24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

08/07/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
04:3306:2013:3717:1820:4622:18
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأربعاء
الخميس
الجمعة
السبت
الأحد

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

ما رأيكم في انتشار فيروس "كورونا" الجديد عبر العالم؟
  1. رأي أممي يسأل الجزائر عن الوضع الحقوقي بتندوف (5.00)

  2. حر شديد يومَي الثلاثاء والأربعاء بمناطق في المملكة (5.00)

  3. قنصلية المغرب بدبي تستصدر تأشيرة لعائلة عالقة (5.00)

  4. أمزازي ينفي "شكايات الرياضيات" .. وتحقيق يرافق "صعوبة الباك" (5.00)

  5. التوفيق يكشف تفاصيل تدبير إعادة فتح المساجد للصلوات الخمس (5.00)

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
Covid Hespress
الرئيسية | منبر هسبريس | الهوية ودمقرطة العمل السياسي

الهوية ودمقرطة العمل السياسي

الهوية ودمقرطة العمل السياسي

الهوية الثقافية، المنطق السياسي، ورهان تحقيق المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي بالمغرب

عندما نسعى كمجتمع إلى السلام، وترسيخ قيم التسامح، والإيمان بالاختلاف مع الآخرين، وتحقيق التقدم... يواجهنا إشكالا معقدا يتعلق بوضوح المنطق السياسي في البلاد حيث يسود الغموض كل ما يتعلق بآليات تفعيل الديمقراطية كمرادف لحكم الشعب، وبمقومات المشروع المجتمعي الذي تطمح الدولة لتحقيقه. ويرتبط هذا الإشكال بإشكاليتين رئيسيتين تتعلق الأولى بضرورة الحسم في مسألة الهوية بشكل نهائي، والثانية بضرورة تحديد طبيعة وأسس العمل السياسي الذي يفرض حالة استعجال لمواجهة ما أسماه عبد الله ساعف ب"الردة السياسية" وما أسماه عبد الهادي خيرات بحالة "احتقان سياسي". ومن أجل ذلك سنتناول هذا الموضوع من زاويتين، نخصص الأولى لمسألة الهوية المغربية وما تواجهه الدولة من إكراهات داخلية وخارجية، والتي تفرض الاعتراف بتعدد الثقافات وتصالح الحضارات وتسعى لبلورة مقومات مجتمع مدني كوني، والثانية للمغرب السياسي وإشكالية تحديد مختلف التداخلات والسلط بوضوح تام وآليات إنتاج النخب. وللتوضيح فقط، إن اختيار الزاويتين كنقطتين أساسيتين في هذا الموضوع راجع إلى إيماننا القوي بتداخل السياسي بالهوية كتراث للمجتمع المغربي وما يرتبط بذلك من بدع مزعومة لا تمت بصلة للمنطق العقلي الديني أو المعرفي. وتبقى الإجابة عن السؤال التالي محورا أساسيا في مجال البحث عن المداخل الضرورية لخلق التصالح بين الهوية ودمقرطة النظام السياسي المغربي وتحديثه: كيف يمكن تحويل مقومات هويتنا إلى موروث مجتمعي في خدمة الديمقراطية والحداثة ومن تم الاندماج السهل في المنظومة الدولية التي تقدمت كثيرا ثقافيا، وسياسيا، واقتصاديا، وتكنولوجيا، واجتماعيا ؟

1. مسألة الهوية والحاجة إلى تحقيق اندماج ثقافي دولي

لننطلق من المبادرات العديدة التي نظمها المغرب للتعبير عن إرادة الدولة للتعبير عن قيم التضامن، والتسامح التي يتميز بها المجتمع المغربي والتي كان آخرها حفل التسامح الذي نظم بأكادير يوم السبت 17 أكتوبر 2009، ولنطرح السؤال: هل يكفي تنظيم مثل هذه التظاهرات لتحويل الهوية المغربية إلى نموذج خاص يؤمن بالتفاعل الإيجابي مع ثقافات الآخر، وتصالح الحضارات؟

