24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

26/08/2019
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
05:2206:5413:3417:0820:0521:24
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تتوقع انشقاق حزب العدالة والتنمية بعد التصويت على "فرنسة التعليم"؟

قيم هذا المقال

4.33

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | رماد هسبريس | في حضرة المعلم حميدو*

في حضرة المعلم حميدو*

في حضرة المعلم حميدو*

وقفت صباح ذلك اليوم أمام حجرة والدي وأنا أضع يدي على خدي المنتفخ .. طرقت الباب طرقا خفيفا فسمعت تصفيقا ففهمت أنه يصلي . . تسمرت أمام باب الغرفة وأنا أسترق السمع لأعرف إن كان قد انتهى من صلاته.

فتحت الباب ووقفت أمامه وهو جالس على سجادة الصلاة .. نظر إلي باستغراب وقال:

- نزل يدك من حنكك .. وانتا كتشبه لخالتي منانا ملي مات راجلها .. شعندك ؟ علاش وجهك منفوخ

- الضرسة المسوسة بدات كتحرقني بزاف .. واليوما صبح وجهي منفوخ

- وعلاش ماجي عندي .. ياك ما قالولك كنحيد الضروس .. مشي قلعها

- وفاين هما الفلوس خصاني خمس آلاف فرنك( 50 درهم ) باش نمشي نقلعها ونرتاح

- إيوا ملي ماش نعطيك 50 درهم لكل ضرسة ونتا فمك عامل بحال التمساح شني ماش نصرف على خوتك .. ماش نوكلهوم سنانك .. يا الله . جمع راسك مشي لعند الحجام عطيه 10 دراهم

- ولكن أ الواليد الحجام ما عندوشي المسكار ( المنوم )

- وعلاش بغيتي شي بنج .. مالو غادي يفتحلك على القلب .. هادي هي الرجولة.. يا الله سير بعد من قدامي

- علاش ختي ديتيها لعند الطبيب ديك المرة .. وأنا كتسيفطني عند ديك الحجام الجاهل

- واش كاين شي جاهل بحالك .. جاهل .. جاهل .. ولكن ماشي يريحك من حريق الضرسة .. ويوفر عليا 40 درهم .. وزيدون ختك بنت والبنت ما يمكنش تتحمل الحريق بحال الولد

كان أبي رحمه الله يعتقد يقينا أن الرجل أقوى على تحمل الصعاب من المرأة.. ولطالما قارعته حول مدى قدرة المرأة على تحمل الألم .. بدأ من وجع الولادة ونهاية بالرضاعة وتحمل وجع الرأس بسبب ضجيج الأطفال وصراخ الزوج. لكنه لم يحد عن رأيه أبدا وكأن الأمر اختلط عليه وبات لا يفرق رحمه الله بين قوة العضلات والقدرة على تحمل الألم.

- يا ودي فتح فمك .. فتح فمك .. راه حريق سويعة ولا ليالي إفتح دوقمك ( فمك ).

صرخ حلاق الحي في وجهي وأنا أستعد لقلع الضرس .. لم أك يومها قد تجاوزت الرابعة عشر من العمر..

كان المعلم حميدو الحلاق يجمع في دكانه الصغير بحي المصلى بطنجة كل الحرف التي ترتبط بالإسعافات الأولية من صنع الأسنان وقلعها و المداواة بالكي والأعشاب .. وكنت وأنا ممدد على كرسي أبيض هرء أتفحص ببصري المنزعج الرفوف الطويلة المكدسة بجميع انواع الأعشاب والحشرات المجففة بينما رؤس الثعالب والضباع تحملق في بعيون ساكنة سكون الموت.

ربط يدي بحزام جلدي أسود ومسكني من فكي العلوي وحشر كلابه القذر في فمي وبدأ ينزع الضرس دون منوم وكانه يتلذذ بنظرة الضعف والخوف والهلع التي رسمت على وجهي.

تركني المعلم حميدو مربوطا إلى الكرسي والدم ينزف من فمي واتجه نحو باب الدكان مسرعا .. سمعت بعض الصراخ وفجاة رأيت عبر المرآة سيدة عجوز محمولة على الأكتاف ..

