24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

19/01/2020
الفجرالشروقالظهرالعصرالمغربالعشاء
06:5908:2913:4316:2518:4920:07
الرطوبة : %50
الرياح : 50km/h
20° 10°
20° الدارالبيضاء
20°
الأيام القادمة
الأحد
الاثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تؤيد إسقاط الفصول المجرّمة للحريات الفردية من القانون الجنائي؟
  1. الممتلكات العامة (5.00)

  2. 3 قاصرين يسرقون المارة باستعمال كلب "بيتبول" (5.00)

  3. رصيف الصحافة: القصر الملكي في أكادير يتحوّل إلى منتجع سياحي فخم (5.00)

  4. المغرب ينتقد ألمانيا ويرفض الإقصاء من "مؤتمر برلين" حول ليبيا (5.00)

  5. إطفاء الإنارة العمومية يسائل المردودية الطاقية لـ"الساعة الإضافية" (4.67)

قيم هذا المقال

0

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | منبر هسبريس | التسوّل الإفريقي

التسوّل الإفريقي

التسوّل الإفريقي

من المظاهر الملفتة بمدينتي في الوقت الراهن تسول من طراز خاص برز على سطح الأحداث منذ قرابة عقد من الزمن ، أعداد هائلة من رجال ونساء جنوب الصحراء يسربلهم البؤس وترسم النظرة إليهم أزمنة من القهر المخدوم جراء تكالب حرمان الطبيعة وهيمنة أنظمة الحكم المستبدة ، إن النظرة المتفحصة العميقة في ظاهرة ما بات يعرف بالتسول الإفريقي وجع إنساني ضارب في أدغال العبث العولمي الجارف ، وتعتبر-ممنتيا- نموذجا صارخا للظاهرة ، سيدة افريقية في حوالي الثلاثين من العمر مفتولة العضلات قوية البنية ذات عينان مشعتان زائغتان ، متأهبة للمسح وللإصغاء كما لو أعدت لذلك ، تجرجر صبيا لا يتجاوز عمره السنتين اوثلاث على أبعد تقدير ، وإذا كان لابد من استحضار ظروف نشأة هذا الصبي ونموه ، فإن الأمر سيغدو صاعقة بلا جدال . فالذاكرة قد لا تسعف أحيانا على التقاط بشاعة المرحلة ، لكنها ترغم على التفكير آنيا في توفير ما تسد به الرمق ، أي الحد الأدنى للعيش موازاة مع درجة الإرهاق نتيجة أعراض الجوع الماثلة للعيان.

واذكر انه مما استوقفني أثناء الحديث معها بروز بطنها ..لقد سبب لي ذلك الانتفاخ حرجا كبيرا ، وتعمدت أن أخوض حواري معها بغير مبالاة النظر إلى بطنها الذي يحكي جراحات لا حد لها ولا حصر.