في اعتقادي، مثل هذه المبادرات لا يمكن أن تكون إلا واجهة إشهارية تعبر عن التقدم في تحقيق مقومات مشروع المجتمع الديمقراطي الحداثي الذي تسعى الدولة لتحقيقه وتثبيته بشكل نهائي. هذا المشروع الذي ينتظر منه أن يساهم بشكل حاسم في استقرار البلاد سياسيا وتحويل المغرب السياسي إلى رافعة قوية للمغرب الاقتصادي والاجتماعي. إنه رهان التقدم في تحويل الدولة إلى ملك جماعي للشعب وانعكاس لتفاعلات فاعليه ومؤسساته الرسمية وغير الرسمية، أي تحقيق الاندماج التام بين المجتمع والدولة في إطار منطق سياسي سليم تندثر من خلاله الروابط المفتعلة بين العنف والإرهاب والمرجعية الدينية التقليدية ومقاومة الإصلاح ويفتح الباب على مصراعيه للعقل والتفكير العلمي. ما يحتاجه مغرب اليوم هو توضيح الروابط بين الهوية بتقاليدها السياسية والمجتمعية والمقومات الحداثية للنظام السياسي في اتجاه تحقيق التناغم بين فكرة التطابق مع النفس وفكرة التطابق مع الآخر موازاة مع السعي إلى تحقيق اندماج فعلي ودائم في هوية عالمية أساسها اقتسام القيم الإنسانية والتقدم التكنولوجي والاقتصادي وتسخيره لخدمة عولمة التنمية والمساعي الرامية إلى خلق روابط ثقافية مشتركة والجمع بين الشعوب بغض النظر عن اختلافهم. وأعتقد، أن استمرار المغرب في مجهوداته لخلق التراكم الإصلاحي يعتبر شرطا أساسيا لبلوغ هذا الهدف. إن ما راكمه من تجارب سياسية ومجتمعية، وما يعرفه من خطابات معبرة عن الإرادة للدفع بعجلة الإصلاح إلى الأمام، بإمكانه أن يشكل دعامة أساسية لتحويل تراب البلاد إلى جسر للتواصل الثقافي بين شعوب الشمال والجنوب، كما بإمكان تركيا أن تلعب نفس الدور بين الغرب والشرق والعالم الأسيوي. وبهذه الجسور، سيستفيد المغرب لا محالة من تجاوز القضايا الاجتماعية والسياسية المعاصرة التي تدور حول ادعاءات متضاربة لهويات بائسة لا منفعة وراءها وبعيدة كل البعد لما يدعو إليه الدين من قيم التسامج واستعمال الألباب. كما أن من شأن تقوية هذه الجسور أن تجنب العالم بأسره ما عرفه في السنوات الأخيرة من أحداث العنف والاعتداءات والفوضى والاضطرابات المروعة، وكذا صراعات بغيضة. إن تقوية المقومات الثقافية والسياسية لهذه الجسور وخضوعها لمنطق الاندماج سيساهم لا محالة في تفنيد الادعاءات التي تتمادى في ربط المواجهات العنيفة التي يعرفها الكوكب الأرضي بطبيعة الانقسامات الدينية أو الثقافية في العالم، وفي دعم التوجه الذي يعتبر العالم كفدرالية من الأديان والثقافات والحضارات تمكن الفرد من أن يرى نفسه مطابقا لنفسه ومطابقا لثقافة كونية مشتركة بمقومات وقيم حداثية. فبعد أن تجاوز العالم التصنيفات المعتمدة على القوميات والطبقات، عليه اليوم أن يتجاوز وبسرعة فائقة المقاربات الانعزالية التي تسعى إلى ترسيخ وهم التصنيفات الدينية والحضارية وابتداع الطرق لإساءة فهم الأشخاص في العالم. وهنا لا بد من التذكير بالنسبة للمغرب، أن مروجي هذه الأفكار الرجعية ومعرقلي الإصلاحات السياسية ﴿جيوب المقاومة﴾، بالرغم من قلتهم مقارنة مع أغلبية الشعب ﴿القوات الشعبية﴾، لا زالوا يتمتعون بهامش كبير من الحرية لتحقيق أهدافهم ومصالحهم على حساب بناء الوطن المتسامح والمندمج دوليا.