دخل نحو عشرة أشخاص بينهم سيدة وطفلة صغيرة . والكل يصرخ باسم خالتي رحمة القابلة .. مددوها على مقعد ( كنبة ) خشبية عتيقة وقد تكومت على ركن من جنباتها عشرات من أعداد مجلة الموعد والمختار فيما تكدست الصحف والجرائد فوق الأرض.

طلب المعلم حميدو من الجميع الإبتعاد عن المريضة والسماح لها بالتنفس بسهولة .. شرعوا باب الدكان وجسلوا ينظرون.. نظر عجوز إلى وجهي وقد علاه الدم بينما ربطت يداي .. فكانت الإشارات بالعين والأنين هي كل ما تبقى لي من وسائل الإتصال .. والألم يقطع عروق فمي بعد أن أخرج المعلم حميدو الضرس من سكنه وحرك العرق الرئيسي. حاولت أن أطلب من العجوز المناداة على المعلم حميدو .. فلم أتمكن من إبلاغه ففمي مفتوح بخشبة عريضة ولا أملك القدرة على تحريك الشفتين بينما دفعت الخشبة اللسان نحو الحلق ليترك على جنب من الفم الضرس عاريا للهواء الذي كان يلفح عرقه العاري مما يسبب ألم لم تك لي طاقة به , كاد مخي بالتلف من فرط الألم. مرت الدقائق مثل القرون وأنا أتابع مرغما عملية الإسعاف الطارئ التي بدأها المعلم حميدو .. كان يضغط بكلتا راحتيه على صدر خالتي رحمة وكأنه يستنجد القلب أن ينبض .. والجميع يراقب في صمت ..

إلتقط سمعي صوتا خافت يقرأ القرآن وأخر يكبر ويكرر اللطيف فيما بدأت السيدة الوحيدة بين الحضور تصرخ وتولول بأعلى صوتها لولا أن نهرها أحد الرجال. فسكتت للتو وكأنها جهاز ترانزيستورقطع عنه التيار الكهربائي.

سمع الجميع شهقة خالتي رحمة القابلة فتنفس الكل الصعداء .. وعلت وجوههم الفرحة إلا تلك المرأة التي انقلبت قسماتها إلى إحساس بالمرارة والأسف .. وتوجهت نحو ذات الرجل الذي نهرها من قبل وهي تقول :

- وانتينا حماق .. آ العربي .. هاد يماك ما غاتموت حتى ماش تدفنكم كولكم وهي لي ماش تورت فيكم واحد بواحد.

- وسكوت الله يعطي ليماك اللقوة يا وجه الغراب.

- وجه الغراب ؟ حيت تابعاك و جارني معاك انتينا وهاذ المصيبة ديال يماك.

- واش عوض ما تقولي الحمد لله على السلامة .. كتمناي ليما الموت

توجه المعلم حميدو بمعطفه الأبيض القصير نحو المغسلة .. وكله يتطاير مثل الطاووس .. بدا يشرح لأسرة خالتي رحمة العوائق الصحية التي تواجهها السيدة العجوز وما يجب تفادي أكله . ثم صعد السلم الخشبي البني وتناول من أحد الرفوف العالية كيسا كبيرا محشوا بنوع من الأعشاب البرية .

كان يتم تجارته الطبية المعقدة وكأنه لا يعلم بأنه ترك وراءه فما مفتوحا وضرسا في منتصف القلع .. بدأت أضرب بقدمي طاولة الخشب التي تنتصبه فوقها المرآة .. فهرع المعلم حميدو نحوي وهو يسب ويلع

- وا شعاندك آبنادم .؟ راني كنت كنعتق روح .. وزيدون .. هاذ الضرسة عندك فشي شكل ؟؟!!

بح صوتي من الصراخ والعرق يتصبب من كل بدني وكان رأسي يتدحرج على حافة الكرسي الخشبية الحادة والملعم حميدو يجر بكل ما ملك من جهد الضرس وهو يرغد ويزبد ويلعن أسافيل اليوم الذي رآني فيه.

