمد أركون حول منهجيته،يتبين أنها منهجية صارمة تسعى إلى استنطاق تاريخية العقل الإسلامي بكل موضوعية علمية، متوسلا أحداث البحوث العلمية المعاصرة،وهذا ما دفع المفكر لبناني علي حرب في« كتابه الممنوع والممتنع» إلى القول « فلا نتاج جديد إلا ويكون أركون السباق إلى عرضه واستخدامه».
إن « الإسلاميات التطبيقية» تسعى إلى نقد العقل الإسلامي باعتباره عقلا« دوغمائيا»، وهذا العقل هو عقل الإنسان المسلم اليوم الذي ليزال منغلق داخل« السياج الدوغمائي المغلق»،وهو مصطلح من اختراع محمد أركون ويقصد به السياج المشكل من العقائد الإيمانية الخاصة بكل دين والتي أبقيت بمنأى عن كل تفحص نقدي أو علمي،بسبب الرفض من قبل المؤمنين التقليديين ،وهذا الرفض يأتي من اعتقاد المؤمن التقليدي بأن تراثه مقدس ويعلوا على التاريخية،وفي هذا يقول أركون« يعلم الباحثون في العلوم الإنسانية أن الفاعلين الاجتماعيين𪱆( البشر) يلجأ ون باستمرار إلى عمليات نزع الصبغة التاريخية عن تراثهم من اجل أن يتماشى ماضيهم الديني،الثقافي،والسياسي،مع همومهم ومشاكلهم في الوقت الحاضر».
وهذا ما نلامسه عند الحركات الأصولية الاسلاموية، التي تخلط بين السياسي والديني ،باعتبار أن الإسلام صالح لكل مكان وزمان،وتنزع عنه بعده التاريخي وسياقه التاريخي الذي ساهم في بلوراته،وهذه الوثوقية نتاج تراكم قرون من« المستحيل التفكير فيه واللا مفكر فيه »في« العقل الإسلامي» وهذان المفهومان اعتمد عليهم أركون لتبيان حجم التراكم الهائل الذي أحدثته القرون ،بدون وضع هذا العقل أمام مشرحة النقد «لتفكيكي والاركيولوجي »وهذا التراكم ما هي إلى تلك التفسيرات اللاهوتية التي كانت تقدم باعتبارها الحقيقة المطلقة للجمهور،من طرف رجال الدين ،الذين يحرسون على احترامها من طرف المسلمين،ويوجه أركون نقده إلى الطريقة التي يشتغل بها «العقل الإسلامي» يقول«إن الطريقة التي يشتغل بها العقل الإسلامي تكمن في كونه يخلط بين الأسطوري والتاريخي،ثم يقوم بعملية دوغمائية للقيم الأخلاقية والدينية،وتأكيد تيولوجي لتفوقية المؤمن على غير المؤمن،والمسلم على غير المسلم ،وتقديس اللغة،ثم التركيز على قدسية المعنى المرسل من قبل الله ووحدانيته معنويا،هذا المعنى الواضح والمنقول عن طريق الفقهاء،بالإضافة إلى عقل ابدي فوق تاريخي لأنه مغروس في كلام الله» .
ويقول الكاتب الجزائري فارح مسرحي في هذه النقطة في كتابه الموسوم «الحداثة في فكر محمد أركون» «....ولما كان أركون يعتمد بشكل خاص على المنهجية الحفرية الاركيولوجية التي تبحث عن آليات الخطاب في تشكيل المعنى وتتجاوز منطوق الخطاب للبحث عن مضمراته والكشف عن آليات اشتغاله،بأننا نستطيع العودة إلى الوراء شيئا فشيئا انطلاقا من لحظة الخميني ،والإخوان المسلمين ثم الإصلاحيين السلفيين في القرن التاسع عشر ثم الحركة الوهابية ثم كبار المفكرين الإصلاحيين كابن تيمية والغزالي والشافعي وجعفر الصادق والحسن البصري.والهدف من هذه العودة هو الوصول إلى البنية العميقة المشكلة والموجهة للفكر الإسلامي،ومعرفة المبادئ التي تأسس عليها العقل الإسلامي في السابق،والتي لا يزال يرتكز عليها الخطاب الإسلامي المعاصر».