إن العالم حولنا قد تغير ويتغير بسرعة فائقة وأصبح الناس يرون أنفسهم أعضاء لعدد متنوع من الجماعات ويعتبرون أنفسهم ينتمون إلى مجملها. إنه واقع يرفض الهوية الوحيدة المتعصبة الانفرادية للشخص، ويفرض حقيقة الهويات المتعددة بشكل لا مفر منه. فالشخص نفسه يمكن أن يكون، دون أي تناقض، مواطنا أمريكيا، من أصل ياباني، وينحدر من أسلاف أفارقة، ومسلما، ومؤرخا، وروائيا، ومناصرا لقضايا المرأة، ومحبا للمسرح والسينما، ومناضلا من أجل قضايا البيئة، وعازفا لموسيقى الجاز،... بكل هذه النشاطات والميولات والهويات، لا يمكن التكلم عن الهوية الوحيدة للشخص أو فئة العضوية الانفرادية، بل يتعلق الأمر بشخصية خاصة ومتميزة تتطور مقوماتها بشكل لا مفر منه.

بالطبع، الذي لا يتمكن من مسايرة هذا التطور الثقافي والتكنولوجي ينمو عنده إحساسا بالحتمية حول هوية يزعم أنها فريدة، وغالبا تميل إلى العنف والقتال من جراء عدم القدرة على مسايرة التقدم بمختلف جوانبه، وبالتالي يتحول وهم فرض هوية فريدة في غالب الأحيان إلى أحد المكونات الحاسمة من "النزعة المتطرفة" التي تميل إلى الاندفاع القتالي لإثارة المواجهات الطائفية. لقد تأكد تاريخيا أنه عندما يسيطر هاجس توحيد التقسيمات المتنوعة في العالم في نظام تصنيف واحد مهيمن مزعوم ـ يعتمد على الدين، أو الثقافة، أو الأمة، أو الحضارة،...ـ تتعرض الإنسانية المشتركة إلى تحديات وحشية ﴿العولمة المتوحشة، والتطرف الديني كنموذجين معاصرين بارزين﴾. إن النزعات التي تطمح إلى تقسيم العالم بشكل فريد غالبا ما تكون سببا لإثارة الشقاق، والنزاع بكثير من التصنيفات الجمعية والمتنوعة التي تشكل العالم الذي نعيش فيه. والحقيقة شيء آخر، وهو أننا نتميز باختلافات متنوعة قابلة للتعايش. وعليه، فبمجرد الاعتقاد في الأمل في أن يسود الانسجام في العالم المعاصر يمكن أن يدفع شعوب العالم إلى البحث عن فهم أوضح لتعددية الهوية الإنسانية مع إمكانية توسيع هامش القيم المشتركة عن طريق التفاعل وعمليات الإقناع والاقتناع ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾، وبالتالي ترجيح تقدير حقيقة جديدة مفادها أن البشر بإمكانهم خلق جو من التواصل العالمي يقف ضد كل المزاعم التي تهدف تحقيق فصل حاد بين البشر على أساس خط واحد متصلب في التقسيم الذي لا يمكن عبوره.