تركني بعد أن فك وثاقي .. ألقيت في وجهه العشرة دراهم وانا لا أكاد اقوى على المشي من الألم ..

نزلت شارع المصلى الرئبسي في اتجاه حي عين قطيوط حيث بدأت أغازل الطريق بجري خفيف .. وصلت حي بال فلوري . فرأيت والدي وهو يتهيأ للخروج فأسرعت قليلا للحاق به. انحنيت وقبلت يده فسألني عن أحوالي بعد خلع الضرس ؟ حركت رأسي في إشارة بالإيجاب .. وضع يده على كتفي وربت رالأخرى على رأسي وقال

- ماشي غير آجي وكون راجل

مرت السنوات والعقود وأنا ما أزال أخاف زيارة أطباء الأسنان بالرغم من كل أنواع التخدير التي يوفرها الطب الحديث .. وما زلت اذكر ذلك الدكان المتسخ بحي المصلى بمدينة طنجة والسؤال يلاحقني في كل يوم من حياتي

- ماشي غير آجي وكون راجل

*مقتطع من المجموعة القصصية بين الأخضر واليابس

موقع الكاتب على الفايسبوك
http://www.facebook.com/TVElmuhajer


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (3)

1 - سعيد الخميس 17 يناير 2013 - 17:50
المهم أسيدي سعيد
راك عزيز عليا بزاف
و حق الله العظيم
و الله يرحم الوالدين و صافي
و لي ماعرفك خسرك
الله يعطيك الصحة الحبيب
2 - إدريس محمد الخميس 17 يناير 2013 - 23:41
هل هو ماضي بسيط أم مركب ،لم اقرأ للشريبي او الطاهر انه أدب المهجر، ربما ماضي فقير حيث الزمن بطيء مع وحدة الإيقاع في كل أرجاء المعمور،يقال الآن ان الزمن انهار، تقاطع سنفونيات ،زمن الراعي في الجبال طبيعي ،في القرى وتيرة الأحداث اكتر سرعة ،بطيئة عند الحجام وسريعة ومتنوعة عند رجل السلطة ومن عاد يهتم بزمن جاره ،في المدن تتواجد جميع الأزمنة على اختلاف إيقاعاتها لعب القمار لم يعد كما في الماضي هروب من الرتابة ولكن اضحى نجاة من فوضى الأحداث والبحث عن فاعلية لصنع زمن داتي وليكن انتصارا او هزيمة ،تعمل الآن لتصبح عاطلا غدا، العزم،الصبر والقوة ، بعد السيف والرمح ،وضعتهم الآلة على الرصيف ،العامل بدون شهادة مهنية او رخصة قيادة، انسان مؤقت ، جل الحرف اضحت تستعمل الآلات ،الهنود والمصريون يحاكون الواقع ،البرازيليون يلعبون، نحن بين هدا وداك،والزمن اوالحدث الحقيقي يبنى في مكاتب ناطحات السحاب وفي قيادة طائرة الشبح، ولا يصلنا الا تداعياته وهي حياتنا ،من لم يقنع بدلك القليل عليه الرحيل إلى الهيمالايا مع الماويين او الصحراء الكبرى مع الإسلاميين ،ودلك ربما أدب لم يكتب بعد،أدب الهامش او الزمن التراجيدي .
3 - بنعيسر السبت 19 يناير 2013 - 12:38
اضحكتني هذه القصة الرائعة ، و اجمل ما فيها حسن الصياغة و القدرة الكبيرة للكاتب على نقل صورة محسوسة للقارء و كانك ترى ما يجري بكل تفاصله ، قصة تحمل من العبر الشيء الكثير ،و بالفعل تنقل واقع حقيقي لطبقة حقيقية تعيش من البؤس و الفقر ما يعلها تتداول الالم فيما بينها كانه عملة موحدة تشترك فيه و نحن هنا بدورنا لا يختلف احساسنا عن احساس الكاتب .
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

التعليقات مغلقة على هذا المقال