من خلال هذا يتبين أن العقل الإسلامي المعاصر، مازال يجتر ويكرر نفس العقل القروسطوي،الذي تم اغلاقه من طرف علماء اللاهوت،ابتدأ من القرن العاشر الميلادي ،وهذا العقل القروسطوي ماهي إلى تلك التفسيرات والتأويلات التي قدمت إلى العامة باعتبارها التعبير الأسمى عن كلام الله ،وتعتبر رسالة الشافعي المحاولة الأولى لتأسيس مايسمى بأصول الفقه،فهذه الرسالة تعتبر بداية تشكل العقل الإسلامي التي أسست آليات اشتغاله،والتي تتضمن النظام الذي يحكم الفكر الإسلامي،عن ذلك يقول محمد أركون،«...إن الخطاب القرآني وسيرة النبي وسيرة علي والأئمة عند الشيعة،قد استنبط منها نسق تفكير متسم بفكرة الأصول ومازال هذا النسق موجها للفكر الإسلامي إلى يومنا هذا ،ورغم احتكاكه بنسقات أخرى(الفلسفة اليونانية ،الفكر الحديث)إلا آن النسق الأصولي يبقى اشد نفوذا وأوسع انتشارا».
واخيرا يمكن اعتبار مشروع محمد اركون الفكري ،نموذجا للمشاريع الفكرية والمعرفية العميقة،التي تحاول فك الصعوبات والعقبات الابستمولوجية التي تحايث "العقل الاسلامي"والتي لابد من زحزحتها او ازالتها لكي يتم هذا التواصل.فالمعرفة الصحيحة لا يمكن ان تنهض الا على انقاض المعرفة الخاطئة،كما كان يقول الابستيمولوجي الفرنسي غاستون باشلار.
4 - مهران الجمعة 20 فبراير 2009 - 04:59
في تصوري ، المحرك الأساسي لفلسفة الجابري هو معاداة المعرفة الإشراقية أي العرفان .و هو ما جعله يفرط في تمجيد الفيلسوف المغربي ابن رشد .و السقوط في الفلسفة التجريبية للمعادية للميتافيزيقا . فلا معرفة عرفانية و لا معجزات خارقة و لا كرامات في نظر الجابري .
5 - khalil khalil الجمعة 20 فبراير 2009 - 05:01
في الحقيقة ليس لي تعليف علي مضمون الموضوع وا نما اريد فقط شكر هسبريس على التفاتتها لمواضيع الفكر. لأن الانسان بلا فكر هو كما قال سقراط بهيمة أدمية أ ما فيما يخص الجابري فيحق لنا كمغاربة الافتخار بهدا الهرم الفكري الكبير الى جانب الكبير والعظيم عبد الله العروي وقبلهم ابن خلدون وابن رشد اما محمد اركون فما احوجنا اليه في زمن سيطرة فكر الارهاب .