وختاما لهذه الفقرة نقول أن التمادي في تكريس التقليد وطنيا ودوليا وإغفال حقيقة تعدد انتماء سكان العالم، وحاجتنا إلى الاختيار والتفكير لن يزيد الدول بصفة خاصة والعالم بصفة عامة إلا إبهاما وغموضا. فعندما نتكلم عن تعدد الانتماءات لا نقصد فقط الاعتراف بحرية الاعتقاد، وباختلاف الحضارات، وتنوع الثقافات، بل الاعتراف كذلك بالهويات الأخرى التي يتمتع بها الصنف البشري ويقدرها على حسب مشروعيتها، والتي تتعلق بالطبقة، والنوع، والمهنة، والذوق، واللغة، والعلم، والأخلاق، والسياسات،... إن الإيمان بالاختلاف كمعطى واقعي لن يغذي الثقافة العالمية إلا في حالة اتمام مشروع خلق مجتمع مدني كوني بقيم مشتركة قادر على مواجهة وهم الهوية المتفردة وما يسببه من نزاعات وأعمال وحشية في العالم. إن ما عرفه العالم خلال العشرين سنة الأخيرة قد أكد أن إثارة القوى السحرية لهوية مزعومة السيادة والهيمنة تحجب كل الانتماءات الأخرى لم يستفد منها أحد بل تحولت إلى نقمة تهدد مستقبل الشعوب. لقد عاشت العديد من الدول عنفا عارما مصنوعا على مستوى الوطن، وإرهابا وعنفا مدبرا على مستوى كوكبي. إن عالم اليوم بأوطانه وأنظمته السياسية أمام تحد كبير يطالبه بإعادة فحص وإعادة تقييم بعض الموضوعات الراسخة جيدا، مثل العولمة الاقتصادية، والتعددية الثقافية، وما بعد الكولونيالية التاريخية، والعرقية الاجتماعية، والأصولية الدينية، والإرهاب الكوكبي... إنها دعوة لإعادة تقييم الموضوعات السالفة الذكر على أساس الاعتراف بتعددية الانتماء البشري ومواجهة إيديولوجيات الفكر الواحد، وتجاوز التقليد بمختلف تداعياته ﴿إنتاج الخنوع، والعنف، والتسلط،...﴾ من خلال فتح المجال للتفكير الحر، والاحتكام للمنطق العلمي في أمور السياسة، والاقتصاد، والتربية باعتبارهما موجودات مشتركة في عالم متسع بإمكانها لوحدها أن تساهم،كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، في تطور مجتمع مدني كوني.

2. المغرب السياسي رهان تحقيق المجتمع الديمقراطي الحداثي

بعدما تكلمنا في مقالين سابقين على صفحات هذه الجريدة عن حاجة البلاد إلى إصلاحات سياسية جديدة ﴿المقال الأول1:المغرب في مفترق الطرق والحاجة إلى إصلاحات سياسية جديدة. المقال الثاني: الحكم الراشد أساس الإصلاح السياسي وسيادة القانون﴾، نعود من خلال هذا المقال، بعد استحضارنا لمحتوى الفقرة الأولى أعلاه، لمناقشة طبيعة تطورات النظام السياسي المغربي ورهان تحقيق مشروع المجتمع الديمقراطي الحداثي. وقد أثارني في هذا الأمر محتوى القراءة التي قام بها عبد الإله بلقزير للكتاب الجديد لعبد العروي المعنون "من ديوان السياسة" ﴿جريدة الأحداث المغربية عدد 3864 بتاريخ 17ـ18 أكتوبر 2009﴾ خصوصا ما قاله بشأن وضح المغرب السياسي ومنطقه باستحضار ماضيه، وحاضره، ورهانات مستقبله.