-ممنتيا- افريقية من ليبيريا ، تحكي ظروف سفرها إلى المغرب فتعبر بفرنسية قوية " كيف أستطيع أن أصف ما حدث خلال رحلة امتدت عشرات الآلاف من الكلمترات ، رحلة كلها سفر وجوع وتسول ، تسبقها دمعة توغلت في الجرف الأسفل من عين مثل بئر غزير، تعرضت لاغتصاب جماعي على الحدود مع أنغولا تضيف ، لكن الفاعل هذه المرة لم يكن سوى 6 شبان من أبناء جلدتي" -ممنتيا- هنا لا تقو على الحكي، فتنهار ، تركوها ليلا تنزف وانسحبوا كما الذئاب في الأدغال ، كابرت وكابرت تضيف –ممنتيا- لكن الظروف لم تسعفها كي تبسط معاناتها بالكامل يلزم ساعات وساعت من الاستماع الفاجع ، كان كل همها أن تسكت طفلها المشاغب الصامت ، وبين الفينة والأخرى وكما لو تسكت فما آخر ، ترسل بعضا من ريقها إلى من في بطنها ، بعد رحلة حفت بها كل المخاطر ،وصلت - ممنتيا - إلى شمال إفريقيا أو ما بات يعرف لدى مهاجرين جنوب الصحراء بمشارف الأمل والحلم الأبيض ،حيث الإطلالة على أوروبا، ولم يكن هذا الأمل سوى المغرب نقطة اللاعودة ، البلد الإسلامي العربي المضياف والكريم وفقا لرواية أغلب المهاجرين من دول جنوب الصحراء ، بوابة أوروبا عبر إفريقيا . خلال رحلتها التي دامت قرابة 4 أشهر ، استقلت -ممنتيا - عشرات الشاحنات والحافلات، وافترشت الربيع والعشب والحديد وروث البهائم نامت نهارا وسارت ليلا، سارت ليلا ونامت نهارا ، وتكبدت مشاقا يعجز اللسان عن وصفها ، ولما وصلت إلى نقطة الاعودة ، شعرت بنوع من الأمان، حرصت على دخول المنزل من أوسع أبوابه ، فتعلمت النطق بثلاث جمل عربية هي" السلام عليكم " في سبيل الله يامسلمين" ..شكرا " - ممنتيا- ممتنة في ذلك للصدفة الرائعة ، فالقدر قادها ذات صباح إلى مدرسة نائية بضواحي فاس ، حيث تعرفت على أستاذة ارتبطت بها اشد الارتباط وشاركتها الماء والحليب والعدس ، ولم تغادر المكان إلا وقد حفظت سورة الفاتحة ورطنت أكثر من قاعدة عربية وعشرات من جمل الأدب والحديث ، لا تنكر-ممنتيا- أن ابنها - ولدي - هكذا تناديه مجهول الأب ،إنها تصرح بذلك كما لو كان واجبا وطنيا ، لكنها بالمقابل تفصح عن والد من يوجد ببطنها ، إنها حامل في الشهر الثالث تقريبا ، تتذكر الواقعة كما لو بالأمس القريب ، حدث ذلك في قريتها الصغيرة في ضواحي العاصمة الليبيرية . كانت جائعة حتى أنها لم تأكل ليومين تقريبا ، وحينما وصلت قرية بجنوب مالي ، وكانت في غاية التعب والإرهاق ، استوقفتها سيارة على متنها شابين عليهما آثار الطبقة الميسورة ، فادعت ببديهة ملفتة إنها باحثة في علم الآثار، قدمت من ليبيريا بناء على دعوة من إحدى الجامعات وهي تقيم في فندق بالعاصمة ، إلا أنها تعرضت للسرقة وضاع منها كل شيء ، جرأتها دفعت بها إلى تلبية طلب أحدهما بمرافقته إلى غرفته ، وكان متهورا ، وكانت بحاجة لدفئ ما ، قضت الليلة معه، وخلال ذات الأمسية ، حدث فيها ما جعلها تعيش وتحيا بعد فقدت الأمل في الحياة ، - ممتنيبا- انتفخ بطنها مرتين ، الانتفاخ الأول كان بما لذ وطاب ، والثاني بمن شب وخاب ، هي الآن حامل في شهرها الثالث تعمل على توفير الطعام لفردين علاوة على نفسها ، إنها تبحث عن رمق العيش لها ولطفل بلا اسم وبلا هوية ، في وطن بلا أفق ، الأمر باقتضاب ، آفة ، ثلاثة أجيال خائبة ، جيلها المغامر الجريء الفاقد لبوصلة الحياة بوطنه الذي يعبر المسافات من اجل المستقبل الموعود ، والجيل الثاني وقد تشبع و سيقتفي الأثر حتما ، خلال العقود الثلاث القادمة ليعيد إنتاج نفس الخيبة ، فيما الجيل الثالث في بطنها حيث ترتسم الدهشة في أفق يصعب ارتياد تفاصيله المؤلمة.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (1)

1 - واه واه الاثنين 09 نونبر 2009 - 20:50
طريقة الكتابة رائعة والأسلوب مثير وجذاب ،مع اختلافي معه في ترويجه لبعض الأمور المنكرة ثم المداهنة فيها والتماس العذر ...
المجموع: 1 | عرض: 1 - 1

التعليقات مغلقة على هذا المقال