24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

26/06/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
04:2606:1513:3517:1520:4722:20
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تتوقع تتويج المنتخب المغربي بكأس الأمم الإفريقية مصر 2019؟
  1. "الڭارديانات" يحْكُمون عين الذياب ويتحدّون السلطات في الدار البيضاء (5.00)

  2. انتقادات نقابية تطال مستشفيات العاصمة وما جاورها (5.00)

  3. الكتبيون ينددون بتغيير المؤلفات الدراسية وقرارات "قطع الأرزاق" (5.00)

  4. وزير رياضة مصر يعتذر رسمياً للمغرب بسبب بتر خريطة الصحراء (5.00)

  5. "جماعة وزان" تحتفي بالتشكيلي السوداني لوجان (5.00)

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | فن وثقافة | الشاعر سرحان يُخرج خبايا "قبعة الساحر" و"أحشاء لغة الإنسان"

الشاعر سرحان يُخرج خبايا "قبعة الساحر" و"أحشاء لغة الإنسان"

الشاعر سرحان يُخرج خبايا "قبعة الساحر" و"أحشاء لغة الإنسان"

إذا كانت الأرض هي أروع عقاب ناله الإنسان على خطيئته الأولى، فإنَّ واحدًا من الأعمال الشيّقة التي كانت في انتظاره هي تسميّة عناصرها الغُفل، ولقد اجترح لهذه المهمّة أغرب الأدوات على الإطلاق: اللغة.

تكاد تسمية الأشياء أن تكون سحرًا إليه يعود الفضل في أنّ الإنسان الأول أتى، قبل قرون عديدة، بما لم يستطعه حتى الحواة في أيامنا هذه. فكم يبدو صبيانيًّا عمل هؤلاء وهم يُخرجون الحمائم من قبعاتهم، بعد أن كانت مناديل، إذا ما قورن بصنيع جدّهم الذي سكب البحر بأمواجه وهديره وحيتانه وأعاليه وأعماقه في قبعة اللغة ثم أخرجه مجرد كلمة: البحر.

لقد نجح الإنسان في الزّج بكل شيء في قبعته تلك: الحيوان والنبات والجماد، المعاني والأحاسيس والحركات، الأصوات والألوان والأحلام... وفي كل مرّة كان يُخرج شيئًا مختلفًا.

أَدخلَ الماء فأَخرجَ كلَّ شيءٍ حيًّا.

أدخلَ الكواكبَ فأخرجَ آلهة ودياناتٍ وتقاويم.

أدخلَ الليل فأخرجَ شريطًا غريبًا.

أدخل الألم كاملًا فأخرج بعض الأنين.

أدخل حربًا فأخرج ملحمة.

أدخل خياله فأخرج الخرافةَ وبناتِها.

أدخل ما أدخل فأخرج قصيدة.

أدخل حياته فأخرج كتابًا.

أدخل طائرًا جميلًا فأخرج كلمة "حمامة"، ثم أدخل حمامة بيضاء فأخرج كلمة "سلام"، وحين أدخل كلمة "سلام" منعته الحروب من إخراجها فظلت في القمقم إلى الأبد.

أدخل شيئين فأخرج شيئًا واحدًا، ثم أدخل شيئًا واحدًا فأخرج عدّة أشياء، فأخرج أشياء مدهشة بعد أن لم يكن قد أدخل شيئًا أصلًا... وهكذا، أقصد: هكذا نشأت المترادفات والتشابيه والاستعارات... وأخصبت أرضُ الخيال التي اندلعت منها الأساطير.

وفي إحدى المرّات، جرّب الإنسان أن يدخل بنفسه فكانت المعجزة، إذ احتوته قبّعة اللغة كما لو أنّها شرنقة فلم يخرج منها (هل خرج حقًّا؟) إلاّ وهو ذو جناحين: الكلام والكتابة، وهما الجناحان اللذان سيزدادان ريشًا كلما حلّق في فضاء جديد.

لم يكن الإنسان كريما مع الأشياء فحسب حين أسبغ عليها نعمة الأسماء، وإنّما كان كذلك أيضًا حين ابتكر للأسماء الغُفل التي أطلقها الأسلاف أشياءَ تحملها. فالإنسان الأول الذي شطّ بخياله بعيدًا، لم يخطر على باله قطّ أنّ أحفادًا من صلبه سيُبدون فَذاذةً وبُرورًا لا يوصفان وهم يُنشئون، نزولًا عند خيال الأجداد، مصانعَ لإنتاج الخزعبلات ومعاملَ لصناعة المستحيلات الثلاثة...

ذلك أنّ الكلمات التي ظلّت من دون رصيد يذكر لمدّة دهور ستصبح بفضل عبقرية هؤلاء تملك أجسادًا تسعى. فالبلدوزر والدّبّابة، مثلا، ليسا سوى الإسمين الحركيين للغول والسعلاة. والسّكة الحديد ليست غير السجاد المعدني الذي سينزلق إليه مهابة التّنين من كهف في خرافة الأوّلين صوب أنفاقه ومحطاته التي في المدن.