لقد قال عبد الله العروي أن في المغرب السياسي صور من التداخل بين النماذج الثلاثة للدولة؛ بين "دولة الواحد" [التي تأخذ شكل ثنائية الملك/الطاغية:الملك حيث تقترن عنده الرهبة بالإلهام ﴿وهما قوتان تنفصلان عند السلطان﴾، والطاغية حيث يقيم السيف مقام السلطة غير المرئية]، و"دولة القلة" [تأخذ شكل الحكم الفاضل/الحكم الرذيل: حكم من وازعه الفضيلة، وحكم من تستبد به الرذيلة]، و"دولة الجمهور" [تأخذ شكل ثنائية الديمقراطية/الديماغوجية، الأول حكم العقلاء، والثاني حكم الرعاع]. ويضيف بشأن هذا التداخل أنه مشوب بالالتباسات ولا يشبه "الدولة المركبة" التي تبحث عنها الهندسة الدستورية الحديثة.

ولتفسير مرجعيات هذا التداخل الملتبس، قال العروي أن الدولة بالمغرب محكومة بثنائية عريقة:منذ الاحتلال الفرنسي قبل زهاء قرن، هي ثنائية دولة المخزن/دولة الحماية. وقتئذ كانت الثنائية في شكل دولتين على بلد واحد: الأولى على رأسها سلطان يتمتع برأسمال الشرف والنفوذ الروحي ويملك الإمرة والإمامة في الحدود التي لا تتعارض مع سلطة دولة الحماية. أما هذه ـ الدولة ـ فانتزعت الجيش والإدارة من السلطان لتترك له القضاء الشرعي والأوقاف والحسبة ﴿هي متعلقات القضاء﴾. لكن الدولتين تركبتا في دولة واحدة حوفظ لها ـ صوريا ـ على وحدتها السياسية... انهار نظام الحماية، لكن الازدواجية لم تنهر، استمرت تعيد إنتاج نفسها داخل الدولة ولكن جمعت بين يدي السلطان سلطات "الدولتين". ثم ما لبث "الدستور الممنوح سنة 1961" أن سعى في التعبير عنها في شكل لم يحي الماضي تماما ولا استجاب لتطلعات الوطنيين تماما. وكان هذا الوضع الملتبس للدولة والدستور في المنزلة بين المنزلتين هو الذي غدى باستمرار شعار، ومعادلة، الأصالة ـ المعاصرة في الخطاب السياسي.

وبخصوص مستقبل المغرب السياسي، العروي لا يحبذ "العودة إلى المنطق واستئناف العملية الدستورية من الصفر"، بل دعا إلى الانتقال من الصراع على الدستور إلى الصراع في الدستور عبر آلية التأويل الذي يجب أن يركز على محور تجاوز التأويل السلفي الذي يستمر في مادة التقليد داخل الدستور، ليحل محله التأويل الديمقراطي في مادة التحديث. وفي نطاق هذا التأويل الأخير يستفيض العروي في بيان الحاجة إلى تأسيس النظام الديمقراطي على الديمقراطية المحلية لفك المعضلات الجهوية والثقافية ﴿كالأمازيغية وسواها﴾ عبر تفويض الجهات، ولتمرين المجتمع على الديمقراطية في أفقها الوطني ـ المواطني الأعلى ـ ... واعتبر هذا التوجه بمثابة ترويض ضروري لتأسيس التربية على المواطنة، لتحقيق الطلاق مع تربية الأم، مع الموروث للاستعاضة عنها بالتربية المدنية الحديثة... وأضاف العروي، أن بهذا التوجه كأفق وحيد مفتوح أمام التقدم، الذي قد يأخذ منا جيلا أو جيلين، ستصبح الأحزاب أحزابا، لا قوى ضعيفة، مشدودة إلى ثقافة التقليد، والانتخابات انتخابات وليس تصويتا فئويا، والدستور دستورا وليس بيعة مستحدثة، والمواطنون مواطنين لا رعايا. حينها، لن يحكم الواحد ببطانة، وإنما بنخبة لم تعد ضعيفة لأن الشعب لم يعد أميا.