نتمنى استمرار هسبريس في طرح مواضيع من هدا النوع لتنوير شبابنا الضائع بين ثقافات الظلام والاستلاب
6 - الدكالي الجمعة 20 فبراير 2009 - 05:03
أقترح عليك أن تناقش دائما في قضايافكرية وباللغة العربية ، لأنها هي اللغة التي تساعدك عن التعبير بما في جعبتك ، لوقدر الله وكتبت تعبيرك هذا بحرف (تيفيناغ ) من كان سيفهمه ؟ وهو كلام جيد ورائع ، يحلل الأزمة ،ويفرق بين إسلام عمر وعثمان رضي الله عنهما ، وبين إسلام الطالبان ومهاتير محمد أو أنور إبراهيم ، ثم يعرج على اليابان والخرافة مع التقدم التكنولوجي ، ياليت عالمنا الإسلامي تمسك بدينه كما تمسكت اليابان بخرافتها،وتقدم في الجانب العلمي ، هذه نقطة مهمة جدا جدا أن نتمسك بماضينا العريق مع التركيز على الجانب العلمي التكنولوجي ، هل تعلم أن احد أباطرة اليابان قام باختبار طلاب يابانيين عائدين من الغرب محملين بعلوم ومعارف ، ولكن الاختبار كان في مدى تمسكهم بعاداتهم الخرافية في نظرنا ، فأقام لهم حفلا في المطار ، ووضع لهم مجالس على الطريقة اليابانية وأخرى على الطريقة الغربية ، فمن أكل بالشوكة والملعقة وجلس على الطريقة الغربية أعدم، ومن ظل وفيا لعاداته نجح في الاختبار ، دمت وفيا للغة القرآن الكريم، لغة الأجداد
7 - الشاعر الجمعة 20 فبراير 2009 - 05:05
بعد كل هذا من البديهي ان نسأل لماذا لم ندخل بعد في الحداثة؟
اي حداثة تتكلمون عنها اشرحةا لنا يا اهل الكلام
8 - driss الجمعة 20 فبراير 2009 - 05:07
ان ما لا أستطيع فهمه هو الفارق بين خطاب هؤلاء وممارساتهم السياسية.
فالجابري عضو في اللاتحاد الاشتراكي فمادا قدم لحزبه ولوطنه.
انها بالتاكيد أزمة المثقف العربي.تجده في خطابه النظري انسانا شعبيا يطالب بالحرية والمساوات لكن هو في واقعه عكس دلك.كمن هو في صف البرجوازية الللا وطنبة وينظر لثورة البروليتاريا.انهم هنا وهناك.وباختصار هم مع مصالحهم الشخصية ولا غير
9 - فاضل الادريس الجمعة 20 فبراير 2009 - 05:09
ذكرتني بأيام الشباب وظهر المهراز في جامعة محمد بن عبد الله/فاس سنوات الثمانينات والاندفاع الايديولوجي المتسرع...يا رفيقي أشفق عليك حين أسمعك تتكلم من داخل مغارات علاقات الانتاج ونمط الانتاج والبنية الفوقية والتحتية بل وحتى الشهيد مهدي عامل...لم تكن موفقا في أي من أمثلتك سواء عن الدين أو عن اليابان التي تؤمن كما جزمت بالخرافة في حين نمط انتاجها وبنيتها التحتية قائمة على أسس العلم الحديث...كيف يستقيم هذا مع الترسيمة السلفية للمادية الجدلية؟...أما عن الاستاذ الجابري وإقحامك له عنوة في صراع متوهم مع الأمازيغية فهو يشي بأنك لا تريد استيعاب الأفق الذي يتناوله الرجل في مقاربة موضوع العقل العربي الاسلامي وضمنه حكما الأمازيغي اذا جاز هذا التفصيل.
10 - يوسف ماليزيا الجمعة 20 فبراير 2009 - 05:11
ازمة الفكر المغربي انه لم يمر من ازمة. فهو فكر جامد لانه يعيش قضايا غير قضاياه. صحيح ان التراث الاسلامي مشترك لكن المعالجة المغربية لاتعدو ان تكون محاولات للاجتهاد من داخل المنظومة الفكرية المشرقية. و ذلك لكون المغاربة يطرحون اجوبة ضمن اجوبة لاسئلة مشرقية. بمعنى اخر المغاربة لا يطرحون اسئلة تكون مقدمة لمنحى فكري مغربي بل ليس لهم اي منحى لانهم لا يطرحون اي اسئلة. المشارقة هم الذين يطرحون الاسئلة و المغاربة يتزاحمون معهم في طرح الاجوبة. و لهذا صدقوا لما قالوا بان هذه بضاعتنا ردت الينا. لقد طرح طه عبد الرحمان سوالا عبقريا عندما قال: لماذا الخوف من الابداع؟ و انا اتساءل بدوري: لماذا الخوف من السؤال؟
المجموع: 10 | عرض: 1 - 10

التعليقات مغلقة على هذا المقال