أما طائر الرّخ فقد صار عدد فراخه العملاقة يفوق بكثير عدد بعض أنواع الطّيور، كما صارت له حظائر في كل بقاع العالم، حظائر تسمى مطارات، يُقلع منها الناس على بساط الرّخ بعد أن حلم أجدادهم قبل قرون ببساط الريح فقط.

لعل التّناص هنا واضح: فالخرافات والأساطير والأحاجي... هي "النصوص الغائبة" للتكنولوجيا، وهذه الأخيرة ليست سوى السّحر الذي سخّره الإنسان لتدجين أغرب المخلوقات التي تفتّق عنها خوفه الأول، قبل أن يطلقها في حظيرة الحياة المعاصرة كائناتٍ أليفةً تستجيب صاغرةً للمفاتيح والأزرار... تزأر وتفِحّ وتنعب وتحرن وتمرض، ثم تنفق حين يوافيها الأجل المحتوم.

وإذا كانت القبعة سالفة السّحر رحمًا شديدةَ الخصوبة، أنجبت آلافًا من الكلمات وستظلّ قادرةً على إنجاب آلاف غيرها، كونها لن تعرف سنّ اليأس أبدًا، فإنّ الإنسان، بوصفه قوَّامًا على اللغة، يرى في كل ما حوله بعضًا منه فيضفي عليه من أبُوَّته وملامحه.

هكذا، أغدق على الأشياء من ذاته حتى توزّع جسمه في جسوم كثيرة، ناشرًا صفاته وناثرًا نفسه على ما استطاع من عناصر الكون، فصار للجبل رأس وللصّخور أسنان وللبحر أحشاء ولليل قلب وللأرض عيون وللسماء كبد... فضمِن، هكذا، لنفسه حضورًا رمزيًّا يؤكّد به أنّه فعلًا خليفة الله في الأرض.

عدا جانبها الساحر، تتمتع اللغة بصفات أخرى لا تقلّ إغراءً. ولمّا كانت هذه الورقة أصغر من أن تستوعبها جميعًا، فإنني سأشير فقط إلى جانبها العادل: فالجبل والحصاة، القطرة والبحر، العدو والصديق، العبد والسيد، الأخضر واليابس، القزم والعملاق... سواسية أمامها كأسنان المشط. كل واحد منها لا يرى نفسه في مرآتها سوى كلمة واحدة فقط. أما تعدّد المرادفات والمعاني فلنا أن نعزوه إلى كثرة شروخ المرآة تلك وطول المثول أمامها.

بإمكانك أيها القارئ الكريم أن تتخيّل ما شئت من سيناريوهات لنشأة اللغة (طالما أنك لا تؤدّي ضريبة على الخيال)، لكنّك لن تأتي أبدًا بما استطاعه الأوائل. فعند هؤلاء أنّ جدّنا يَعْرُب بن قحطان هو من تسلّم اللغة العربيّة نيابة عن قومه عقب تداعي برج بابل، وتلك حكاية أخرى.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (5)

1 - amine الجمعة 17 ماي 2019 - 15:45
ملامح وجهه حزينة و تدل على حزن عميق
2 - ahmad الجمعة 17 ماي 2019 - 16:12
مرة أخرى يتحفنا الشاعر سعد سرحان بمقالة ماتعة
شكرًا له وشكرا لهيسبريس على اختياراتها العميقة
3 - Mouhcine2210 الجمعة 17 ماي 2019 - 20:44
هنيئا هسبرس بمستوى المحتوى وهنيئا للمغاربة بأقلام مثل قلم سعد سرحان الذهبي...هكذا يمكن للمواقع الإلكترونية أن تنهض بمستوى القراء إلى الرقي...بعيدا عن إيقاف نيبا وموضة مول الدلاحة ومول الكاسكيتا وحتى مول الضو والكل.. .
تحية إخوة وصداقة صادقة من محسن من فاس العزيزة...
4 - عبد المجيد الجمعة 17 ماي 2019 - 20:51
أتحفتنا كما دوما بخيالك الواسع لتداوي به جروح الواقع وسخافة الحقيقة، فالانسان لما يلتصق بشبكة اللغة يصبح عبدا لها وخاضعا لسلطتها
لكنك أصبغت عليه من جمالية أسلوبك صفات الالوهية لتجعله خالقا للمعاني ومجسدا للافكار و مصبغا روحا جديدة في كل عملية صياغة لغوية
نقاش عميق يجسد ولادة جديدة كل مرة للكلم و للمعاني وكيفية ربط الماضي بالحاضر ماضي الخرافة و وولادة الواقع من رحم المخيال
أستمتع دوما بكتاباتك و أنتظر مثلي مثل الكثيرين ما ستجود علينا به قريحتك الفنية الخصبة..
مع الشكر لفريق هسبريس على فرصة اللقاء
5 - عبد الكريم الأربعاء 22 ماي 2019 - 10:47
أي خيال هـــذا المسلمون اليوم في مواجهة مع عدو مجنون لا يريد للمسلمين أرض تأويهم وحال المسلمين اليوم هي احوال الذين أخرجوا من ديارهم "حسبنا اللهونعم الوكيل"
المجموع: 5 | عرض: 1 - 5

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.