في الحقيقة، بقدر ما نتفق مع المفكر العروي، بقدر ما يتبادر إلى ذهننا عدة تساؤلات بشأن الأفق الذي حدده وآلية التأويل الحداثي كنقطة انطلاقة للإصلاح لتحقيق الديمقراطية والحداثة. وأول سؤال محير تبادر إلى ذهننا فهو كالتالي: لمن يوجه هذا التحليل هل لجلالة الملك كمؤسسة قوية ومحورية في النظام السياسي المغربي، أم للأحزاب الوطنية وعلى الأخص الإتحاد الاشتراكي بفكره الحداثي، أم للمجتمع، أم للجميع ملكا، وأحزابا، ونقابات، وجمعيات، ومجتمع...؟. واستحضارا لدعوته لهدم فكرة الدولة المثالية ﴿دولة الفرابي، ولوك، وروسو﴾ لبناء الدولة الواقعية ﴿دولة ابن خلدون، وميكافيلي، وهوبس، ومونتسكيو، والمعاصرين الواقعيين﴾، نرجع السؤال التالي إلى المفكر العروي: في واقع سياسي مشوب بالالتباسات والتداخل للنماذج الثلاثة للدولة، تقوت فيه جيوب المقاومة وتغذت منه النزعات الرجعية الانهزامية غير القادرة على مواكبة التطورات السياسية، والاقتصادية، والتكنولوجية العالمية، هل الاعتماد على تأويل الدستور يمكن أن يشكل آلية للاستثمار في مادة التحديث؟. هل في تقدير العروي أن الإرادة السياسية للدولة المغربية وما واكبها من إصلاحات سياسية ابتداء من 1998، يحمل بوادر ومؤشرات ترجح عزمها لجعل آلية التأويل الحداثي آلية لبناء الدولة الديمقراطية الحداثية؟. هل بالفعل لم يحن الوقت لتقوية السلط الأربع المعروفة ﴿التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، والإعلامية﴾ كآلية لتقوية سلطة الدولة والنظام الملكي في زمن مهدد بالأزمات والتقلبات السريعة؟.

نطرح هذه الأسئلة الجوهرية ونحن نؤمن بتعقيد وضع المغرب السياسي، وبخضوع آلية تأويل الدستور لموازين القوى ولمصادر السلطة في الدستور نفسه. وبخصوص السقف الزمني الذي أشار إليه الأستاذ العروي لخلق التحول في النظام السياسي المغربي﴿جيل أو جيلين﴾، أعتقد أن المتغيرات السياسية والاقتصادية التي يعرفها العالم وحجم الهوة التكنولوجية والاقتصادية التي تعاني منها الدول السائرة في طريق النمو، لا تسمح بالانتظار، بل تفرض حالة استعجال لعقلنة العمل السياسي ولو في مرحلة أولى بجعل الحكومة مسؤولة أمام البرلمان وأمام الشعب من خلال آلية التعاقد على أساس البرنامج الإيديولوجي الحداثي مع ضرورة تقديم الحصيلة في آخر الفترة الانتدابية. فلا يمكن أن نتكلم عن الحداثة بدون عقلنة العمل السياسي. فالإرادة في الاندماج في عالم تعدد الثقافات، وتصالح الحضارات، والتطابق مع النفس وقبول مرجعيات وثقافة الآخرين، تبقى مرهونة بمدى قدرة النظام السياسي المغربي على تحقيق التناوب على أساس الايدولوجيا والفكر بين يسار ويمين.

وفي الختام نذكر ببعض الاستنتاجات التي خلصت إليها مختلف الدراسات الميدانية في مجال العلوم السوسيوسياسية عبر مراحل. وبصفة عامة، نجد أن المغرب قد عرف أنماط متعددة من النخبة المحلية. ففي زمن الصراع السياسي، اعتمدت الدولة على الأعيان التقليديين المنحدرين من عائلات مرتبطة بالسلطة والذين يملكون أراضي فلاحية وحضرية شاسعة تمكنهم من التأثير على الحياة المحلية. وكان دور هؤلاء يقتصر على مراقبة السياسة المحلية من خلال تضييق الخناق على نخب الأحزاب المعارضة. بالطبع، هذه الخدمة المقدمة للنظام السياسي لم تكن مجانية بل كان مقابلها إتاحتهم الفرصة للتمتع بهامش واسع من الحرية يمكنهم من خدمة مصالحهم وتنمية ثرواتهم من خلال خطة اقتصادية مخطط لها. فالإرادة السياسية لتكسير الروابط القبلية المتينة والسائدة أنذاك لم تضح بشبكة الأعيان القرويين. لكن، بالرغم من تسطير الخطط وتوفير مصادر تمويلها ومصاحبتها بمنطق ريعي بشع لم تستطع الدولة السيطرة على المدن سياسيا. فالنخب المشكلة من رجال التعليم، والموظفين، والعمال، والحرفيين، والصناع، والمستخدمين في القطاع الخاص، وبعض المقاولين الشرفاء،... قد تمكنت من عرقلة تحقيق أهداف منطق الدولة نتيجة حماسهم واقتناعهم بمشروعية مشروع الحركة الوطنية والأحزاب المنبثقة منها. ونتيجة لهذا التقابل السياسي ﴿النخب الحضرية/النخب القروية﴾، لم تتغير هيكلة النخب جراء إجراء مختلف العمليات الانتخابية لسنوات 1960، 1963، 1969، بالرغم من شيوع الفساد وظاهرة التزوير. وفي سنة 1976 ﴿سنة إصدار الميثاق الجماعي﴾، كان منطق الدولة واضحا ويتجلى في تحقيق ما عجزت على تحقيقه سابقا وهو إضعاف الأحزاب الديمقراطية من خلال خطة جديدة. لقد تم دفع الأعيان إلى تشكيل شبكة أتباع بدون انتماء سياسي في المدن. وبالفعل، فالانتخابات الجماعية عرفت مشاركة 42607 مرشحا كان منهم 24876 بدون انتماء سياسي. لقد اتخذت الدولة قرار انطلاق هذه المبادرة ﴿تحويل اختصاصات من السلطة المحلية ﴿القواد والباشوات﴾ إلى المجالس المحلية﴾ بعدما تأكدت من توفرها على إدارة ترابية قادرة على تحقيق منطقها السياسي والرامي إلى إضعاف اليسار بمختلف توجهاته في المدن. وفي هذا الشأن قال بارجو (Parejo)أن هذه الانتخابات شكلت مناسبة لتشكيل أسس جديدة للنظام السياسي بعد فترة طويلة من حالة الاستثناء وغياب المؤسسات التمثيلية ﴿بارجو، عنوان كتابه: النخب السياسية المغربية: البرلمانيون 1977ـ93 الصادر سنة 1997﴾. بعد كل هذه الخطط، السياسية والموارد المالية والبشرية التي سخرت لتنفيذها، خلص الفاعلون الأساسيون في البلاد أنه ليس هناك من حل سياسي إلا التوافق من أجل خدمة الوطن والمواطنين.

واليوم، بعد ارتفاع وثيرة التمدين، ورفع العزلة على العالم القروي وتمكين تراب مختلف الجماعات من التجهيزات الأساسية والاجتماعية ﴿الإنارة، الماء الصالح للشرب، الطرق والمسالك، دور الطالب، دور الطالبة، مراكز التكوين والتربية، ....﴾، وتحقيق المصالحة مع الماضي وتقوية آلية التوافق بشأن المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي،...، وما لذلك من تأثير على آلية الانتخاب ودوافع ودواعي عملية الاختيار الانتخابي، أصبحت البلاد في حاجة إلى تحقيق نقلة نوعية في طبيعة النظام السياسي. نقلة تتجلى عن هاجس خلق التوازن بين الملكية والطبقة السياسية خصوصا وأن الوضع الدولي اليوم لا يتيح اختيارا آخر لتقوية الدولة ﴿النظام الملكي بالنسبة لنا﴾ إلا عبر تقوية الأحزاب والطبقة السياسية.

المطلوب اليوم ليس استغلال الهندسة الإدارية واختصاصاتها وآلياتها لتقوية النخب الجمعوية على حساب النخب السياسية، بل تحتاج البلاد إلى إعادة الاعتبار للسياسة من خلال ربط العمل السياسي بركائزه الخمس: العمل الحزبي، العمل الشبيبي، العمل الجمعوي، العمل النسائي، العمل النقابي. نقول هذا ونحن نعلم أن اختصاصات العمال والولاة والميزانيات المفوضة لهم بشكل مباشر ﴿الميزانية الإقليمية، الميزانية الجهوية، الميزانية العامة، ميزانية الإنعاش الوطني، ميزانية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الميزانية الخاصة بتأهيل المدن،...﴾، وبشكل غير مباشر ﴿الميزانيات المفوضة في إطار اللاتركيز الإداري لمختلف المندوبيات والمديريات الإقليمية والجهوية﴾، تجعلهم قادرين على توجيه العمل الجماعي والتحكم فيه. فهم الذين يشرفون على برمجة اعتمادات الميزانيات السالفة الذكر على شكل مشاريع على تراب الجماعات الحضرية والقروية التابعة لنفوذهم. فالعامل أو الوالي كمؤسسة ليس سلطة إدارية بل سياسية، من المنطقي أن ترتبط بدورها بآلية البرنامج الإيديولوجي للحكومة مع ضرورة تقديم الحصيلة.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (2)

1 - صحفي بدون الخميس 05 نونبر 2009 - 12:08
ما دور النخب والأحزاب المناضلة (اليسار عموما) في التحديث الذي لن يكون هبة من الدولة؟ للأسف هناك من ما زال يعول على بعض فصائل المخزن لتقوم بدور ما في ذلك، وهذا لن يكون، مادامت تشتغل داخل بنية مخزنية موحدة الآلية ولو بها فسيفساء ضبابية، المخزن يخشى دائما الأزمات، كل أزمة تجعله يخطو خطوة حذرة، أما غير ذلك فالمقاومة شرسة جدا ضد كل تغيير، ومن لهم مصلحة في ذلك تنخرهم الخلافات وعدم التحكم في آليات الاقتصاد، علما أنه لم يتشكل في المغرب تيار ليبرالي، لأن المقاولة ارتبطت باقتصاد الريع وتقربها من المخزن، ولم يحدث أنعبر تيار مجتمعي صراحة عن خلفيته الليبرالية الصريحة باستثناء قلة كالعروي مثلا لاعتبارات تاريخية يؤمن بها.. لك تحيتي أيها الكاتب الصديق الذي أخيرا تحدث عن دور العمال في الكبح والمراقبة.
2 - الحسيمى الخميس 05 نونبر 2009 - 12:10
مقال فى المستوى ,يستحق القراءة والتامل
اما مقاليك السابقين فانهما يناقظان هدا المقال فى المنطلقات والمظمون , الى درجة الغرابة, لو المقالين السابقين بين ايدينا لاطلعتك على فقرات منه تفيد عكس ماتقوله الان ,وكنت قد علقت على مقاليك و_انت تشيد بالتجربة المغربية ,, وانه على الطريق الصحيح ,,وانه قفز قفزات نوعية فى تحقيق الاصلاح بفظل الملك الشاب_ وسالتك عن علاقة صلاحيات العمال والولاة وفصل السلط وحكم المواج وصلاحيات الحكومة بقراميل التقدم الديمقراطى والتنموى للشعوب , ها انت عدت بدات تلامس الجرح يااستاد, فمزيدا من الجراة
مصداقية المثقف فى جراته
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

التعليقات مغلقة على هذا المقال